رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

مالم ينتبه إليه أصحاب الصراخ السياسى

يطاردنى خيال غريب ، أرى فيه ملامح أبو بكر البغدادى تطل من داخل مرآة ، بينما كان الواقف أمام المرآة هو جورج دبليو بوش ، ثم

ظهر بديلا منه باراك أوباما ، وكان أبو بكر البغدادى يضحك ملوحا بسيف أخذه من السلطان العثمانى الجديد المسمى أردوغان، قال أبو بكر البغدادى: أنا النتيجة الأخيرة لمحاولة كليهما زراعة ديمقراطية مشوهة فى العراق ، عن طريق المدعو يول برايمر أول حاكم عسكرى بعد احتلالكم للعراق . ابتسم جورج دبليو بوش وهو يتساءل وهل هناك ديمقراطية غير مشوهة ؟ إنت جاهل تريد عودة زمن قديم بأدوات معاصرة يا «أبو بكر» البغدادى ، متناسيا أن صورتى تتطابق مع صورتك ، تماما كما تطابقت من قبل مع صورة بن لادن، لكن من جاء بعدى تكفل بقتل بن لادن، وسمح للإمبراطور العثمانى الجديد المسمى «أردوغان» «أن يرسم آفاق أطماعه بأن أمدك بكل ما تحتاجه من سلاح، وكلما حاربت بادعاء رفعة الدين ، فأنت تطلق قنابل ورصاصا، ويقاومك أناس يدعون أيضا أنهم يعملون على رفعة الدين ، فيلقون عشرات القنابل من الطائرات، وكلما تهدمت مدينة فى العراق أو سوريا، كلما دارت مصانع السلاح فى الغرب ، وتلمظت شركات المقاولات وهى تحسب مكاسبها عندما تنتهى تلك المعارك ، لتبدأ هى فى إعادة البناء ، مستنزفة ما تبقى من ثروات مكدسة فى بنوك الغرب هى ناتج استنزاف البترول بعد أن أثقلت تلك الثروات كاهل البنوك ، ولم تفلح نوبات التلاعب فى بورصات نيويورك ولندن وباريس وغيرها فى امتصاص بعض أو كثير من تلك الثروات ، بل لم تفلح المغالاة فى أسعار توريد أسلحة غير مكتملة بقدرات التسليح الموجودة عند الجيوش الغربية ، لم تلفح تلك المغالاة فى أسعار تلك الأسلحة فى امتصاص كثير من تلك الثروات . وكل ذلك قد حدث بعد حرب أكتوبر 1973 والتى فوجئت بها العقليات السياسية والعسكرية فى كافة معاهد الغرب ، وكيف استطاع السلاح الروسى الأقل قدرة من السلاح الغربى فى هزيمة جيش الدفاع الإسرائيلى . واستطاعت خبرات الدهاليز فى واشنطن ولندن وباريس وغيرها أن تأخذ بمصر عبر سياسة الانفتاح إلى ثلاجة التجميد كيلا تتحرك فيها إلى مستقبل تحدده هى للعروبة، وسبحت المنطقة العربية بين قيادات تدعى الثورية وهى ليست سوى دمى تهوى التصوير بنفس الوقفة التى كان يقفها جمال عبد الناصر سواء فى شرفة قصر الحكم فى دمشق فى أثناء الوحدة بين مصر وسوريا، أو فى الاحتفال السنوى بثورة الثالث والعشرين من يوليو، وحاول صدام حسين أن يقف تلك الوقفة وقدم من خلالها طلبا لواشنطن كى تعتمده بديلا لكل من عبد الناصر وشاه إيران، لكن انتهى به المطاف معلقا على مشنقة هتف فى أثناء شنقه بالحلم الذى خانه وهو حياة الأمة العربية. ونفس الوقفة وقفها حافظ الأسد ثم تلاه جعفر نميرى ، ثم معمر القذافى، وكلنا نعرف مصير كل فرد منهم ، فقد توهموا أن الزعامة هى فن الوقوف أمام الكاميرا لا فن عميق الإخلاص لمجموعة الأهداف التى ترتقى بالبشر، كما آمن عبد الناصر.


وعلى مدى أربعين عاما كانت مخابرات الغرب تربى ثعابين تدعى الانتماء للإسلام كى تستخدمها فى إنهاء الإمبراطورية السوفيتية ، ولكن مع سقوط حائط برلين، وهزيمة الروس فى أفغانستان استدارت الولايات المتحدة لتغسل يدها من تربية الثعابين ، فجاء اللدغ المتوالى ، وطبعا لم تلتفت الولايات المتحدة إلى حادث لدغ تلك الثعابين المتأسلمة للسادات ، الذى أخرجهم من السجون وأحسن إليهم وأمد معسكرات قتال الشيوعية فى أفغانستان بهم ، لم يلتفتوا إلى أن هناك لدغا قادما .


وظن مبارك أن الانكفاء داخل نظرية تكوين الثروة فى يد طبقة تملك كل مقدرات الوطن ، سيجعل ثمار التنمية يتساقط على بقية الجماهير. وكأنه نسى أو لم يعلم أن محمد على عندما حكم مصر كان محاطا بالمماليك الذين إمتلكوا كل الثروة ، ولم يمدوا له أى يد فى أثناء تكوينه للجيش أو فى أثناء إرساله للبعثات العلمية خارج مصر ليعيد بناءها بعيدا عن سيطرة العثمانيين ، فلم يمدوا له يدا ، فكانت مذبحة القلعة بعد ست سنوات من توليه الحكم . وتناسى مبارك أيضا أن جمال عبد الناصر أشعل أصابعه العشرة شموعا كى تشاركه طبقة رجال الأعمال فى بناء وطن مستقل ، ومضى على ندائه ثمانى سنوات وهو يناديهم دون أن يلتفتوا للنداء، فجاء التأميم ليؤسس قطاعا عاما، وقف كحائط صد ضد الانكسار الذى دهمه فى يونيو عام 1967، وأستطاع هذا القطاع مع مليون من المتعلمين تكوين جيش أشرف على استشراف الأمل فى قدراته قيادة فى حجم عبد المنعم رياض . لم ينتبه حسنى مبارك لما مضى ، فلم يكن قارئا أو مثقفا ، بل أصر على أن يكون موظفا مهمته الحفاظ على سكون المجتمع ، ولم ينتبه إلى أن رحلة التجميد مع تجميع الثروة وبيع مصادر القوة الاقتصادية فى مزاد صناعة الحزن العام ، سيرمى المجتمع إلى ساحة من جوع للأمل ، ومضى تجار الدين الذين أخرجهم سلفه من القبور وقتلوه ، مضى هؤلاء التجار يروجون بيع الوهم، إلى أن انفجر المجتمع فى الخامس والعشرين من يناير، فظنت أجهزة المخابرات الأجنبية أن الوقت قد حان لها أن تشكل الواقع على هواها بدعوى الديمقراطية، دون أن تدرى أن المصريين سيكتشفون أى كعكة مسمومة سيضعها تجار الدين فى أفواههم ، فبعد أن فازوا بمجلس نواب على هواهم، وبعد أن استقر لهم الحكم ظنوا أن مصر دانت لهم، متناسين ما حدث لإسرائيل عندما توهمت أن مصر قد إنكسرت تماما فى الخامس من يونيو 1967، وانتفضت الجموع لتستعيد أهداف ثورة يناير حيويتها عبر الثلاثين من يونيو، ويكون السند فى الثورتين هو الجيش، هذا الذى حلمت أجهزة مخابرات الغرب بأن تكسره بكل السبل، فلم تستطع. و سقط المتأسلمون من حالق إلى ما يستحقونه من محاكمات . ورغم كل ذلك لم يتوقف المصريون عن حق الحلم فى حياة مقبولة ، فكان مشروع قناة السويس الجديدة .


يحدث كل ذلك ومماليك عصر مبارك يتفرجون على ما يجرى فى أرض الواقع ، فأسسوا تليفزيونات تصرخ بالتأييد وتعمل على التفتيت ، ويمولون أى ضجيج لكنهم لا يقدمون لصندوق تحيا مصر ما يسهم فى سرعة تغيير الواقع ، فهم يصرون على ابتلاع المزيد من الثروة دون أن يلتفتوا إلى أن البسطاء قد اقتطعوا من قوت الأولاد قرابة السبعين مليار جنيه لحفر القناة ، ولم نسمع عن ملياردير واحد قدم لصندوق تحيا مصر ما يوفى باحتياجات إصلاح منظومة الصحة والتعليم والثقافة ، هم يعشقون الوجود فى المؤتمرات لاقتناص فرصة ثراء جديدة، متناسين جميعا ما قاله واحد ممن سبقهم وهو رجل الأعمال محمد فرغلى الملقب بملك القطن فيما قبل ثورة يوليو ، وقد نشرت حوارا معه عام 1962، بعد تأميم شركاته فقال: ميزة عبد الناصر أنه ترك رءوس الأثرياء فوق أكتافهم ، ولم يقطعها كما فعل محمد على، فالشعوب تحتاج للحياة المقبولة ، والثراء الفاحش ضد الحياة المقبولة للجموع فى بلد محدود الإمكانيات كمصر.


وإذا ما تقدمت دول عربية تعرف قيمة حياة لائقة للمصريين كما فعلت دولة الإمارات، ومثلما قدمت السعودية من مساندة، وإذا شاءت الكويت أن ترفع من حد الكفاف عن شعب أرسل أبناءه ليطردوا صدام حسين من أرض الكويت، إذا ما فعلت دول الخليج ذلك ، أفلا تستحى الرأسمالية المصرية عن وقوفها متفرجة، ومنتظرة لمزيد من تراكم الثروة؟.


وعاد إلى خيالى صورة أبو بكر البغدادى فى المرآة بينما كان الواقف أمام المرآة هو أوباما ، قال البغدادى بعربية متكسرة « الثروة فى الأيدى التى تبخل على أهاليها مصيرها التبديد». وسمعت صوت أوباما وهو يتحدث عن احتمال لقاء مع مجموعة المتأسلمين الذين تستخدمهم أجهزته كخنجر فى خصر مصر بدعوى الديمقراطية ، وقطع خيالى الذى تتطابق فيه صورة أوباما الواقف أمام المرآة لتظهر له صورة أبو بكر البغدادى ، قطع هذا الخيال رأيت حفيدى البالغ من العمر ثمانية عشر عاما وهو يقول « ديمقراطية دون عدالة اجتماعية متفق على آفاقها وخطواتها من الجميع ، هى ضجيج بلا قدرة على صناعة الأمل ّ» . وتمنيت أن يسمعه أهل الثرثرة على المسرح العام بدعوى أنهم «أحزاب مصرية «


لمزيد من مقالات منير عامر

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق