رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

عن .. «الكارو والمرسيدس»!

كتاب الكارو والمرسيدس: حداثة لم تكتمل للسيدة الدكتورة هبة شريف كتاب مشحون بالأسئلة الجوهرية والبصيرة النافذة للواقع الاجتماعى

والثقافى الذى نمر به فى مصر والعالم العربى منذ عقود. بعيدا عن التغيرات العنيفة واللغط السياسي، فإن الكتاب يرصد مشكلات الواقع الذى لا يريد أن يتغير، بل هو يزداد تراكما وتعقيدا. تحت الملابس الأنيقة والأجهزة الحديثة والأبنية الشاهقة الفاخرة: هل تغير الإنسان؟ هل تغير فكره وتفكيره، وتعامله مع الناس ومع نفسه، الكتاب يطرح هذه الأسئلة بشكل جيد وفى طرح السؤال: بداية الرؤيا وأمل الإجابة والتغيير.


الدكتورة هبة دارسة للأدب المقارن وللاجتماع ومترجمة لأعمال مختارة من الأدب الألماني: وبعد التدريس فى الجامعة شغلت منذ أكثر من عشر سنوات رئاسة المكتب الإقليمى للمؤسسة الثقافية السويسرية، التى تدعم النشاط الثقافى والتبادل الخاص بدعم المشاريع الفنية والثقافية فى المنطقة العربية. هى لذلك مثقفة ودارسة وممارسة للعمل هنا وفى الخارج. وقد لفت كتابها هذا نظر عدد من الأقلام الجادة المهتمة دون غرض أو مصلحة أو أهواء سياسية ولغط فكري... لفت نظرى إلى جانب صدق الكتاب وجديته تواضع العارف الذى يشعر بحجم المشكلة، وعظم المسئولية فهى تهدى كتابها إلى ابنها «مروان وجيله» الذى تعلمت منهم: أن تنظر للعالم بوضوح وبدون تكلف. المجتمع فى مصر لم يصبح مجتمعا حديثا تماما رغم أن به العديد من الناس الذين يتحدثون اللغات الأجنبية ويقودون السيارات ويجيدون التعامل مع كل مكتسبات المجتمعات الحديثة «التقنية». مجتمع ما زال لم يتخط تماما طور المجتمعات التقليدية، مجتمع «منهجي» بين الحديث والقديم أو هو حديث «حداثة منقوصة» لم تكتمل كل أركانها بعد.


ولكى ندخل إلى صلب الموضوع وسط مئات الأسئلة والمشكلات التى يثيرها هذا الكتاب البحثى الصغير (صادر عن دار نشر صغيرة اسمها دار سلامة للنشر والتوزيع 2015 القاهرة)، نقول إن الباحثة ترجع بداية الحداثة المصرية إلى الحملة الفرنسية وما صاحبها من مطابع وأبحاث علمية، ومن هذا الافتراض الذى لم استطع أن أقبله بنيت كل أفكار الكتاب: أسئلته ومحاولات طرح إجاباته، أقول - ولست أنا الآخر - عالم اجتماع أو مؤرخ - ولكن مجرد مواطن ابن هذا الواقع، وحامل لكل مشاكله الفكرية والاجتماعية - أقول إن هذه البداية فى التحليل وهذه النظرة إلى التاريخ هى التى صنعت الازدواجية التى نمت بعد ذلك وشملت كل مناحى الفكر والمجتمع، كل ما حملته الفرنسية، رغم قيمته وأهيته التى لا تنكر: فإنه ظل مستوردا وليس ابن هذه الأرض ولا فكر هؤلاء الناس وتقاليد حياتهم، وإذا كنا قد وصلنا بعد مئات السنين وعشرات التجارب السياسية والاجتماعية (محمد على - إسماعيل - الوفد ومحاولات الليبرالية عرابى ومصطفى كامل والنحاس وصدقى ثم ثورة يوليو وعبدالناصر والتغيرات الاجتماعية ثم عبور السادات وسلاحه ثم 30 يونيو وما نحن فيه) إذا كنا بعد كل هذا مازلنا نعيش حالة التعليم هذه وهذه الأحوال الصحية، ودرجات الفقر والعشوائيات والمسافات الرهيبة التى تفصل بين المدينة والريف، وما زلنا منقسمين بين «بلدي» و«أفرنجي» مازلنا عاجزين عن ممارسة أى شكل حقيقى من الديمقراطية فى الحكم والسلوك والتفكير. مازلنا بعيدين عن إعمال العقل وإعطاء ما لله لله وما لقيصر لقيصر، مازلنا نخفى المرأة ونمارس ضدها قمعا وعنفا وتمييزا، رغم دورها الجوهرى فى الحياة اليومية والاجتماعية، مازال أغلبنا صورا وتنويعات على شخصية «سى السيد»، ومازال أغلبنا يحلم بالمخلص، أو بالمستبد العادل، ونمارس الاستبداد والقمع فى البيت والشارع ودواوين الحكم.. فإننى اقترح من باب الفكاهة السخيفة، أن تتكرم الدولة الفرنسية العظيمة باسترداد حملتها وما جاءت به فقد يؤدى بنا الطريق الآخر إلى واقع مختلف.


أى طريق؟!


طريق أن نصنع نحن حداثتنا الخاصة - نعرف أولا ماذا تعنى الحداثة؟ وهل سنختار نفس هذه الحداثة التى حملت مع كل وجهها البراق حقائقها البشعة التى لن أدخل فى وصفها تكفى الحروب والقنابل الذرية وتوحش غول العولمة التى لا نعرف ماذا سيأكل وماذا سيترك بعد سنوات!


انطلقت الحداثة كما تقول أغلب تعريفات المصطلح: من المطبعة وانتصار العقل وثورة لوثر الدينية، وقيم الثورة الفرنسية (التى لم تتحقق حتى الآن) وفكر ديكارت ودارون وماركس وفرويد .. صنعت كل هذه الأفكار، أضواء الحداثة ... ولا أرى من خلق الوحوش الأخرى التى تدمر بالليل كل ما تبنيه الانسانية بالنهار. هل هو المال والمصالح والشر الذى لم يعرف البشر له تفسيرا حتى الآن.


ما أقوله - ما أشعر به، إذا كان التاريخ قد فرض علينا حتى الآن أن نعيش هذه الازدواجية التى أبقت الحال على ماهو عليه، وندفن أخطاءنا ومشاكلنا تحت السجادة أو تحت طلاء لا يخدع إلا الحمقي.


إن عمق الأزمة التى وصلنا إليها يفرض علينا أن نعيد التفكير فى الأساسيات وألا نبحث بعد الآن عن مسكنات أو ديكورات ومهرجانات نحتفل فيها بانجازات نتخيل أننا قد حققناها.


أتاح لى هذا الكتاب الغنى بالأسئلة التى أحسنت صياغتها أن أفكر وأن أسأل أسئلة جديدة تقول المؤلفة فى نهاية الكتاب - البحث - المقال الطويل:


هل الحداثة كما هى موجودة فى مجتمعاتها لا تناسب المجتمع المصري؟


هل يشترط أن تكون الحداثة نتاج طبيعى لتطور المجتمع وحركته؟ هل أخذنا من الحداثة ما نحب ... وتركنا ما هو ضرورى وصعب؟!


السؤال الأمين شرف .. ومحاولة الإجابة الطريق الوحيد للأمل.



لمزيد من مقالات علاء الديب

رابط دائم: