المقهى الثقافي

محمد سمير عبد السلام يكتب: التمثيلات الإبداعية المحتملة للوجود في كتابة إدوار الخراط

14-12-2015 | 20:05

محمد سمير عبد السلام

تجمع كتابة الروائي المصري العالمي الراحل إدوار الخراط بين أصالة الذات المتكلمة، وتداخلاتها المحتملة مع الأسطورة، وتراث الأدب، والعلامات الكونية المولدة بواسطة النص؛ ومن ثم نلاحظ التمجيد الحداثي للذات مختلطا – بصورة إبداعية – مع الاحتفاء بالتعدد، والتناقض ما بعد الحداثي الكامن في العلامة من داخل النزوع إلى تكرار الإحالة إلى المتكلم، أو الأنثى.


المتكلم – في قصص الخراط – ذو صوت قديم، متداخل مع أصداء اللاوعي، وتراث الفن، والأسطورة؛ وهو يستشرف حضورا دائريا ينبع من الأصالة الذاتية، والتراث الثقافي الديني في رواية "الزمن الآخر"؛ وهو يقع في تناقضات محتملة بين السجن، ولذة الرؤى الإبداعية للوجود، ومعانقة الصيرورة الكونية في شاعرية تأويلية في رواية "طريق النسر"؛ فالذات في كتابة الخراط تتجاوز الغياب دائما، وتقع في مسافة بين الحضور، وأزمنة الأسطورة، والأكوان الجمالية المحتملة؛ فالوعي يتداخل مع تشكيلات الأرض، والموجودات المرئية، والكائنات الأدبية المجازية من داخل القيود، والحتميات الزمكانية المهيمنة على الشخصية.

الذات تقع – عند الخراط – بين مبدأي أبولو، وديونسيوس طبقا لنيتشه؛ فهي تحيلنا إلى البهجة، والأصالة، بينما تخضع للتحول، والتمزق في آن، وإن كانت أقرب لثراء دلالة الحضور الدائري المستدعى من عوالم اللاوعي الفسيحة؛ كما هو في تصور كارل يونج عن النفس الكلية؛ وما تحمله من دلالات تتجاوز الذات التاريخية، ولكن المتكلم قد يعاين لذة جمالية تقترن بلحظات التفكك، والتحول في النص؛ وهو ما يكسبه نوعا من التعدد الجمالي، أو من التداخل، والتناقض الذي يثري بنية العلامة، ويعزز من حضورها الإنساني، أو الكوني الكامن في تأويلاتها الثقافية، أو الكونية في النص.

التداخل الجمالي يشكل تيمة فنية رئيسية في كتابة الخراط؛ فقد جمع بين التأويل، والإبداع في حديثه عن بعض الفنانين التشكيليين؛ مثل عدلي رزق الله، وسامي علي، وأحمد مرسي، وأرى أنه قد جمع بينهما في نصوصه الروائية أيضا؛ فالبطل يؤول رامة في الزمن الآخر، انطلاقا من تحولاتها الاستعارية، والمجازية، وكذلك يؤول عايدة في "طريق النسر" من خلال تشبيهاتها الثقافية، والأدبية الحية التي تختلط بها – بشكل رئيسي – يؤكد الأصالة، والتعدد الجمالي التأويلي في آن بين كل من الأنا، والآخر المحتمل في عملية الإبداع الممزوجة بالتفسير الشعري الفلسفي الكثيف.

إن العلامة – في كتابة الخراط – تحيل إلى أنساق مختلفة، ومتداخلة من التفسير في وعي المتلقي، أو المؤول؛ فعلامة التنين مثلا تحيل إلى الثقافات الشرقية، والتراث الديني، وعنصر الاختلاف الكامن في نوع متفرد، وجديد من العشق الذي يوحي بتصوف، أو بتعاطف كوني محتمل، يحيل إلى الماضي، وإلى نسق استعاري آخر مضاف لبنية العلامة الأولى.

وبصدد العلاقة بين تمثيل الشيء، أو تقديمه فيما يخص العلامة، يكتب جاك دريدا في سياق حديثه عن تحولات العلامة بين هوسرل، وبيرس أن ما نسميه الشيء نفسه، هو أصلا عنصر تمثيلي، وهو لا يؤدي دوره إلا إذا اقتضى مفسرا هو بحد ذاته علامة، وهكذا إلى ما لا نهاية؛ فأخص خصائص العنصر التمثيلي أن يكون نفسه، وأن يكون آخر، أن ينتج نفسه بوصفه بنية للإحالة، وأن ينشغل عن ذاته، وينحاز دريدا إلى تحولات العلامة الممكنة عند بيرس في تجاوزها لمبدأ تقديم الشيء كظاهرة، أو كحقيقة (1).

يفكك دريدا – إذا – بنية العلامة من داخل تأويلها العلاماتي نفسه، وما يحتمله من تمثيلات شعرية؛ وهو ما نلاحظه في الإحالات الثقافية العديدة للعلامة عند الخراط؛ فما يلبث الراوي / البطل أن يصف عايدة، أو زينب في رواية "طريق النسر"، حتى نعاين الوجوه الفرعونية، أو شخصية عايدة المتعالية في الأوبرا، أو مبدأ الأنوثة نفسه الكامن في أحلام اليقظة كما هي في تصور باشلار، وغيرها من الصور التي تجمع بين التحولات المجازية، والثقافية في بنية العلامة.

ويمكننا ملاحظة ثلاث تيمات فنية في كتابة الخراط؛ هي؛ الصيرورة الإبداعية لعلامتي الأنثى، والذات المتكلمة، والتعددية، والتداخل في بنية النص، والكثافة الجمالية الكامنة في تأويلات الوجود.

أولا: الصيرورة الإبداعية لعلامتي الأنثى، والذات المتكلمة:

جمع الخراط – في "طريق النسر" بين اليومي، والسيري، والفانتازي، كما ارتكز على أصالة الذات في الفكر الحداثي، في تمثيلاتها المتعلقة بصورة النسر المتمرد، والمتعالي، وخضوعه لصيرورة تحولات تشبه الغياب في الوقت نفسه؛ وهو ما يوحي بتشكل إحالات جديدة تفكك مركزية الأنا فيما بعد الحداثة.

يوحي الراوي بالحنين إلى مجموعة فريدة من الشخوص كانت تبحث عن عالم أفضل بعيدا عن قوى الاستعمار، والهيمنة، ولكنه يعزز من ذلك الحضور الجمالي الخفي للمتخيل، والأسطوري من داخل هيمنة الموت، والحتميات الآلية؛ وكأن صورة النسر تتجاوز الأسر جماليا، دون أن تحطمه؛ مثل هذه الحالات التداخلية، توحي بإعلاء مدلول الذات، ولكن بصورة جمالية تحتمل التحول في نسق استعاري، أو ثقافي آخر دائما.

يحيلنا السارد إلى علامتين تأويليتين للذات في طريق النسر؛ هما الموسيقى، والنسر المتخيل؛ إنه وجود جمالي يحيل إلى طاقة الطيران في النسر، وإلى طيفية الموسيقى المجردة، المتجاوزة لجدران الأسر في واقع البطل.
يقول:
"قلت: هل الوجود أيضا – كالموسيقى – يشق طريقا صعبا عفويا، وعشوائيا، على الأرض، وفي السماوات؟ أهذا طريق النسر؟ ... مسرات موسيقاي الداخلية، وبهجتها العريقة منصهرة مع حس الحبس المحدق المحيق، مازال يكبلني"(2).

لقد جمع السارد بين الإحالة إلى أصالة الحضور الذاتي، وبدائله التصويرية المحتملة، والمتجاوزة للصلابة الكامنة في الحتميات؛ فالموسيقى الداخلية تشير إلى الوجود الآخر المتجاوز لليومي، وإلى فعل الطيران الكامن في طريق النسر الوعر، وفي صيرورته الملتبسة بغياب يشبه تحول ديونسيوس.
البحث عن عالم أفضل في الرواية، تحول إلى صيرورة جمالية للصوت المتكلم في "طريق النسر"؛ فقد اتخذ موقع راداميس في أوبرا عايدة، ومزج بين الأسر / اليومي، والأدبي التمثيلي / القبو في نهاية الأوبرا.

يقول:
"أنا الطائر المحلق في سماء قبر باهر الحياة، بعث منه كل الموتى الذين لقوا حتفهم منذ دهور سحيقة"(3).
الموت في وعي، ولاوعي البطل انتشار وفير، وصاخب للحياة الجمالية المتجاوزة لبنية القبر، أو لمركزية الأسر في النص.

ويحيلنا السارد إلى أخيلة النسر المتجاوزة للوسيط المادي للعلامة، جسد النسر؛ فالنسر في وعي البطل مجال هوائي، أو طيران محض غير مرئي، يستعيد الموتى في سياق وفرة الصوت الذاتي الأول نفسه.
أما عايدة فيجتمع فيها العشق الحسي الإغريقي، بالتمرد الواقعي، وكذلك تجاوز المأساة المحتملة في اتخاذها موقع عايدة في الأوبرا؛ ففي تداعيات الكتابة في النص اقترنت عايدة بعشق حسي، ثم صخب ثوري، وبعث جمالي للموتى، وللكائنات الأسطورية غير المرئية التي تحتفي بالحرية مع البطل.

إن تمثيلات عايدة الخيالية، توحي بأن كينونتها الواقعية تقع في صيرورة جمالية خيالية محتملة؛ فقد ولدت من أخيلة نقوش فينوس، وكذلك من التمرد على مصير عايدة في الأوبرا، وإلى اتخاذ موقعها المتجدد معا، وهي تقتسم طريق النسر الهوائي المجرد، في اقتران صخب العشق بداخلها بالكائنات الأسطورية في وعي، ولاوعي المتكلم.
التعددية، والتداخل في بنية النص:

تتجلى التعددية الممزوجة بالتداخل بين كل من ميخائيل، ورامة في رواية "الزمن الآخر" للخراط. والعلامات اللغوية في النص كثيفة، وتجمع بين رؤى الوجود، وتجلياته الجمالية الأخرى، الكامنة في اللاوعي، وفي ذلك الزمن الأسطوري، أو السوريالي في طبقات وعي البطل.

رامة تخشي تحولات الزمن، وتصفه بالقاتل، بينما يصفها البطل بأنها خارج الزمن؛ فهي تشير إلى التجاوز، والوجود الأنثوي الدائري المتجدد من الماضي في وعيه؛ ويدل على ذلك حضور علامة "العنقاء"، أو طائر النار الذي يجدد ذاتيته في الأسطورة؛ فهي تنفي أن تكون العنقاء، بينما تختلط بعلامتها بالفعل في وعي ميخائيل، وبحثه الشعري عن مدلول للأنثى؛ ومن ثم تتداخل الأصوات، والرؤى في النص؛ فرامة تبحث عن دائرية تقترن بالغياب، وميخائيل يؤكد التجدد، ولكن في العوالم الافتراضية المجازية، وصوت العنقاء يقع بين النفس، ومخاوف التحول، وإيحاءات الغياب في المشهد.

ويحاول البطل تجاوز رامة من داخل أطيافها القديمة، وصورها الأدبية المحتملة في المستقبل.
يقول عن وجهها الأنثوي:
"سر الوجه الأنثوي النائم المطوي على أسراره القديمة ... معاركه الضارية الوحشية، وتنازلاته الآتية عن رحم قلب عطوف. الحياة الأخرى حافلة، ومحتشدة بكل عذاباتها، وكل جنتها، هادئة الآن، ومستكنة في نور الوجه، وخفائه، وجماله الذي لا يفسر"(4).

يجمع الوجه الأنثوي - كعلامة فريدة – بين بعث الأطياف القديمة للأنثى، والصور المتولدة عن إنتاجية الكتابة، وتجاوزها لحتمية التحول الزمني؛ وكأننا أما أطياف لكليوباترا، أو أثينا، أو هيلين، أو أمام صورة أدبية لأنثى فيد التشكل دائما داخل البطل.

ثالثًا: الكثافة الجمالية الكامنة في تأويلات الوجود:
يكثف الخراط رؤى الوجود – في رواية "يقين العطش" – عبر مستويين من الدلالة؛ هما؛ شفافية الجسد، والتعاطف الكوني الأصيل في بنية العلامة، أو الصوت.
يرى البطل – في "يقين العطش" – أن جسد رامة هو جسد العالم، كل الرجال، والنساء، والأشياء، وكذلك مخلوقات الوجود؛ كفرس البحر، وكذلك يكمن في الخرائط الواقعية، والمتخيلة مثل تشكيل الدلتا، وأنثويته الخفية، ويرى أن جسدها خالص لكنه غير مصمت (5).

يحيلنا البطل هنا إلى الامتلاء الكوني بالحضور المضاعف في صوت رامة، وكذلك تفكيكه لمركزية الصلابة الجسدية نفسها؛ وكأن الامتلاء بالحضور يمتزج – على نحو أساسي – بغياب إبداعي، يوحي بشفافية تكوينية، أو تصوف يحتل عالم الجسد، وأطيافه، وجذوره اللاواعية.

هوامش /
(1) راجع، جاك دريدا، في علم الكتابة، ترجمة، وتقديم: أنور مغيث، ومنى طلبة، المركز القومي للترجمة، ط2، 2008، ص 129، 130.
(2) إدوار الخراط، طريق النسر، مركز الحضارة العربية، القاهرة، 2002، ص 386، 387.
(3) إدوار الخراط، السابق، ص 23.
(4) إدوار الخراط، الزمن الآخر، دار شهدي بالقاهرة، ط1، 1985، ص 316.
(5) راجع، إدوار الخراط، يقين العطش، دار شرقيات بالقاهرة، ط1، 1996، ص 83، 84.

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة