خطر وجودي يطرق الأبواب (٣)

3-10-2026 | 14:20

في إحدى روائع ديزني، فيلم «علاء الدين»، كان هناك مصباح سحري يخرج منه جني عظيم القوة لينفذ أوامر سيده.

ظل الجني في خدمة علاء الدين، حتى وقع المصباح في يد الوزير الشرير. عندها تغير صاحب الأمر. وحين حاول علاء الدين أن يمنع الجني من تنفيذ أوامر الوزير، أجابه الجني بحزن: «آسف، لدي سيد آخر الآن».

لا أعرف لماذا تذكرت هذه القصة وأنا أفكر في الإمكانيات الهائلة التي قد يمنحها الذكاء الاصطناعي للإنسان.

في أدبيات الذكاء الاصطناعي، يناقش الباحثون مخاوف بعيدة المدى: ماذا لو تمكن نظام شديد القدرة من تحسين قدراته بصورة متسارعة؟ ماذا لو اكتسب يومًا ما نوعًا من الوعي أو الإدراك الذاتي؟ وماذا لو أصبح أكثر ذكاءً من الإنسان إلى درجة يصعب معها أن نضمن بقاءنا نحن الطرف المسيطر؟

وبرغم جدية تلك الأسئلة، فإن هناك سيناريو آخر لا يحتاج إلى انتظار تحقق أي منها: أن يقع المصباح في اليد الخطأ.

قد يقع مصباح علاء الدين في يد محتال يبحث عن ثروة.

مجرم إلكتروني يستخدم وكلاء الذكاء الاصطناعي للبحث عن الثغرات، وسرقة البيانات، وانتحال الشخصيات، وابتزاز الضحايا. وما كان يحتاج في الماضي إلى فريق من المتخصصين قد يصبح ممكنًا الآن لفرد أو مجموعة صغيرة.

وهذا لم يعد مجرد احتمال نظري. ففي أغسطس 2025، كشفت أنثروبيك عن عملية إجرامية استخدم فيها الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع لسرقة بيانات من 17 مؤسسة. ثم هدد المهاجمون بنشر البيانات المسروقة علنًا لإجبار الضحايا على الدفع، ووصلت مطالب الفدية في بعض الحالات إلى أكثر من نصف مليون دولار. 

هذه الحادثة تبرز بوضوح كيف يمكن لقدرات الوكلاء أن تقلل الفجوة بين شخص يمتلك مهارات محدودة وبين العمليات التي كانت تحتاج في الماضي إلى عدد أكبر من المتخصصين.

وقد يقع المصباح في يد ديكتاتور يبحث عن السلطة.

تخيل نظامًا سلطويًا يراقب ملايين البشر، ويحلل اتصالاتهم، ويربط معلوماتهم، ويبحث عن علاقاتهم، ويتابع ما ينشرونه، ثم يحدد الأشخاص الذين يعتبرهم خطرًا عليه. ما كان في الماضي يحتاج إلى شبكة هائلة من المخبرين وأجهزة المراقبة يمكن أن يصبح أكثر سرعة واتساعًا عندما توضع فوقه طبقة من الذكاء الاصطناعي القادرة على تحليل المعلومات.

وقد كشفت أنثروبيك في تقرير حديث عن عمليات استخدمت فيها نماذجها للمساعدة في بناء أدوات للمراقبة والتعرف على هوية الأشخاص، وفي إحدى الحالات ساعد النموذج على تطوير منصة للمراقبة والاعتراض تستهدف مستخدمي شبكات الهاتف المحمول في دولة بأكملها. 

قد يتحول عندئذ سيناريو «الأخ الأكبر» الذي تخيله جورج أورويل في رواية «1984» إلى منظومة كابوسية فائقة الكفاءة بفضل الجني داخل المصباح.

وقد يقع المصباح في يد جماعة تحمل أيديولوجية متطرفة.

جماعة ترى المختلف في الدين أو العرق عدوًا يجب التخلص منه. أو جماعة متطرفة قد تصل بها أيديولوجيتها إلى اعتبار قتل أعداد هائلة من البشر وسيلة لتحقيق غاية تراها أسمى.

مثل هذه الأفكار ليست جديدة. التاريخ البشري مليء بها.

الجديد هنا هو أن الذكاء الاصطناعي قد يمنح أصحابه قدرات لم تكن متاحة لهم من قبل. فقد يبحثون عن وسائل جديدة لتحقيق أهدافهم، وقد يكون من بينها الإرهاب البيولوجي، إذا أصبح الوصول إلى المعرفة والأدوات اللازمة لذلك أسهل مما كان عليه في الماضي.

وهنا يصبح علم الأحياء واحدًا من أكثر المجالات حساسية.

فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعد الباحثين على فهم الأمراض، وتصميم الأدوية، واكتشاف علاجات جديدة. لكن بعض المعرفة البيولوجية ذات استخدام مزدوج؛ فالمعلومات نفسها التي يمكن أن تساعد على تطوير علاج أو لقاح يمكن، في ظروف أخرى، أن تُستخدم في تطوير عوامل ممرضة أكثر خطورة.

وهذا ليس مجرد احتمال نظري، ففي تقرير نشرته أنثروبيك في 10 سبتمبر 2026، كشفت عن خمس حالات استخدم فيها أشخاص نماذجها في أبحاث بيولوجية يمكن أن تدعم، في ظروف معينة، تطوير أسلحة بيولوجية. وتضمنت الحالات أبحاثًا تتعلق بفيروسات شديدة الخطورة وسموم وإعادة تصميم جزيئات بيولوجية.

وهنا لا يعود السؤال: هل الذكاء الاصطناعي شرير؟

الخطر إذن أن قدرات كانت في الماضي مقصورة على دول أو مؤسسات كبيرة قد تصبح في متناول جماعات أصغر، أو حتى أفراد.

وهنا نعود مرة أخرى إلى الجني.

ربما لا يكون أخطر سيناريو أن يصبح الجني شريرًا، بل أن يبقى كما هو، بكل قوته وقدرته على تنفيذ الأوامر، ثم يقع المصباح في يد الشخص الخطأ.

وهنا نصل إلى السؤال الذي ربما يكون أهم من كل الأسئلة السابقة:

إذا كنا على وشك أن نطلق قوة تكنولوجية هائلة في العالم، فهل نستطيع أن نضمن ليس فقط أن تكون آمنة، وإنما ألا تقع في يد من يريد استخدامها ضدنا؟!

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: