عندما نقول اليابان نتذكر السيارات والإلكترونيات، وعندما نذكر كوريا الجنوبية تأتي صناعة الصلب والسيارات، وتصبح تايوان مرادفًا للرقائق الإلكترونية. هذا التزاوج بين اسم دولة وصناعة متفردة فيها ليس من قبيل المصادفة، ولكنه نتاج رؤية مدروسة وتنفيذ جاد، فأصبحت عائدات هذه الصناعة للدولة تعادل إجمالى الناتج القومي لدول أخرى.
الحقيقة السابقة استدعت التساؤل عما هي الصناعة التي يمكن أن تحمل اسم مصر عالميا. أرقام الصادرات المصرية لعام 2025 تكشف عن قاعدة صناعية وتصديرية واعدة، فقد تصدرت مواد البناء الصادرات غير البترولية بنحو 14.9 مليار دولار، تلتها الكيماويات والأسمدة 9.4 مليار، ثم الصناعات الغذائية 6.8 مليار، والسلع الهندسية والإلكترونية 6.5 مليار دولار. والملابس الجاهزة نحو 3.4 مليار دولار. رغم هذه الأرقام الجيدة فإن الصادرات الكبيرة لا تعنى بالضرورة امتلاك صناعة عالمية.
إيطاليا لم تبن قوتها الصناعية اعتمادا على عدد من الشركات العملاقة فقط، وإنما نجحت فى إقامة تجمعات صناعية متخصصة، تتكامل فيها الشركات الصغيرة والمتوسطة حول صناعة محددة. هولندا بنت منظومة تربط الزراعة بالبحث العلمى، والتخزين، والتسويق، والتصدير لتبلغ صادراتها الزراعية نحو 65 مليار يورو سنويا. أما تايوان فقد وضعت منظومة تربط الجامعات، ومراكز الأبحاث،والشركات، والإنتاج. لتصبح قاعدة لإنتاج أشباه الموصلات.
أما كوريا الجنوبية فلم تنظر إلى الصناعة باعتبارها مصنعا منفردا، فصناعة الصلب اصبحت ركيزة لإنتاج السيارات، والمعدات، والسفن. التطور الواضح بدايته فى الصناعة المصرية مؤخرا أوجد الطموح والأمل فى بناء صناعة مصرية تكتسب الصبغة العالمية.فقط نحتاج خطة متكاملة لقطاعات رئيسية حققت نموا كبيرا فى صادراتها مثل مواد البناء- الأسمدة والبتروكيماويات - الصناعات الغذائية - الكابلات الكهربائية ــ الأدوية والمستلزمات الطبية. هذه القطاعات يمكن اختيار بعض منها ووضعها فى منظومة تضم المصنع، والمورد الصغير، ومركزا للبحوث والتطوير، والتمويل، والتسويق، والتصدير.
نحتاج أن يعمل كل قطاع وفق أهداف واضحة تتضمن الاستثمارات المطلوبة للتحديث والتطوير، قيمة الصادرات المستهدفة على مدى السنوات العشر المقبلة، القيمة المضافة المأمولة للاقتصاد المصرى من كل قطاع.المشكلة ليست أننا لا نملك صناعات قوية، ولكن أننا لم نحدد بعد، بصورة حاسمة، أى الصناعات نريد أن تصبح فيها مصر دولة متميزة عالميا على غرار ما كان حادثا منذ قرون بارتباط القطن المتميز عالميا بمصر.
الدولة الصناعية القوية ليست التي تتميز في كل شيء، وإنما التي تعرف ماذا تصنع، ولمن، وبأي قيمة مضافة، وكيف تجعل العالم يبحث عن منتجها. فى النهاية يجب أن يكون السؤال الذي يسبق أي إستراتيجية صناعية للحاضر والمستقبل هو عندما يسمع العالم اسم مصر بعد عشر سنوات، ما هي الصناعة التي نريد أن يتذكرها معها؟.