نعم كلنا يعرف أن "العلم في الصغر كالنقش على الحجر".. ولكن النقش يحتاج غالبًا طول الوقت إلى مُعلم ماهر لا إلى تاجر شاطر يكسب ملايين!
في السابع من نوفمبر سنة 2016 أقرّت الصين تعديلًا في قانون التعليم الأهلي.. تعديل قصير.. ولكنه قلب الطاولة.. فقد نصّ على أنه لا يجوز لأحد أن يقيم مدرسة ربحية في التعليم الإلزامي: الابتدائي والإعدادي، أي لمدة 9 سنوات.. وبدأ العمل بالقانون في سبتمبر 2017.
والصين لم تغلق المدارس الخاصة.. ولم تقل لأحد: لا تبنِ.
قالت: ابنِ كما تشاء، ولكن بلا أرباح في هذه السنوات بالذات.. ويجوز للمدرسة غير الربحية أن تتقاضى مصروفات وفق القانون.. أما رياض الأطفال والثانوي والجامعة فبقي فيها مكان للربح.. أو فسحة للربح.
أي أن الصين فرّقت بين الطفل الذي يتعلم كيف يمسك القلم، والشاب الذي يختار أين يتعلم! ثانوي أو تجاري أو صناعي!
وقد فسّر نائب وزير التعليم الصيني يومها ذلك بأن التعليم الإلزامي يعبّر عن إرادة الدولة، وطبيعته لا تحتمل أن تقوده مدارس تبحث عن الربح.
ثم جاءت لوائح جديدة في عام 2021 فمنعت السيطرة على هذه المدارس بالاستحواذ والدمج، وضبطت الرسوم، ومنعت أن تُطلب أموال تحت اسم «تبرعات» عند القبول.. الأرباح التي كانت تُسمّى تبرعات صار اسمها: مخالفة!
والصين ليست وحدها في التخفيف عن كاهل الأسرة.. ففي إندونيسيا قضت المحكمة الدستورية في 27 مايو 2025 بأن التعليم الأساسي المجاني، ست سنوات ابتدائي وثلاث إعدادي، لا يجوز أن يكون حقًّا لمن دخل مدرسة حكومية فقط!
فالمدارس الحكومية لا تتسع للجميع، فيذهب الأب إلى المدرسة الخاصة ويدفع.. ورأت المحكمة في ذلك نقضًا لالتزام الدولة.
فأمرت بتمويل التعليم الأساسي في المدارس الحكومية والأهلية معًا، وتركت للمدارس ذات المناهج الخاصة أن تأخذ مالًا إضافيًا. أي أن إندونيسيا لم تُغلق باب الربح.. ولكنها فتحت باب الدولة لدعم أولياء الأمور. قد يكون الدعم أقل مشاركة من المجانية ولكن تحمل جزء من المصاريف أمر جيد... والمعنى، الطفل ليس مشروعًا استثماريًا!
وعندنا المدرسة الخاصة والحضانة الخاصة فيهما كثير من رسوم تقديم لا تُردّ، ومصروفات فوق السقف المعلن، وكتب وأنشطة وزيّ وأتوبيس.. وكل بند تحت عنوان "أجنبي".. حتى تقنعك بأنك تشتري شيئا مميزًا من بضاعة "الخواجة" وبلغته.. والمصروفات كل يوم تزيد وتزيد.
والأب لا يدفع؛ لأنه رأى فرقًا في المنهج، وإنما يدفع لكي يهرب من الزحام العشوائي إلى زحام مرتب بثوب أنظف، ونظام أوضح.. وجدول صارم ومدرسين ملتزمين.
وقبل أيام ذهبت إلى مدرسة خاصة أسأل عن مكان لابن قريب لي. قالوا: رسوم التقديم كذا، ولا تُردّ. قلت: وإن لم يُقبل؟ قالوا: هذه رسوم الفرصة! فرصة؟ نحن كنا ندخل المدرسة بلا فرصة.. ونخرج منها بفرصة! أما الآن فأصبح للفرصة سعر.. وللرفض سعر أيضًا!
وهذا يذكّرني بجحا الذي ضاع مفتاحه في الظلام، فراح يبحث عنه تحت عمود النور، لأن النور هناك أحسن! والأب يبحث عن التعليم تحت عمود النور الخاص، لأن المدرسة الحكومية تحاول أن تزيح الظلام ولكنها مكبلة بكثير من المعوقات الكل يعرفها!!
هل ننقل القانون الصيني كما هو؟ لا طبعًا. فالقانون كالطربوش لا يليق إلا برأس صاحبه، ولكن نأخذ الفكرة ونبدأ الإصلاح من المدرسة الحكومية.. فما دامت عاجزة سيبقى الخاص سوق خوف لا سوق تميّز.. ويتحكم في أولياء الأمور.. ولكن يجب أن نفرّق بين مدرسة تضيف علمًا، ومدرسة تضيف فاتورة وتبالغ فيها.
كما يجب أن نعامل الحضانة والتعليم الأساسي معاملة الأمانة لا التجارة والمكسب والربح ولا مكان لعصر الآباء وشطف جيوبهم وكيهم بالقروض لدفع مصروفات المدارس!
وليس هذا عداءً للحرية.. الحرية أن تقيم مدرسة ذات رسالة.. أما أن تسمّي الرسالة «استثمارًا» وتسمّي الخوف «جودة».. فهذا اسمه: تجارة!
فهل نغلق المدارس الخاصة؟ قطعًا لا! ولكن محاولة القضاء على المدارس التي تحلب أولياء الأمور بلا فائدة.. هي محاولة القضاءٌ على «الزيف» لا على "حرية رأس المال".. فالحرية حقٌّ أصيل لمن يُنشئ مدرسة ذات رسالة حقيقية.. والزيف أن نُسمّي التجارة «رسالة»، والخوف «جودة».
الصين لم تخترع شيئًا.. قررت فقط أن الطفولة ليست للبيع.. قررت ألا تبيع طفولتها بقسط شهري.. فالتعليم في الصغر في الأساس ليس تجارة.. ونحن هنا نحاول أن ننقذ ما يمكن إنقاذه!!