تقول الحكاية، إن نابليون بونابرت، وبعد أحد انتصاراته الكبرى، أقام له عمدة باريس، حفل عشاء كبير وعظيم؛ تكريماً له ولبطولاته.
تم التجهيز للاحتفال، باهتمام كبير، وأقام العمدة في صدر القاعة الشاسعة، منصة أنيقة تليق بالقائد المنتصر، يغطيها بعض الذهب، ورتب المقاعد بحيث يسير نابليون بين كبار رجال الدولة، حتى يصل إلى مقعده المُذهب، الذي أُعِدَ له خصيصًا، وبعناية شديدة.
لكنَّ نابليون، فاجأ الجميع بجلوسه فور دخوله القاعة، على مقعد عادي للغاية، في مكان لا يميزه شيء على الإطلاق.
هرول إليه عمدة باريس، قائلاً في تعجب وارتباك شديدين: سيدي هذا ليس مكانك، مكانك فوق المنصة! فطلب منه نابليون أن ينظر إلى الحضور جميعًا، فنظر، فإذا بجميع الرؤوس قد استدارت نحو نابليون، نحو المكان المتواضع، الذي جلس فيه، فيما بقيت المنصة الفارهة خالية، ولا يلتفت إليها أحد! فقال مقولته الشهيرة: أينما يجلس نابليون، تكن المنصة!
في حياتنا، نوعان من الهيبة! هيبة الواثق، التي لا يصنعها بالمظاهر، ولا ببعده عن الناس، ولا بعلو مقعده، ولا بالإبهار في المراسم، ولا بكثرة الحواجز.
هذا يدرك، أن المهابة الحقيقية تسكن في قلـوب الناس، لا في تفاصيل الـبروتوكول.
والهيبة الثانية، هي تلك التي يصنعها الخائف على مكانته، غير المطمئن إليها، ولذا تراه دومًا، يحتمي بالمظاهر، ويختفي وراء الحواجز! وتصبح المنصة جزءًا من سلطته، والسجادة رمزًا لهيبته، والمسافة بينه وبين الناس تعبيرًا عن عظمته!
نابليون لم يكن متواضعًا! لكنه كان يعرف قدره ومكانته.
أما نبي الرحمة، صلى الله عليه وسلم، فقد كان جمَّ التَّواضُع، لا يعتريه كِبرٌ ولا بطَرٌ، على رفعةِ قَدْرِه، وعُلُوِّ منزلتِه، يخفِضُ جناحَه للمُؤمِنين، ولا يتعاظَمُ عليهم، ويجلِسُ بَيْنَهم كواحدٍ منهم، ولا يُعرَفُ مجلِسُه من مجلسِ أصحابِه؛ لأنَّه كان يجلِسُ حيثُ ينتهي به المجلِسُ، ويجلِسُ بَيْنَ ظهرانَيهم، فيجيءُ الغريبُ فلا يدري أيُّهم هو حتى يسألَ عنه!
سُئِلت أم المؤمنين عائشة، رضي الله عنها وأرضاها: ما كان النَّبيُّ، صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، يصنعُ في بيتِه؟ قالت: كان يكونُ في مهنةِ أهلِه (تعني خدمةَ أهلِه) فإذا حضرَت الصَّلاةُ خرج إليها..
فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ، وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ، فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ.
هكذا وصف الله تعالى نبيه ورسوله، (صلى الله عليه وسلم).
وكانتْ دعوته سبحانه، دومًا إليه (صلى الله عليه وسلم) بهذا الأمر: وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ.
ويمتدح الله، جلت قدرته، عباده الصالحين، بالمعنى نفسه: (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا).
كان النبي، (صلى الله عليه وسلم)، دَائِمَ الْبِشْرِ، سَهْلَ الْخُلُقِ، لَيِّنَ الْجَانِبَ، لَيْسَ بِفَظٍّ، وَلا غَلِيظٍ.
قال (صلى الله عليه وسلم): يَا عَائِشَةُ، إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ، وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ، وَمَا لَا يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ.
وهكذا كان أصحاب النبي أيضًا، قال ابن عبَّاس، رَضِيَ اللَّهُ عنهما: مكثتُ سنةً أُريدُ أن أسألَ عمَرَ بنَ الخطَّابِ عن آيةٍ، فما أستطيعُ أن أسألَه؛ هيبةً له!
حُسن الخاتمة، وجمال العاقبة، سبيلهما التواضع، ولين الجانب: (تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأرْضِ وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)..
ومن وعود الله تعالى، على لسان رسوله (صلى الله عليه وسلم) والله لا يخلف وعدّه: وما تواضعَ أحدٌ للَّهِ إلَّا رفعَهُ اللَّهُ..
هيبتك جزء من تكوينك، فلا تضيعها، وحقق معادلة الجمال كله، أن تكون مهيبًا ومتواضعًا..
مهيباً مع الجبارين، متواضعًا مع المساكين، عندها ستكون بلا شك، إنسانًا عظيمًا.