المقهى الثقافى

حكايات من مكة.. "هيام" زوجة الحاكم سليمان تهب الحرم خيرات 14 ألف فدان مصري دون أن تؤدي فريضة الحج

25-9-2015 | 15:14

لقطة من مسلسل حريم السلطان

محمود الدسوقي
في الممالك القديمة، كانت الأراضي المحتلة ليست لله ولا للشعب، إنما هي لمن يتملكها بقوة السيف، ذلك السيف الذي لا يراعي دماء مظلوم، ويعلي نعرة الظالم وسطوته واستبداده ما دام حيًّا.


وقد تحولت بعض الأراضي التي امتلكها الحكام إلى تكفير عن خطاياهم وخطايا زوجاتهم، فحين يصارعون الشيخوخة أو المرض يجعلونها ضمن ما يريدون من أعمال الخير. والتاريخ يروي أن هذه التقاليد في أعمال الخير كانت أحيانا لكون الأرض تخص زوجة سلطان وخليفة المسلمين.

هيام، زوجة سليمان القانوني، أو روكسلانة، أوقفت 14 ألف فدان و754 من أراضي الصعيد في الوادي وبعض الأراضي بمحافظة الغربية بالدلتا للحرم المكي، كما تظهر حجج الوقف بدار الوثائق المصرية المسجلة برقم 3280. هذا ما يؤكده لنا يؤكد الباحث ضياء العنقاوي، مشيرًا إلى أن الأراضي التي أوقفتها كانت في منطقة البهنساوية بالصعيد "المنيا حاليا"، وفي محافظة الغربية.

قبل أن يظهر سليمان القانوني كحاكم فعلي وشرعي له سطوته في العالم أجمع، كان والده سليم الأول قد مهد له حكم مصر بعد مذبحة شنيعة أدت لمقتل 10 آلاف مواطن من المصريين، وترك جثثهم عارية كي تتبول عليها الكلاب في الشوارع، كما دون المؤرخ ابن زنبل الرمال في يومياته كأحد الشهود العيان علي فظائع العثمانيين في البلاد التي استولوا عليها بقوة السيف في عام 1517م.

ومثلما كان غزوهم للدول العربية يستند على فتاوي شرعية لتخليصهم من ظلم المماليك، كانت الفتوى الشرعية هي الحجة التي اتخذوها في القتل حتى لأبنائهم، حيث قام سليمان بقتل ابنه مصطفى بتحريض من زوجته هيام، بينما كان وجود العثمانيين في العالم الإسلامي بحجة أن البرتغاليين يريدون نبش قبر النبي محمد عليه الصلاة والسلام في المدينة المنورة.

يقول ضياء العنقاوي لــ"بوابة الأهرام": إن بعض الأراضي المصرية التي أوقفتها هيام زوجة سليمان على الحرم المكي مسجلة كذلك في دار الوثائق المصرية برقم 631، أما ما تركته من مشروعات خيرية في الحرم المكي فهو مسجل في سجلات محكمة مكة المكرمة ومعروفة بأوقاف الخاصكية القديم.

ولدت هيام المعروفة بروكسلانة في بلدة روهاتين شرق أوكرانيا، وكان والدها قسيسا أوكرانيا، اختطفها تتار القرم وتم بيعها، وقيل تم إهداؤها لقصر السلطان سليمان الذي وقع في غرامها وأعتقها وجعلها ضمن زوجاته.

ومع مرور الوقت صارت هيام أهم زوجة لسليمان، وصارت لها سطوة كبيرة عليه، مما حدا بالدبلوماسي النمساوي ديرنشاوم الذي كان يعيش هذه الفترة أن يسرد بعض التكهنات عنها، ومنها أنها كانت تمارس السحر للسيطرة عليه.

بعد زواج هيام من سليمان، اعتنقت الإسلام وأنجبت له 5 من الأبناء والبنات، وقامت بتمهيد ابنها البكر الذي يعرف بسليم الثاني لتولي الحكم بدلا من مصطفى أخيه غير الشقيق من امرأة أخرى. وقد حرضت سليمان على قتله بعد ورود فتوى شرعية من شيخ الإسلام.

وماتت هيام موتًا مفاجئًا قيل إنه بسبب تعرضها للصدمة من موت اثنين من أبنائها، وقيل بسبب السم الذي تناولته من خلال وصيفة كانت على علاقة حب بإبراهيم باشا الذي قامت بالتخلص منه لتعيين أحد أبناء جلدتها في منصب الصدر الأعظم.

ويوضح ضياء العنقاوي أن هيام تفرغت للأعمال الخيرية في اسطنبول بتركيا في أواخر حياتها، إلا أن المؤرخين يجزمون بأن أعمال الخير هذه "لكونها زوجة خليفة المسلمين، فقد شملت أعمالها مكة المكرمة والقدس"، وأنشأت هيام في مكة المكرمة التي أوقفت لها آلاف الأراضي المصرية بالصعيد والدلتا رباطا يعرف برباط الخاصكية، كما يؤكد ضياء العنقاوي مشيرا إلى أن الرباط مقابل لباب على أحد أبواب المسجد الحرام ويدعى باب "علي".

وأضاف أن خيرات الأراضي المصرية كانت تقدم هناك، حيث يتم تقديم دشيشة القمح للفقراء والنزلاء، والدشيشة تؤخذ من القمح المدقوق، وقد أطلق عليها الرحالة التركي أوليا جلبي دار المرق، كما يؤكد ضياء العنقاوي، لافتا أن المؤرخين في مكة المكرمة كانوا يطلقون عليها الدشيشة الخاقية أو التكية السلطانية، مشيرا إلى أن دار المرق كان بها مطبخ، وبالقرب منه بئر مياه أيضا.

ولا توجد نصوص تاريخية موثقة تثبت قيام هيام زوجة سليمان القانوني بأداء فريضة الحج المقدسة، وإن كانت توجد عدة نصوص كتبها مؤرخون يكنون لها العداء المستحكم أن جذورها الأوكرانية المسيحية لاحقتها وجعلتها متهمة باستغلال موقعها لتقويض الدولة العثمانية الإسلامية لصالح الدول الأخرى.

في مكة، عرفت أوقافها أيضا بالأوقاف السلطانية، فيما عرفت الأراضي التي أوقفتها من خيرات أراضي مصر بحجة وقف والدة السلاطين، كما يؤكد ضياء العنقاوي، لافتا أن هيام قامت ببناء مستشفى يدعى دار الشفاء، بالإضافة إلى سبيل ومدرسة وصفها الرحالة التركي أوليا جلبي بأنها مدرسة عظيمة، وكانت هذه المنشآت كلها يصرف عليها من ريع أراضي مصر التي أوقفتها للحرم المكي.

هيام، التي حققت أهدافها بالطموح والذكاء والحب، كتبت الشعر، وبادلته مع سليمان، كما يسرد المؤرخون، لكنها لم تكتب نصوصا في أعمالها الخيرية التي أوقفتها على الحرم المكي والقدس، ولا عن أشواقها الحارة لهذه الأماكن التي أوقفت لها أراضي الصعيد حتى موتها المفاجئ في 15 أبريل عام 1558م.

وبعد موتها بعدة سنوات، أصاب سليمان مرض النقرس، فصار لا يستطيع ركوب الخيل، لكنه كان يتحامل إظهارا للقوة أمام أعدائه، ومات وهو يحاصر أحد بلاد المجر، وتم نقل جثته ليدفن بجوارها. ويؤكد ضياء العنقاوي أن كل المنشآت التي قامت هيام بإنشائها في الحرم المكي ظلت باقية حتى تمت إزالتها في ستينيات القرن الماضي لتوسعة الحرم المكي الشريف.


مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة