في الأيام الأولى لعملى أثريًّا في واحة سيوة، مضت الأيام في الواحة ثقيلة لبُعدى عن الأهل، وفي ذلك الوقت لم تكن وسائل التسلية والتواصل الاجتماعي مُتاحة كما هي الآن، فلا زلت أذكر أن أول مقهى أدخل الرسييفر في الواحة البعيدة كان مقهى الإسكندر، وكان آنذاك حدثًا جللاً على أرض الواحة، ولازلت أذكر متابعة أحداث الحادى عشر من سبتمبر من علي هذا المقهى أنا وكل سكان الواحة تقريبًا، وكنت أحرص كل مساء سبت علي متابعة برنامج «من سيربح المليون؟»؛ لأن البديل كان تلفيزيون الاستراحة الأبيض والأسود بقناتيه الأولى والثانية.
كان اليوم يمر ببطء شديدة من السابعة صباحًا وحتى الواحدة ظهرًا في جبل الموتى مع الحفائر، وبعد الظهيرة وما أدراك ما الظهيرة في صيف سيوة الحار؟!، كنا نترك دلوًا نملأه بالماء في حمام الاستراحة صباحًا لنعود إليه فى الظهيرة لنستحم به رغم وجود دش فى حمام الاستراحة، إلا أن المياه التي تنزل من الصنابير فى صيف سيوة كان يمكن أن تصنع منها "شاي كُشرى"، فما عليك سوى ملء الكوب من ماء الحنفية ووضع السكر والشاى لتستمتع بكوب شاي ساخن.
المُهم لم يسليني في تلك الأيام المُملة سوى القراءة، لقد وجدت ضالتي في مكتبة مجلس مدينة سيوة، واكتشفت كنزًا بها، عندما طالعت بين أرففها كتاب "واحة سيوة" للأب الروحى لآثارى الصحراء الأستاذ الدكتور أحمد فخري (1905ـ1973م)، واسمحوا لي أعزائي القراء أن أصحبكم فى جولة مع مؤلف هذا الكتاب، الذى من عشقى له حفظت صفحات كتابه عن ظهر قلب.
كتاب واحة سيوة لراهب الصحراء الرائد الأثري الدكتور أحمد فخري
راهب الصحراء.. صاحب أفضل مرجع عن واحة سيوة
يروى الأثري الرائد الأستاذ الدكتور أحمد فخرى في بداية الكتاب، قصة عشقه للصحراء وغموضها منذ كان طفلاً صغيرًا في صعيد مصر وحكاية العبد السيوى (عم سعيد) الهارب من سيوة، والذى كان يعمل خادمًا عندهم وقصة هروبه من مالكيه، وكيف كان يحكى له عن سيوة وعن الصحراء وقصة أول رحلة لعاشق الصحراء لوادى العلاقى في الصحراء الشرقية، وزاد ولعه بالصحراء بعد تخصصه في مجال الآثار، طلب مركز البحوث الأمريكى منه عمل مسح أثري للصحراء الغربية، فكان نتاجه سلسلة من أجمل كتب الآثار، أولها كان عن الواحات البحرية ووصف فيه فخرى رحلته بالجمال من الجيزة للواحات مرورًا بالفيوم، وثانيها كان كتابه الرائع"واحة سيوة" عن آثار وتاريخ وعادات سكان سيوة، وثالثها كان عن إقليم مريوط وحياة أهل البادية من غرب الإسكندرية للسلوم، وللأسف توفي الرائد الأثري الفذ قبل طباعته، وتوجد منه نسخة لدى ابنه، لكن أهم ما يميز كتابات عاشق الصحراء الدكتور أحمد فخري، كونه رحالة بمعنى الكلمة، يصف كل ما يقابله من آثار وعادات وسكان وطبيعة.
كتاب واحة سيوة لراهب الصحراء الرائد الأثري الدكتور أحمد فخري
طلبة معهد الآثار المصرية (كلية الآثار قديما) في زيارة لمتحف أسوان عام 1925، حيث يظهر في الصورة الدكتور أحمد فخرى أعلى اليمين والعالم لبيب حبشي يجلس أمامه
(تصوير أحمد عبد المنعم يوسف).
عاشق الصحراء.. سيرة ومسيرة
وُلد الأثري الكبير أحمد فخري بالفيوم عام 1905م، وقد اشتهر فخري بلقبين هما: "شيخ الأثريين" و"راهب الصحراء"، حصل على دبلوم علم المصريات من جامعة فؤاد الأول عام 1928م، واستكمل تعليمه في برلين على يد العالم الألماني "Kurt Sethe"، وتابع دراسته في بروكسل على يد عالم المصريات "Jean Capart"، ثم أتم دراسته في ليفربول، وعُيّن في عام 1930م في مصلحة الآثار المصرية، وبدأ حياته المهنية في علم الآثار كمساعد للأثري الكبير سليم حسن في بعض بعثاته الاستكشافية في الجيزة في موسم الحفائر عام 1931 و1932م.
راهب الصحراء الرائد الأثري الدكتور أحمد فخري
واشترك فخري في حفائر عديدة في سقارة والأقصر والواحات، حيث كانت معابد "عين المفتلة" من أهم اكتشافاته، وهي هضبة رملية تقع في مدينة القصر في الصحراء الغربية، بالإضافة إلى مقبرة حاكم الواحة البحرية "زد خنسو أف عنخ" عام 1942م، وفي عام 1947م أدار عدة حفائر تخص مملكة سبأ القديمة باليمن.
راهب الصحراء الرائد الأثري الدكتور أحمد فخري
اشتغل فخري مدرساً للحضارة المصرية القديمة وتاريخ الشرق الحديث في جامعة القاهرة، وكان من أبرز تلامذته عبد العزيز صالح، وعلي رضوان اللذان أصبحا من أشهر علماء المصريات في الجيل الذي تلى جيل أحمد فخري.
وكتب فخري عدة مؤلفات عن مواضيع أثرية مختلفة كان من بينها: "الأهرامات المصرية"، و"واحة سيوة"، و"مصر الفرعونية".
راهب الصحراء الرائد الأثري الدكتور أحمد فخري
كتاب "واحة سيوة" يتحدث عن نفسه
في عام 1973م طبعت الجامعة الأمريكية في القاهرة كتاب عالم الآثار المصري الشهير أحمد فخري عن واحة سيوة بعد نحو أربعة عقود من بداية عمله وزياراته المتكررة للمكان منذ عام 1938م.
في بداية كتاب "واحة سيوة" الذي يتكون من مائتي صفحة، يُصنِّف فخري واحات الصحراء الغربية الخمس إلى فئتين، يضع كل الواحات الأربع (الخارجة – الداخلة – البحرية – الفرافرة) في فئة واحدة مُعتبرًا إياهم متأثرين بحضارة وادي النيل بشكل أو بآخر، أما سيوة فقد جعلها فئة مُتفردة لا تشبه أحدا.
كتاب مصر الفرعونية للدكتور أحمد فخري
ويقول فخري في مقدمة كتابه إن أسباب تأليفه الكتاب هو شعوره بأن أهل سيوة قد أصابهم التغير مقارنة بما كانوا عليه قبل في أولى رحلاته لهذا الموقع، ففي عام 1972م، وخلال آخر زيارة قبل تأليف الكتاب، وجد المؤلف الفتيان والفتيات يتخلون عن الملابس التقليدية لصالح الزي المدرسي الذي يشبه بقية المدارس المصرية، لم يكُن هذا ما أثار فخري وأقلقه، بل شعر ببداية علامات انحسار ثقافة الواحة مع تسلل أبنية وعمائر جديدة استضافت وافدين غرباء أفسدوا الواحة بما جلبوه من أنماط حياة القاهرة والصعيد.
وفي عام 1973م لم يكن لدى المؤلف إجابة قاطعة عن سؤاله: هل سيظل هذا التغير في القشرة الخارجية أم أنه سيصيب بنية المجتمع التحتية؟.
تمنى فخري أن تبقى المظاهر المشوهة للبيئة على السطح حتى لا تفقد مصر هوية مكانية مميزة لواحة سيوة التي لا تشبه أحدا، ليس فقط لمكانتها في التاريخ، بل لجمال بيئتها ونمط حياة شعبها المميز والمتفرد.
كتاب الأهرامات المصرية للدكتور أحمد فخري
يحدثنا فخري كيف كانت الحمير عبر القرون هي سبل الانتقال الرئيسة بين سيوة وبقية المعمور المصري، والحمار المصري سابق على وفود الجمال الآسيوية إلى بيئتنا حين حل الجمل محل حمارنا، وأصبح سفينة الصحراء منذ عصر البطالمة (قبل 2300 سنة مضت).
تحدث الأثري الكبير أحمد فخري أن سيوة شهدت أول "أوتوموبيل" في عام 1917م، لكنه لم يُغيّر كثيرًا في وسائل الانتقال بالإبل بين الواحة وساحل المتوسط عبر المدقات حتى عشرينيات القرن العشرين، أما اليوم (سنة تأليف الكتاب في عام 1973م) فيتحرك أهل الواحة عبر حافلة تقلهم مرتين في الأسبوع إلى مرسى مطروح، ومنها لبقية المعمور المصري.
يرصد فخري اختفاء كل من الحمار والجمل من سيوة لصالح الحافلة الحديدية التي يركبها الناس، حيث تخلى أهل الواحة عن الجمل وتركوه فقط للبدو غير المستقرين المرتحلين في الصحراء الذين يأتون لشراء تمور الواحة والاتجار فيها مع بقية المعمور المصري.
