المقهى الثقافى

أحمد فضل شبلول يكتب: 150 ومضة شعرية في "بركان يركض" لفوزي خضر

15-6-2015 | 17:08

أحمد فضل شبلول

عن "سلسلة الإبداع الشعري المعاصر" التي تصدرها الهيئة المصرية العامة للكتاب بالقاهرة، ويرأس تحريرها الشاعر أحمد سويلم، صدر ديوان شعري للشاعر الدكتور فوزي خضر، يحمل عنوان "بركان يركض"، بمقدمة نقدية للدكتور مدحت الجيار.


يحتوى الديوان مجموعة كبيرة من قصائد الإبجرامة (القصائد القصيرة جدا) التي كان أول من رادها الشاعر السكندري القديم كاليماخوس، وصل عددها في "بركان يركض" إلى مائة وخمسين إبجرامة، أو مقطوعة شعرية.

وقد سبق لفوزي خضر أن خاض تجربة الكتابة في هذا الشكل الشعري القصير جدا في ديوانين سابقين هما: "قطرات من شلال النار" وصدر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة عام 1997، و"أمواج من بحر الحروف" وصدر عن اتحاد كتاب مصر عام 1999.

وما من شك في أن كتابة القصيدة القصيرة جدا أو الإبجرامة، تحتاج إلى مهارة فنية عالية، وقدرة لغوية هائلة، حتى يستطيع الشاعر أن يصب كل تجربته ورؤيته في أضيق حيز ممكن من الكلمات، محققا في ذلك مقولة النفري "كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة".
يقول الشاعر في تسع كلمات، على سبيل المثال:
تحسدني ..
لأنني انتقلت من زنزانة هنا..
إلى زنزانة هناك؟

وعموما فإن مسألة طول القصيدة وقصرها، ليس هو المحدِّد لكون القصيدة من قصائد الإبجرامة، أو من المقطوعات الجيدة، أم لا. فرب قصيدة طويلة نوعا ما نحس بعد قراءتها أنها لم تقل سوى فكرة واحدة، وأن كل السطور أو الأبيات التي تحملها ما هي إلا تنويعات لغوية على الفكرة نفسها، أو أن الشاعر يلف ويدور حول سبيل واحد، لا يعرف كيفية الخروج منه.

ورب قصيدة قصيرة نحس بعد قراءتها أنها امتدت أمامنا وتشعبت وديانا وسهولا وبحارا وحقولا. وفي كلا النوعين يعود الأمر إلى الشاعر نفسه، وقدراته، وإمكاناته الشعرية. وليس معنى ذلك أن القصيدة الإبجرامة، أفضل من القصيدة الطويلة، ففي فن الشعر ـ والآداب والفنون عموما ـ ليس هناك أفضلية لشكل على آخر، أو لفن على آخر، سوى للعمل نفسه، الذي تنبع قوانينه وعوامل بقائه من داخله.

ومثلما وجدنا في ديوان "بركان يركض" إبجرامات أو مقطوعات حققت قدرا عاليا من التركيز والتكثيف، والاختزال، والمفاجأة اللغوية التي تثير الدهشة والتأمل، نجد أيضا إبجرامات لم تحقق هذا القدر الفني من المتعة الشعرية، وعلى سبيل المثال، يقول الشاعر:
انفتح أيها الباب لي طائعا
وإلا..
هويت عليك بفأسي

هنا نتساءل، وماذا بعد أن قال الشاعر هذا؟ ما الدهشة التي أثارها فينا من وراء هذه الكلمات، وما المفاجأة التي حققها للقارئ؟ إننا نتوقع قولا آخر وكلمات أخرى، ولذا نحس أن قوله جاء مبتورا، وإن التجربة لم تكتمل، وأن هناك نقصا ما، وأن الفكرة التي حاول الشاعر إيصالها لنا، ما زالت ضبابية. إننا لم نقتنع بأن ما أمامنا ـ في السطور السابقة ـ قصيدة إبجرامة، أو مقطوعة شعرية متكاملة أو قائمة بذاتها. وهذا هو المزلق الذي من الممكن أن ينزلق إليه الشعراء الذين يكتبون المقطوعات القصيرة، تماما مثل قصيدة البيت الواحد التي لا تسمن ولا تغني من جوع.

ومن هنا ندلل على أن القصيدة القصيرة ليست لها أي ميزة على القصيدة الطويلة، ما دام الشاعر غير قادر على تحقيق أدنى درجات الدهشة وإثارة الفكر حولها، عن طريق الاختزال والتكثيف والترميز إذا لزم الأمر.

غير أن فوزي خضر استطاع في عدد كبير من الإبجرامات أن ينجو من هذه المزالق الفنية السابقة، وأن يضيف جديدا إلى مسيرته الشعرية في هذا المجال، ومن ذلك قوله:
الجدول..
حين يدوم معينا
أفضلُ من نهرٍ
يأتي حينا بالفيضانْ..
ثم يجف.

هنا نجد الحكمة المصفَّاة من تاريخ البشرية، ومن القوانين الاقتصادية، ومن العوامل الجغرافية، أو الظواهر الطبيعية، ومن الملاحظات الإنسانية. ومن الناحية الفنية نحس أن المقطوعة اكتملت بالفعل، ولا مجال للمزيد، ولا لإضافة أي كلمة بعد هذه الكلمات الإثنتي عشرة.

وما دمنا في مجال عدد الكلمات في المقطوعة الواحدة، فقد لاحظ الناقد الدكتور مدحت الجيار في قراءته للديوان أن كلمات بعض المقطوعات توقفت عند العدد تسعة، مثل المقطوعة السابقة التي مطلعها (تحسدني) أو مثل قوله:
لا تدهس أحجاري
أكوامي هذي
ليست إلا
جبلا مهدودا

وقد التقط الشاعر أحمد سويلم ـ رئيس تحرير السلسلة، هذه الملاحظة الذكية لناقدنا، وأعطى ديوان "بركان يركض" الترتيب رقم تسعة في سلسلة "الإبداع الشعري المعاصر". غير أننا نقول إن الشاعر ـ بطبيعة الحال ـ لم يقصد عددا محددا من الكلمات في مقطوعاته الشعرية، على هذا النحو الذي لفت انتباه الجيار الذي كان عليه أن يعطي تفسيرا أو تحليلا فنيا لاكتشافه هذا، وإلا سيكون الأمر محض صدفة.

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة