كيف ساهمت «رحلة إلى المحيط الهادئ» لجيمس كوك في ظهور كندا الحديثة؟

2-10-2026 | 14:28
كيف ساهمت ;رحلة إلى المحيط الهادئ; لجيمس كوك في ظهور كندا الحديثة؟صورة تعبيرية لرحلات جيمس كوك

يُعَدُّ عام 1784م عامًا مفصليًا في تاريخ كندا الاستعماري؛ فقد شهد عددًا من التطورات التي أسهمت في إعادة تشكيل المشهد السياسي والديموجرافي والثقافي في المستعمرات البريطانية بأمريكا الشمالية. ففي هذا العام، انفصلت نيو برنزويك عن نوفا سكوشيا وأصبحت مستعمرة بريطانية مستقلة إداريًا، في أعقاب التدفق الكبير للموالين إلى المنطقة بعد الثورة الأمريكية.

وفي الوقت نفسه، أخذت الهجرة الإسكتلندية إلى الأراضي الكندية تتزايد، مضيفةً عنصرًا سكانيًا وثقافيًا جديدًا إلى المجتمع الاستعماري الناشئ. وإلى جانب هذين التطورين السياسي والديموجرافي، برز البعد الجغرافي والاستكشافي في صورة أخرى من خلال نشر كتاب رحلة إلى المحيط الهادئ لجيمس كوك، الذي أسهم في توثيق المعرفة الأوروبية بالمناطق الساحلية والمحيط الهادئ. وهكذا يكشف عام 1784 عن مرحلة اتسمت بتداخل إعادة التنظيم السياسي، والتحولات السكانية، واتساع آفاق الاستكشاف والمعرفة الجغرافية، وهي عوامل ستترك آثارًا بعيدة المدى في تطور كندا والمنطقة المحيطة بها.

أولا: انفصال نيو برنزويك عن نوفا سكوشيا

كان انفصال نيو برنزويك عن نوفا سكوشيا عام 1784م حدثًا مهمًا في تطور الاستعمار البريطاني في أمريكا الشمالية، وارتبط بصورة مباشرة بنتائج الثورة الأمريكية (1775–1783م) وتدفق الموالين للتاج البريطاني إلى المستعمرات البريطانية. ولم يكن الانفصال استقلالًا عن بريطانيا، بل كان إعادة تنظيم إداري وسياسي للأراضي البريطانية وإنشاء مستعمرة جديدة منفصلة.

كانت المنطقة التي تُعرف اليوم بنيو برنزويك جزءًا من مستعمرة نوفا سكوشيا. وبعد معاهدة أوترخت سنة 1713م أصبحت المنطقة تحت السيطرة البريطانية، وإن ظلت الحدود والاستيطان فيها موضع تنافس وصراع بين بريطانيا وفرنسا لفترة طويلة. وكانت إدارة الإقليم تتم من هاليفاكس، عاصمة نوفا سكوشيا، الأمر الذي أصبح مصدرًا للمشكلات، ولا سيما بعد وصول أعداد كبيرة من الموالين البريطانيين.

كان العامل الحاسم هو الثورة الأمريكية. فعندما انتصرت المستعمرات الثلاث عشرة واستقلت عن بريطانيا، فرّ آلاف الأشخاص الذين ظلوا موالين للتاج البريطاني إلى الأراضي التي بقيت تحت الحكم البريطاني. وصل عدد كبير من هؤلاء إلى المنطقة الواقعة حول نهر سانت جون سنة 1783م وما بعدها.

وتشير المصادر الرسمية إلى أن هؤلاء المهاجرين لم يكونوا جميعًا من أصل بريطاني؛ فقد ضمت جماعات الموالين أيضًا ألمانًا وهولنديين وموالين من السود، إلى جانب مجموعات أخرى. وقد أدى هذا التدفق السكاني الكبير إلى تغيير جذري في التركيبة السكانية والسياسية للمنطقة.

كان البعد الإداري والسياسي مهمًا جدًا. فقد أصبح من الصعب إدارة التجمعات الجديدة البعيدة عن هاليفاكس، كما شعر المستوطنون في منطقة نهر سانت جون بأن حكومة نوفا سكوشيا لا تلبي احتياجاتهم بصورة كافية. وتشير المصادر التاريخية إلى أن الموالين طالبوا بإنشاء إدارة استعمارية خاصة بهم، وأن الحكومة البريطانية رأت في إنشاء مستعمرة جديدة وسيلة لتخفيف الضغوط السياسية والإدارية الناتجة عن تدفقهم. كما كان هناك اختلاف سياسي واجتماعي بين الموالين الجدد وبعض السكان الأقدم في نوفا سكوشيا؛ إذ كان الموالون شديدي الارتباط بالتاج البريطاني بعد تجربتهم في الثورة الأمريكية، بينما كان جزء من السكان الأقدم ذا أصول أمريكية أيضًا. وقد ساهم ذلك في زيادة الحاجة إلى كيان إداري منفصل.

استجابت الحكومة البريطانية لهذه المطالب في 18 يونيو 1784م، عندما صدر القرار الإمبراطوري بإنشاء نيو برنزويك مستعمرة منفصلة عن نوفا سكوشيا. وتوضح سجلات مجلس الملكة الخاص البريطاني أن التقسيم أُقر رسميًا، وأن الإدارة المدنية للمستعمرة الجديدة أصبحت لها مؤسساتها الخاصة. أما 16  أغسطس 1784م فيُستخدم أيضًا في بعض المصادر الرسمية بوصفه تاريخ إنشاء المقاطعة، ولا سيما في سياق الإعلان والتنفيذ الاستعماري. وهكذا أصبحت المنطقة الواقعة شمال خليج فندي كيانًا استعماريًا جديدًا باسم نيو برنزويك.

اختير توماس كارلتون أول حاكم لنيو برنزويك. ووصل إلى سانت جون في نوفمبر 1784م، حيث بدأ تنظيم الحكومة الاستعمارية الجديدة. وأُنشئت المؤسسات السياسية وفق النموذج البريطاني الاستعماري، وشملت: حاكمًا يمثل التاج البريطاني، مجلسًا تنفيذيًا، مجلسًا تشريعيًا مُعيّنًا، وجمعية تشريعية منتخبة. وقد أصبحت فريدريكتون لاحقًا عاصمة المستعمرة، بينما تحولت سانت جون إلى مركز تجاري وسكاني مهم، وحصلت على ميثاق ملكي سنة 1785م، لتصبح أول مدينة مدمجة رسميًا في كندا الحالية.

يمكن فهم انفصال نيو برنزويك عن نوفا سكوشيا من خلال ثلاثة عوامل مترابطة. أدى وصول أعداد كبيرة من الموالين بعد الثورة الأمريكية إلى نشوء تجمعات سكانية جديدة احتاجت إلى إدارة مستقلة. كانت المسافة بين منطقة نهر سانت جون وهاليفاكس تجعل الإدارة المركزية أكثر صعوبة، ولذلك أصبح إنشاء مستعمرة مستقلة حلًا عمليًا. كان الموالون يحملون معهم هوية سياسية شديدة الارتباط بالتاج البريطاني، ورغبة في بناء مجتمع جديد بعيد عن البيئة السياسية التي ارتبطت في نظرهم بالثورة الأمريكية. ولذلك أصبح إنشاء مستعمرة خاصة بهم جزءًا من إعادة ترتيب بريطانيا لممتلكاتها في أمريكا الشمالية بعد خسارة المستعمرات الثلاث عشرة.

ومن ثم، يمكن القول إن نيو برنزويك لم ’تنفصل‘ عن نوفا سكوشيا نتيجة حرب أو حركة استقلال، وإنما قامت بريطانيا سنة 1784م بتقسيم مستعمرة نوفا سكوشيا وإنشاء نيو برنزويك مستعمرةً منفصلة. وكان تدفق الموالين البريطانيين بعد الثورة الأمريكية العامل المباشر الأبرز، بينما أسهمت الاعتبارات الإدارية والسياسية والديموجرافية في جعل التقسيم ضروريًا من وجهة نظر الحكومة البريطانية. وقد مثّل هذا الحدث خطوة مهمة في تشكل المستعمرات البريطانية التي ستدخل لاحقًا في الاتحاد الكندي عام 1867م؛ وكانت نيو برنزويك واحدة من المقاطعات الأربع المؤسسة لكندا. ومن منظور التاريخ الاستعماري، تكشف هذه الواقعة مفارقة مهمة: فالثورة الأمريكية لم تؤدِّ فقط إلى استقلال الولايات المتحدة، بل أدت أيضًا إلى إعادة رسم الخريطة السياسية للمستعمرات البريطانية في أمريكا الشمالية وإنشاء كيانات جديدة، كان نيو برنزويك أحد أبرزها.

ثانيا: تزايد هجرة الإسكتلنديين

شهد عام 1784م تزايد هجرة الإسكتلنديين إلى كندا نتيجة حركات التهجير التي استمرت حتى 1854م، كانت عمليات تطهير الهايلاندز (Highlands) سلسلة من الأحداث التي تضمنت الإخلاء القسري للمستأجرين في المرتفعات والجزر الاسكتلندية خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وكان لهذه الإخلاءات آثار اجتماعية واقتصادية وثقافية كبيرة على شعوب المنطقة، وقد تمت عمليات التطهير على مرحلتين رئيسيتين.

 بدأت المرحلة الأولى، (حوالي 1750-1820م) من الإخلاء مدفوعة بعوامل اقتصادية، وسعى ملاك الأراضي، وهم في كثير من الأحيان أعضاء في الطبقة الأرستقراطية الاسكتلندية، إلى تنفيذ ممارسات أكثر ربحية لاستخدام الأراضي، وخاصة إدخال تربية الأغنام، الأمر الذي يتطلب مساحات كبيرة من الأراضي؛ فقد وجد أصحاب الأراضي أن تربية الأغنام يمكن أن تكون أكثر ربحية من الناحية المالية من الزراعة التقليدية أو تأجير الأراضي للمستأجرين، ونتيجة لذلك بدأوا في إخلاء الأراضي من المستأجرين الحاليين لإفساح المجال أمام مراعي الأغنام، وكان هذا التحول يُعرف أحيانًا باسم حركة ’التحسين‘، حيث اعتقد ملاك الأراضي أنهم يعملون على تحسين الجدوى الاقتصادية لممتلكاتهم، إذن تم إجلاء المستأجرين الذين كانوا في كثير من الأحيان مزارعي الكفاف أو عمال المزارع من منازلهم قسرًا لإفساح المجال أمام هذه التغييرات، وكانت عمليات الإخلاء وحشية في بعض الأحيان؛ حيث تم تهجير العائلات من الأراضي التي سكنتها لأجيال. وقد هاجر العديد من سكان الهايلاندز النازحين إلى المناطق الحضرية أو بحثوا عن فرص في أماكن أخرى؛ مما ساهم في نمو المدن الإسكتلندية والشتات الإسكتلندي.

واستمرت المرحلة الثانية من (1820-1860م) نتيجة الضغوط الاقتصادية في دفع عمليات التطهير في القرن التاسع عشر، واستمر أصحاب الأراضي، الذين يواجهون تحديات مالية أو يسعون إلى المزيد من التحسينات، في طرد المستأجرين، وأدى ظهور سياسات جديدة (متعلقة بـــ زراعة الغابات وإدارتها ورعايتها والسياحة) إلى زيادة تأثيرها على أنماط استخدام الأراضي؛ مما أدى إلى مزيد من الإخلاء، وكان لعمليات التطهير آثار اجتماعية وثقافية عميقة على مجتمعات الهايلاندز. وتعطلت البنى العشائرية التقليدية، وفقد الكثير من الناس صلتهم بالأرض ومنازل أجدادهم. يظل إرث عمليات تطهير المرتفعات جانبًا حساسًا ومهمًا في التاريخ الاسكتلندي، وغالبًا ما يتم تذكرها على أنها فترة من الاضطرابات الاجتماعية والتغيير الاقتصادي وفقدان أسلوب الحياة للعديد من مجتمعات المرتفعات، ويتم تذكر عمليات تطهير الهايلاندز باعتبارها فصلًا معقدًا ومثيرًا للجدل في التاريخ الاسكتلندي، مما يعكس تقاطع المصالح الاقتصادية والتغيرات الاجتماعية وتأثير سياسات استخدام الأراضي على المجتمعات المحلية.

ثالث: نشر كناب "رحلة إلي المحيط الهادئ"

يشير كتاب رحلة إلى المحيط الهادئ لجيمس كوك إلى الكتابات التي توثق رحلات الكابتن جيمس كوك إلى المحيط الهادئ خلال أواخر القرن الثامن عشر، وكانت هناك ثلاث رحلات رئيسة.

كان الهدف الأساس من الرحلة الأولى (1768–1771م) مراقبة عبور كوكب الزهرة عبر الشمس؛ مما يساعد في حساب المسافة بين الأرض والشمس، وقام كوك باستكشاف ورسم خرائط لسواحل نيوزيلندا والساحل الشرقي لأستراليا؛ مما قدم مساهمات كبيرة في فهم جغرافية منطقة المحيط الهادئ، وقد رافق عالما الطبيعة (جوزيف بانكس ودانيال سولاندر) كوك، وأجريا دراسات نباتية وإثنوجرافية واسعة النطاق.

كان الهدف الرئيس للرحلة الثانية (1772-1775م) هو البحث عن القارة الجنوبية الافتراضية ومواصلة الاستكشاف العلمي. أبحر كوك إلى الدائرة القطبية الجنوبية؛ مما دحض وجود قارة جنوبية شاسعة كما كان يعتقد سابقًا، وقد استكشف كوك ورسم المزيد من الخرائط في منطقة المحيط الهادئ، بما في ذلك جزر تونجا وجزيرة إيستر.

الرحلة الثالثة (1776–1780م) كان الهدف الأساس منها هو العثور على ممر شمالي غربي يربط بين المحيطين الأطلسي والهادئ، واستكشف كوك شمال المحيط الهادئ بحثًا عن ممر شمالي غربي، وقد وصل إلى الساحل الغربي لأمريكا الشمالية، واستمر حتى مضيق بيرينج، واستمرت رحلة كوك الاستكشافية إلى هاواي؛ حيث قُتل عام 1779 خلال مشاجرة مع سكان هاواي المحليين.

ولم تكن رحلات كوك مهمة للاكتشافات الجغرافية فحسب، بل كانت مهمة أيضًا للمساهمات العلمية، بما في ذلك الملاحظات النباتية والحيوانية والأنثروبولوجية، وقد أدى رسم خرائط كوك الدقيق للمناطق التي لم يتم رسمها سابقًا إلى تحسين المعرفة الملاحية في منطقة المحيط الهادئ بشكل كبير، كما سهلت الرحلات التبادل الثقافي بين الأوروبيين وسكان جزر المحيط الهادئ، وعلى الرغم من أن هذه اللقاءات لم تكن دائمًا خالية من الصراع. أرست بعثات كوك الأساس للاستكشاف والاستعمار المستقبلي في المحيط الهادئ، وساهمت في روح التنوير في البحث العلمي.

باختصار، تظل رحلات جيمس كوك إلى المحيط الهادئ عملاً محوريًا في تاريخ الاستكشاف، حيث تقدم رؤى قيمة حول الجغرافيا والثقافات والتاريخ الطبيعي لمنطقة المحيط الهادئ خلال أواخر القرن الثامن عشر.

د. أشرف إبراهيم زيدان
رئيس قسم اللغة الإنجليزية- كلية الآداب- جامعة بور سعيد


د. أشرف زيداند. أشرف زيدان
كلمات البحث