كتاب الآثار المصرية للدكتور أحمد فخري
ينبهنا فخري في كتابه الفريد والممتع إلى أن علاقة سيوة بالعالم كانت مرتبطة بالطريق الرئيس الذي يصلها بمدينة مرسى مطروح، وهو نفسه طريق القوافل القديم الذي نشأ هنا قبل زمن بعيد. هذا هو الطريق الذي سار عليه كل من جاء إلى سيوة من الجانب الآخر من المتوسط لاستشارة معبد النبوءات (معبد الوحي) فيها، وكان ميناء باراتونيوم Paraetonium (مرسى مطروح) ميناء الوصول من ضفة المتوسط الشمالية قبل الانطلاق عبر الصحراء إلى واحة سيوة، وأشهر من قام بذلك الإسكندر الأكبر الذي زار الواحة في 331 ق.م، ويُعرف هذا الممر باسم "مسرب الاسطبل"، ويُعرف لدى البدو باسم "درب المحشاس Mahashas"، والذي يبلغ طوله نحو 300 كم، وقد مد الخط التليفوني الحالي بمحاذاته، ومن ثم يمكن للمسافرين اتباع أعمدة التليفون من وقت خروجهم من مرسى مطروح حتى بلوغهم سيوة عبر هذا الدرب.
وكان هناك مشروع لمد طريق مُعَبَّد إلى سيوة بعد زيارة الملك فؤاد للواحة في عام 1928م، لكن بعد انتهاء الرحلة أُهمل المشروع تمامًا، ولم يمد منه لاحقًا سوى أول 125كم من مرسى مطروح في اتجاه الواحة وكذلك آخر 25 كم في الطريق قبيل دخول الواحة، أما بقية الطريق فما زال إلى اليوم (تاريخ كتابة العمل 1973م) دربًا صحراويًّا غير معبد تحتاج السيارات إلى ما بين 7 – 9 ساعات لقطع هذه المسافة (بما يشمله ذلك من استراحة مرة أو مرتين).
صور قديمة لواحة سيوة
الطريق من سيوة إلى كرداسة
ورغم أن الطريق خشن وغير مريح في السفر إلا أن السيارات في هذه القطاع هنا لا تواجه أية مشكلات من غزو الكثبان الرملية، وسيبقى المسافر آمنًا ما دام لم يفقد الاهتداء بخط أعمدة التليفونات في اتجاهه عبر الطريق، وبعد مسافة 160 كم من مرسى مطروح يصل المسافر إلى "بير النص" حيث يجد خزانًا للمياه وكوخًا خشبيًّا لرجل شرطة، ومن هذا المكان يُمكن إرسال الرسائل الهاتفية إلى كل من سيوة ومرسى ومطروح.
صور قديمة لواحة سيوة
وحتى عام 1939م كان هناك على مقربة من "البويب" (قبل بلوغ بير النص) بيت خشبي كبير انتصب هنا في الأساس في عام 1928م للملك فؤاد ليقضي فيه الليل، غير أنه أُزيل مع اندلاع الحرب العالمية الثانية آخذًا في الاعتبار أنه كان علامة معروفة على الطريق، وهناك بالمثل عدد من طرق القوافل التي تربط سيوة بالساحل إلى جانب "مسرب الاسطبل" ولعل أكثرها أهمية ما يلي:
- الدرب الممتد من "جراولة" (على ساحل البحر شرق مرسى مطروح) إلى سيوة مارًا بنبع القطارة والواحة الصغيرة المُسماة قارة أم الصغير (والتي يختصر اسمها أحيانا إلى "الجارة") ويبلغ طول هذا الدرب نحو 350 كم.
- الدرب المُسمى "دقناش"، والذي يربط سيوة بالسلوم عبر مسافة تبلغ نحو 310 كم .
صور قديمة لواحة سيوة
وهناك ثلاث طرق أخرى أقل شهرة هي:
- درب يتجه غربًا إلى جغبوب، تلك الواحة التي كانت مصرية حتى عام 1926م حتى مُنحت وقتها إلى ليبيا.
- درب يربط سيوة بواحة البحرية عابرًا الزيتون (في شمال شرق سيوة) مارًا بتلك الواحات الصغيرة غير المأهولة: "العرج"، "سترة"، و"البحرين".
- الدرب الثالث يربط سيوة بوادي النيل، فيمر أولاً بقارة أم الصغير، ثم يواصل مستمرًا عبر منخفض القطارة حتى يصل إلى نبع المُغرة (وهناك تتفرع شعبة منه إلى الشمال لتبلغ العلمين) ومن المُغرة يتفرع فرعين، أحدهما يتجه نحو وادي النطرون في غرب الدلتا، والآخر إلى الفيوم في وادي النيل، أما الدرب الرئيس فيكمل طريقه إلى كرداسة الواقعة قرب أهرامات الجيزة، وهذا الدرب الأخير يربط سيوة بالطريق المصري القديم الذي كان يربط الواحة بالعاصمة المصرية القديمة "منف"، وقد استخدمه الإسكندر في طريق عودته من سيوة إلى وادي النيل.
الأثري عبد الله إبراهيم موسى
مدير منطقة آثار مرسى مطروح للآثار الإسلامية والقبطية
صور قديمة لواحة سيوة
صور قديمة لواحة سيوة
صور قديمة لواحة سيوة
صور قديمة لواحة سيوة
الأثري عبد الله إبراهيم موسى