المقهى الثقافى

مفكرون في رحاب الشعيرة المقدسة.. أنيس منصور وجد الله في رحلة إلى "مسجد في السماء"

20-9-2015 | 16:16

أنيس منصور

محمد فايز جاد
ما كان لأحد أن يتوقع أن أنيس منصور، المولع بأدب الرحلات، الذي جاب أنحاء العالم في رحلات كانت حديث الصحف في مصر بل وفي العالم كله، ستغير حياته رحلة، لكن هذا ما حدث.


حياة أنيس منصور حافلة بالرحلات في عالم الفلسفة؛ فبجانب دراسته للفلسفة في الجامعة، تتلمذ منصور على يد العقاد، الذي يمكن وصفه بأكبر قارئ للفلسفة في الوطن العربي آنذاك، والذي يعده البعض أحد الفلاسفة الإسلاميين الذين جاءوا في زمن انقطع فيه الفلاسفة.

جاب منصور بحار الفلسفة من الشرق إلى الغرب، واستهوته الفلسفة الغربية، وخرج مبشرا بالفلسفة الوجودية، حتى عد فيلسوف الوجودية في الشرق، لكن بالرغم من تلمذته على يد أحد كبار الكتاب الإسلاميين في الوطن العربي، فإن منصور لم يكتب عن الإسلام، ولم يتجه قط نحو الفلسفة الإسلامية.

ومن عجب أن منصور بدأ حياته في جماعة "الإخوان المسلمون"، حتى أنه كان يلقي الخطب على المنبر، وله لقاء شهير مع الشيخ حسن البنا، المؤسس الأول للجماعة. لكن رغم ذلك فإن منصور، كما سجل في مذكراته، كانت علاقته بالجماعة نفعية؛ فقد كان يزور مقرات الجماعة لقراءة الكتب، الأمر الذي جعلهم يفصلونه بعد ذلك لانعدام نشاطه.

ولو أن أحدا أخبر أنيس منصور نفسه أنه سيكتب كتابا عن الإسلام، وعن النبي محمد، ما كان ليصدقه، فأنى له بعد هذا العمر الطويل في رحاب الفلسفة الغربية، وقد غزاه الشيب، أنى له أن يكتب عن شيء لم يشغل باله طوال حياته، ولكنه كتب.

في عام 1984 طرحت فكرة السفر للأراضي المقدسة على أنيس منصور لأداء العمرة، فوافق فورا، ربما لأنه أديب الرحلات الذي ما كان له أن يرفض رحلة قط، وربما كان هذا هو السبب الوحيد، قبل سفر منصور.

وفي الطائرة بدأت آثار الرحلة المقدسة تغزو قلب منصور، وعقله الذي لم يرد أبدا أن يرسو على شاطئ فكري أو فلسفي أو ديني.

يقول منصور: جاءت فكرة أداء العمرة، ووافقت دون تفكير، وفي الطائرة ومع الناس ومع أصوات الملبين أحسست أنني في مسجد في السماء.

روحانيات الرحلة وجدت طريقها إلى قلب منصور سريعا، وبدأ عقله الذي لم يكف عن التفكير، ملتحما مع روحه المعجبة والمنبهرة، وبدا سويا في استطلاع نور الزيارة التي تهفو إليها نفوس المسلمين من كل صوب وحدب.

ومن وحي أسئلة عقله الحائر دائما، المقبل على الهدوء والسكينة، يحكي منصور: لم أسأل نفسي ولماذا هذا "اللبس" بالذات فهو سؤال بلا معنى، فهذه الملابس لها معان كثيرة فنحن نتجرد من كل شيء، لنكون أمام الله عراة، مجردين من الملابس ومن الشهوات ومن المخاوف أيضا، وأن نتساوى جميعا، من يجد الثوب ومن لا يجده وفي ذلك طاعة وامتثال.

عاد أنيس منصور من الأراضي المقدسة، ولكنه عاد شخصا جديدا، شخصا يراه هو نفسه فينكره، ولا يكاد يصدق أنه هو الشخص ذاته الذي عرفه لعقود.

عاد أنيس منصور ليكتب "طلع البدر علينا"، وكأن هذه الرحلة كانت بمثابة الهجرة، الهجرة التي وجد فيها روحه المبعثرة بين أوراق الفلسفة، المسافرة بلا توقف بين بحار الفكر المتلاطمة.

يقول أنيس وكأنه قد اكتشف فجأة الشاطئ الذي تستريح على رماله روحه المتعبة، المنهكة من طول السفر: كتبت عشرات السنين ومشى ورائي مئات الألوف من الشبان واتجهت بهم إلى كل وجهة إلا الدين، فلم يكن هو همي وكنت مشغولا بكل الأديان، ومن العدل إذا فهمت أن أقول، وإذا اهتديت أن أهدي، وإذا آمنت أن أدعو للإيمان، كما دعوت إلى أشياء أخرى كثيرة لم يكن من بينها الدين، وسأقتبس العبارة الهندية التي تقول: أيا كان اتجاهك، أيا كان موقفك وموقعك وقبلتك فإن الله هو الذي يهديك ويستجيب لك.

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة