المقهى الثقافى

روايات نجيب محفوظ العميقة.. جنت عليها "السينما" بالتسطيح.. وأحبها جمهور البسطاء

30-8-2015 | 13:15

نجيب محفوظ ونور الشريف

محمد فايز جاد
أكثر من عشرين عملا سينمائيا جسدت إبداعات الأديب العالمي الراحل نجيب محفوظ، شارك فيها نخبة من عظماء الفن في مصر والوطن العربي، من ممثلين ومخرجين وكتاب سيناريو.


تبقى العلاقة بين نجيب محفوظ والسينما علاقة تبادلية؛ حيث استفاد كل منهما من الآخر. أعمال صاحب نوبل التي تم تحويلها لأفلام سينمائية كانت هي العمود الفقري للنهضة التي شهدتها السينما في فترة الستينيات، والتي امتدت حتى السبعينيات من القرن الماضي.

في فترة كان الحوار حول المذاهب الاجتماعية هو الشغل الشاغل للشارع المصري، نتيجة للتأثر الشديد بالثقافات الغربية بما تحويه من صراع بين المذاهب الفكرية والاجتماعية من جهة، ونتيجة لنظام الحكم نفسه الذي تمخضت عنه ثورة وضعت نفسها في قالب اجتماعي، في فترة كهذه كان من الطبيعي أن تلقى هذه الأفلام رواجا كبيرا بما تحمله من تغيير في الموضوع الذي تقدمه، والذي يختلف شكلا وموضوعا عن الموضوعات التي قدمتها السينما منذ أن عرفها المصريون.

على الجانب الآخر استفاد محفوظ كثيرا من الناحية الجماهيرية؛ فهذه الأفلام التي انتشرت انتشارا واسعا في الشارع المصري كان له دور كبير في التعريف بالأديب نجيب محفوظ الذي لم يكن قد حقق شهرة واسعة بعد، لتأتي هذه الأفلام لتساعد في نشر اسم نجيب محفوظ كأديب معروف حتى لمن لم يقرأوا له.

لكن يبقى السؤال: إلى أي مدى كانت هذه الأعمال مرآة صادقة قادرة على نقل روح روايات محفوظ إلى شاشة السينما؟

كانت البداية ناجحة للغاية مع تحويل روايتي "زقاق المدق" و"بداية ونهاية" لفيلمين يحملان الاسمين نفسيهما. الفيلمان استطاعا نقل الفكرة الاجتماعية التي تضمنتها الروايتان. والأمر يرجع إلى طبيعة الروايتين حيث حملتا طابعا اجتماعيا بحتا، ولم يتعمق محفوظ في النظرة الفلسفية التي تسربت إلى أعماله التالية حتى تشبعت بها.

المشكلة بدأت مع تحويل المخرج حسن الإمام ثلاثية محفوظ لأعمال سينمائية، في ثلاثة أفلام هي: "بين القصرين" و"قصر الشوق" و"السكرية".

ومنذ هذه الخطوة وصارت السمة المميزة للأفلام المأخوذة عن أعمال محفوظ هي السطحية، فالأفلام أغفلت الجانب الفكري الذي ضمنه محفوظ الروايات تماما واكتفت بقشور لا تكفي.

فعلى سبيل المثال تناول الفيلم أفعال السيد أحمد عبد الجواد باعتبارها نوذجا للازدواجية الاجتماعية، حيث يقبل لنفسه ما لا يقبله لأبنائه، في حين أغفل تماما فكرة الازدواجية الدينية التي كانت شخصية أحمد عبد الجواد مثالا لها؛ نظرا لتدينه الشديد، رغم ارتكابه للعديد من الأفعال المحرمة كشرب الخمر والزنا.

بينما يبقى المثال الأبرز على هذا التسطيح هو شخص كمال الابن الأصغر لأحمد عبد الجواد (رغم براعة أداء الفنان نور الشريف)، حيث تجاهل المخرج تجاهلا تاما الصراع النفسي والفكري الذي خاضه كمال، هذا الصراع بين الدين والعلم، وبين العلم والفلسفة، وانقسامه بين الإيمان والإلحاد؛ ليختزل الإمام شخصية كمال في حبه لعايدة، التي جعلها محور حياة كمال.

جناية أخرى جنتها السينما على أعمال محفوظ كانت في فيلم القاهرة 30 المأخوذ عن رواية القاهرة الجديدة. كان هذا الفيلم هو أبرز أمثلة التسطيح التي تعرضت لها روايات محفوظ عند تحويلها لأعمال سينمائية.

ففي حين قدم محفوظ الفلسفة العدمية من خلال شخصية محجوب عبد الدايم، قدمه صلاح أبو سيف بصورة تتفق مع الفكر الشعبي، وهي صورة الانتهازي القواد، هذه الصورة التي صارت نموذجا لدى المصريين، حين أصبح كل قواد هو محجوب عبد الدايم، وتبقى في الخلفية دائمة صورة الفنان حمدي أحمد بطل الفيلم وخلف رأسه قرنان معلقان.

لم تتوقف السينما عند هذه "الجنايات" فحسب، لكنها طالت أيضا أحد أهم وأعظم أعمال محفوظ، وهي "ملحمة الحرافيش"، التي تحولت أجزاؤها للعديد من الأفلام أشهرها "المطارد" للفنان الراحل نور الشريف، و"التوت والنبوت" للفنان عزت العلايلي.

في هذه الأفلام مارست السينما هوايتها المعتادة في تسطيح الأعمال الأدبية، حيث تصدرت الفتونة والصراع بين القوي والضعيف الصورة، ليتراجع الجانب الفلسفي، أو بالأحرى يختفي، لتختفي هذه الجرعة الفلسفية المكثفة التي وضعها محفوظ ببراعة في ستمائة صفحة، في ساعات من مشاهد الصراع بين الفتوات.

ورغم ذلك يبقى لهذه الأفلام فضل كبير في التعريف بمحفوظ، والترويج لأعماله بين قطاع كبير من الجمهور لم تكن قد بلغته هذه الروائع.

ورغم ذلك أيضا لا يمكن أن ننكر أن بعض الأفلام تناولت روايات محفوظ تناولا جيدا؛ كاللص والكلاب للفنان الراحل شكري سرحان، و ميرامار بطولة الفنانة شادية، وغيرها من الأعمال التي غلب فيها الطابع الاجتماعي على الطابع الفلسفي في الروايات نفسها، الأمر الذي جعل من الممكن تقديمها على شاشة السينما دون أن تفقد قيمتها.

باختصار يمكن القول إن السينما نجحت في اختبار محفوظ في الاجتماع، ورسبت في اختبار الفلسفة.## ## ##

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة