المقهى الثقافي

أحمد فضل شبلول يكتب: إشارات مرور ريم أبوالفضل

9-3-2016 | 20:18

أحمد فضل شبلول

على مدى ثلاثة وثلاثين بابا، وتسع وتسعين قصة قصيرة جدا (ق. ق. ج) تخوض الكاتبة ريم أبوالفضل عالم تلك القصة الموجزة المكثفة الطلقة في تجربة أدبية بارزة نجحت فيها الكاتبة من حيث الاستجابة إلى متطلبات هذا النوع الأدبي الذي انتشر بكثافة خلال السنوات السابقة، بخاصة في وسائل التواصل الاجتماعي التي أصبحت بدورها ساحة لا نهائية للومضات الإبداعية سواء كانت شعرا أو قصة أو لوحات تشكيلية أو خاطرة أدبية.


غير أن الناقد المغربي د.مسلك ميمون يؤكد في دراسته الملحقة بالكتاب أننا بصدد فن عريق حقا، وأنه ليس من المستحدثات كما يرى البعض، بل له جذور أصيلة تضرب عميقا في ثقافتنا وإرثنا الأدبي العربي.

ويضرب مثالا لذلك بما ورد في بعض الكتب مثل "المستطرف في كل فن مستظرف" للأبشيهي، وكتاب الأغاني أو أخبار البخلاء واللصوص والشطَّار والنوادر .. وغيرها.

وأعتقد أن مفهوم القصة القصيرة جدا الذي ينطلق من خلاله كتَّاب اليوم يختلف تماما عن المفهوم الذي كان ينطلق من خلاله كتابنا القدامى. لعل كتابنا القدامى كانوا يتخذون هذا الفن حلية في أعمالهم، أو من باب "ما قل ودل" دون أن يقصدوا أن يؤسسوا لفن أدبي بعينه.

أما كتاب اليوم فأعتقد أنهم يؤسسون لهذا الفن المعاصر، او هذا الأدب المعاصر مستفيدين ـ بلا شك ـ من تجارب من سبقوهم، حتى وأن لم يقصد السابقون هذا التوجه.

ومن هؤلاء الكتاب تأتي الكاتبة ريم أبوالفضل في قصصها القصيرة جدا، التي جاءت معظمها بدون أسماء أشخاص معينة، وبلا أماكن محددة، وبلا أحداث كبيرة.

تقول الكاتبة في نص بعنوان "صرخة" احتوى على أربع عشرة كلمة فقط:
"صرخ صرخة انشقت لها السماء؛ فصعدت روحه
كانت الحياة بالنسبة له،
والموت لمن حوله".

وفي نص "رصاصة ذات عين" تقول:
"أطلق الرصاص على صدره
أبت الرصاصة أن تشقه
ارتدت صوب الهدف الحقيقي
فدخل الهواء إلى صدره لأول مرة".

وقد لاحظنا أن معظم نصوص المجموعة تحوم حول الموت ومفرداته وأدواته المختلفة، فهو المهيمن على جو المجموعة، كما لاحظنا في النصين السابقين، وكما نلاحظ في هذا النص الذي جاء بعنوان "فلسفة":
"(تكمن فلسفة الحياة في موت الآخرين، وفي حكمة بقائنا)
كتبها لينشرها غدا ..
فكانت آخر كلماتٍ قرأها له أبوه".
وتأخذنا الحيرة من الذي مات في هذا النص، هل الابن أم أبوه؟

إن عناصر التضاد والمفارقة والإدهاش والمفاجأة، إلى جانب التناص مع آيات القرآن الكريم، وخاصة قصتي يوسف ومريم، إلى جانب التناص مع بعض الأحاديث النبوية الشريف هي أهم السمة الغالبة على نصوص مجموعة "إشارة مرور" لريم أبوالفضل.

وقد استطاع الناقد المغربي محمد محقق أن يحصي 33 تيمة متقاربة ومتجانسة ومتكاملة في هذه المجموعة تتمحور حول المناخ السوداوي، كالترحال والفراق والانطواء على الجسد والمعاناة النفسية والاجتماعية والتقاط الصراع الذاتي والاضطهاد والاغتراب والعزلة والخوف والتأمل في مصير الإنسان والضياع والأسى وفقدان التواصل مع الآخر وانفلات العلاقات الاجتماعية و...

ويرى محقق أن "إشارة مرور" هي باختصار إدانة للحياة الاجتماعية المليئة بالشرور وبالمظالم، ومن هذا المنظار حاولت القاصة أن تعالج جوانب متعددة من الظلم الاجتماعي.

في مجموعة "إشارة مرور" على سبيل المثال نقرأ ثلاث قصص قصيرة جدا تحمل العناوين: إشارة، مرور، حمراء. وكل منها يحمل مضمونا مختلفا، فالأولى إشارة مرور إليها .. إلى الحبيبة "حصل على تأشيرة مرور إليها" على الرغم من استعداد السيارات للمرور، ولكن ينحرف مسار القصة إلى الحبيبة التي تومض أمام السارد فيندفع عبر صوته الداخلي تجاه الحبيبة، وتخرج السيارات من المشهد بكامله.

أما في "مرور" فلم نجد إشارة المرور التقليدية، ولكن نجد كلمة المرور الخاصة بالحاسوب التي لم تفعّل لأن السارد لم يدفع فاتورة الصيانة. وفي "حمراء" نعود إلى إشارات المرور حيث يوقف الشرطي السيارات المسرعة لتعبر الحسناء، ولكن يبتسم الأخضر ابتسامة صفراء.

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة