رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

3 - كتاب على عبدالرازق فى عامه التسعين!

قبل نحو عامين حين دعانى فضيلة الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر مع جماعة من المثقفين، للنظر فى كتابة وثيقة حول الحريات

الأساسية، حرية العقيدة والرأى والتعبير والبحث العلمى والفن والإبداع الأدبى لتكون أساسا فى الدستور يعبر عن رؤية الأزهر والمثقفين المصريين لهذه الحريات استبشرت خيرا واعتبرت هذه الدعوة بداية عهد جديد يتحاور فيه المثقفون ورجال الأزهر بعد عهود من الصدام والخصام، ويتكامل نشاط الفريقين ويسير كل منهما فى طريقه بعد أن يتوافقا على المبادئ والأسس.


وفى الاجتماع الأول الذى حضرته طلبت الكلمة لأقترح على الدكتور الطيب أن يراجع الأزهر مواقفه السابقة من المثقفين المصريين فى ضوء اعترافه بهذه الحريات الأساسية التى ستصبح بهذه المراجعة أفعالا لا أقوالا.


وفى هذا المجال ذكرت المعركة التى دارت حول مسألة الخلافة وانحاز فيها الأزهر للملك فؤاد ونكَّل بالشيخ على عبدالرازق وكتابه «الإسلام وأصول الحكم»، كما ذكرت المعركة التى دارت حول كتاب «فى الشعر الجاهلي» وشن فيها الأزهر حملة ضارية على طه حسين لأنه ميزَّ بين لغة العلم ولغة الدين، ولأنه قال إن المنهج العلمى يبدأ من الشك والمنهج الدينى يبدأ من اليقين فاتهمه الأزهر بالطعن فى الإسلام وقدمه للمحاكمة وحرَّض عليه السلطة والمجتمع وحاربه فى رزقه وفى حريته.


ذكرت هاتين القضيتين واقترحت على الدكتور الطيب أن يراجع الأزهر موقفه منهما. وقد استمع لى الدكتور الطيب بأدبه الجم المعهود لكنه انشغل بما جاء فى وثيقة الحريات من أفكار نظرية لم تترجم حتى الآن ترجمة عملية، بل نحن نرى أن الأزهر أو من يتحدثون باسمه مصرون إلى اليوم على البقاء فى موقفهم القديم من هاتين القضيتين، وهذا ما رأيناه فى مجلة «الأزهر» التى أعادت نشر ما كتبه الشيخ محمد الخضر حسين، وهو رجل تونسى عمل فى خدمة العثمانيين حتى هزموا فى الحرب العالمية الأولى فجاء إلى مصر واستقر فيها واشتغل بالتدريس فى الأزهر حتى اشتعلت معركة الخلافة بين الملك فؤاد والمثقفين المصريين، فلم يقف مع المثقفين، ولم يقف على الحياد، وإنما وقف مع الملك ووضع كتابا سماه «نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم»، وأهداه إلى خزانة حضرة صاحب الجلالة فؤاد الأول ملك مصر المعظم.


هذا السيد المتطفل الذى قدم إلى مصر ليناهض الحركة الوطنية ويتزلف للملك ويناصب المثقفين المصريين العداء وليصبح شيخا للأزهر بعد أن استولى ضباط يوليو على السلطة هو الذى أعادت مجلة «الأزهر» نشر ما كتبه ضد على عبدالرازق تحت عنوان «ضلالة الفصل بين الدين والسياسة»، وهو عنوان يدافع فيه كاتبه وناشره عن الخلط بين السياسة والدين، ويعتبر الدولة الدينية ركنا من أركان الإسلام، وهو الموقف الذى تبناه الأزهر فى أيام الملك ولايزال يتبناه إلى اليوم على ما يبدو، وإلا فلماذا يعيد نشر ماكتبه الخضر حسين فى الوقت الذى كنا نواجه فيه سلطة الإخوان الإرهابيين ونحارب فاشيتهم الدينية؟


وقد يقول البعض إن ما تنشره مجلة «الأزهر» لا يعبر بالضرورة عن موقف الأزهر، لكن هذا تهرب من المسئولية، وقد انتظرنا ولا نزال ننتظر من الأزهر كلمة يوضح فيها موقفه من مسألة الخلافة إن كان له موقف جديد منها، لكنه ضن علينا بهذه الكلمة، فى الوقت الذى سارعت فيه دار الإفتاء المصرية إلى إعلان ولائها للجماعة الإرهابية، حين كانت هذه الجماعة مرشحة لتولى السلطة بعد ثورة يناير، وذلك فى الفتوى التى قالت فيها إن «الخلافة فرض كفاية على الأمة»، وفرض الكفاية هو الواجب الدينى الذى يقوم به البعض فيسقط عن الآخرين، فمن هم هؤلاء البعض الذين كانوا مرشحين للقيام بهذا الفرض عام 2011 حين صدرت هذه الفتوي؟


ويبدو أن دار الإفتاء قد راجعت نفسها أخيرا فأصدرت فتوى قبل أسبوع قالت فيها إن الإسلام لم يأمر بنظام سياسى معين وترك الباب مفتوحا أمام اجتهادات تناسب الأزمنة والأمكنة، وهذا هو موقف الشريعة من كل القضايا التى تحتمل التغيير، واستدلت الفتوى بطريقة تعيين الخليفة الأول والثانى والثالث فقالت إن النبى عليه الصلاة والسلام لم يوص على الخليفة من بعده، وإن المسلمين اختاروا أبا بكر ثم قام أبو بكر بتعيين عمر خليفة من بعده، ثم قام عمر بتعيين ستة لينتخب منهم واحد، وهكذا انقضت دار الإفتاء فى عهد المفتى الحالى ما سبق أن أعلنته فى عهد المفتى السابق والإخوان فى طريقهم إلى السلطة، وتبنت فى فتواها الأخيرة هذه ما قاله الشيخ على عبدالرازق منذ تسعين عاما فى كتابه «الإسلام وأصول الحكم» دون أن تشير للكتاب أو لصاحبه. أما الأزهر فقد ظل على صمته إزاء هذه القضية التى لم تعد الآن مجرد سؤال مطروح على المفتى أو على الأزهر، وإنما أصبحت خطرا داهما ماحقا يتمثل فى هذه العصابة البربرية التى بسطت سلطانها على سوريا والعراق وصار لها من يمثلونها فى ليبيا ومن يأتمرون بأمرها فى السعودية.


وكما أن موقف الأزهر من على عبدالرازق لم يتغير حتى الآن، وموقفه من طه حسين لم يتغير حتى الآن، وفى الشهر الأخير نشرت مجلة «الأزهر» كتيبا بعنوان «طه حسين من الانبهار بالغرب إلى الانتصار للإسلام»، وهو عنوان خادع، إذ يبدو كأنه يبرئ طه حسين مما اتهم به مع أنه يستخدم التبرئة ليثبت التهمة وهى أن عميد الأدب العربى كان عميلا للغرب، وقد سلطه المستشرقون ورجال الكنيسة على الإسلام والمسلمين وزودوه بقنبلة انفجرت فى مصر وتمثلت فى زوجته الفرنسية سوزان التى «أقنعها عمها القسيس بالزواج من طه حسين رغم تحفظها من أجل مقاصد يرجوها من وراء احتواء هذا المشروع الفكرى الذى سيتم غرسه على بساط النيل»!..


ويواصل الكاتب هذه. فيقول عن مؤنس ابن طه حسين إن أمه كانت تدعوه باسمه الفرنسى كلود، وإنه قد انتهى به الأمر إلى «التنصر والموت نصرانيا فى فرنسا»!.


«وعندما سافر طه حسين إلى المغرب بدعوة من الملك طلب من مرافقه همسا أن يذهب به إلى مسجد القرويين ليصلى ركعتين، لكنه رجاه أن يكتم أمر هذه الصلاة عن المدام»!.


وهكذا نرى أن طه حسين فى الكتيب الذى أصدرته مجلة «الأزهر» كان فى أفضل أحواله رجلا منافقا ويظهر غير ما يبطن. فهو فى بيته يساير المدام المجندة من رجال الكنيسة لإخراج المصريين من دينهم، وهذا هو الشق الأول فى عنوان الكتيب الذى يتحدث عن انبهار طه حسين بالغرب، أما الشق الآخر وهو انتصار طه حسين للإسلام فيتمثل فى صلاته سرا فى جامع القرويين بفاس.


وهكذا ربَّى طه حسين ابنه، فهو فى مصر مؤنس، أما فى فرنسا فهو كلود، وهو فى مصر مسلم، أما فى فرنسا فهو نصراني!.


وإذا كانت هذه هى تربية طه حسين لأولاده فلن تختلف عنها تربيته لطلابه، وإذا كان هذا هو موقف الأزهر حتى الآن من على عبدالرازق وطه حسين، فلن يختلف عنه موقفه من إسلام بحيرى وخالد منتصر!.



لمزيد من مقالات أحمد عبد المعطي حجازي

رابط دائم: