المنصوري.. أحدث "الملامح المغربية"

1-10-2026 | 01:00

لم تكن تسمية فاطمة الزهراء المنصوري رئيسةً للحكومة المغربية مجرد سابقة نسائية في تاريخ المملكة، وإنما جاءت في لحظة تبدو فيها التجربة المغربية نفسها أمام اختبار جديد: هل تستطيع أن تحول ما راكمته خلال السنوات الماضية من بنية تحتية، وصناعة، وسياحة، وانفتاح اقتصادي إلى نموذج أكثر قدرة على خلق الوظائف وتحسين حياة المواطنين؟

المنصوري هي أول امرأة تتولى رئاسة الحكومة في تاريخ المغرب، وثاني امرأة في العالم العربي تصل إلى هذا المنصب بعد التونسية نجلاء بودن، التي تولت رئاسة الحكومة بين عامي 2021 و2023. وجاء اختيار المنصوري بعد تصدر حزب الأصالة والمعاصرة الانتخابات البرلمانية، وحصوله على 97 مقعدًا من أصل 395، وهو ما يعني أن مهمتها الأولى ستكون تشكيل ائتلاف حكومي قادر على توفير أغلبية برلمانية.

لكن قيمة التجربة لن تقاس فقط بكونها امرأة تتولى للمرة الأولى رئاسة الحكومة، وإنما بما إذا كانت تستطيع تحويل هذه اللحظة الرمزية إلى قدرة سياسية وتنموية. وهنا تحديدًا يمتلك المغرب أرضية ليست قليلة.

المملكة المغربية ليست داخلة إلى هذه التجربة من نقطة الصفر. خلال العقدين الماضيين تشكلت لديها بنية صناعية متنامية، وشبكات طرق وموانئ ومناطق صناعية، إلى جانب قاعدة سياحية أصبحت ذات حضور عالمي. ويقول البنك الدولي إن المغرب بنى أساسًا قوياً، وإن بإمكانه المضي أبعد في خلق الوظائف وتعميق الاستثمار الخاص وإتاحة فرص حقيقية للشباب والنساء.

الأرقام تمنح هذه الصورة بعض الصلابة. في السياحة، استقبل المغرب 19.8 مليون زائر في 2025، بزيادة 14% عن العام السابق، بينما بلغت الإيرادات السياحية 138 مليار درهم، بزيادة 21% على 2024 و75% مقارنة بـ 2019. كما تجاوز عدد ليالي المبيت في الفنادق المصنفة 43.4 مليون ليلة. وهذا يعني أن المغرب لم يعد يبيع فقط "الصورة التقليدية" للمدينة القديمة والصحراء ومراكش، وإنما أصبح يبني صناعة سياحية متكاملة. والأهم أن المملكة بدأت تصنع شيئًا يمكن تسميته علامة المغرب: مراكش، وفاس، والصحراء، والجبال، والرياض، والمطبخ المغربي، إلى جانب صورة بلد يجمع بين التاريخ والحداثة والقرب من أوروبا.

حتى السينما العالمية ساعدت في ترسيخ هذه العلامة. فقد استقبل المغرب في 2025 تصوير 48 إنتاجًا سينمائيًا وتلفزيونيًا أجنبيًا، باستثمارات تجاوزت 1.16 مليار درهم. وجاء فيلم كريستوفر نولان The Odyssey في مقدمة هذه الإنتاجات من حيث الاستثمار، بأكثر من 252 مليون درهم، فيما أصبحت ورزازات ومواقع مثل آيت بن حدو مرتبطة في الذاكرة السينمائية العالمية بأعمال ضخمة مثل Gladiator The Mummy Kingdom of Heaven وGame of Thrones.

وهنا تكمن نقطة مهمة: الدولة التي تصبح موقعًا لتصوير أفلام كبرى لا تبيع فقط مواقع تصوير؛ إنها تدخل إلى خيال العالم. وهذه ربما إحدى أقوى أدوات بناء العلامة الوطنية في العصر الحديث.

الصناعة تقدم قصة أخرى أكثر أهمية، لأنها تتعلق بالإنتاج لا بالصورة وحدها. فقطاع السيارات أصبح أكبر قطاع تصديري في المغرب، وبلغ رقم أعماله نحو 196 مليار درهم في 2024، مع أكثر من 250 ألف وظيفة مباشرة. كما تجاوزت الاستثمارات الصناعية في المملكة 90 مليار درهم في العام نفسه، بينما تخطى إجمالي العمالة الصناعية مليون وظيفة.

والأكثر دلالة أن المغرب لم يكتف بتجميع السيارات، وإنما دخل تدريجيًا في سلاسل القيمة العالمية. وهذا يظهر أيضًا في قطاع الطيران. فقد أصبحت منشآت في الدار البيضاء جزءًا من سلسلة إمداد إيرباص، فيما استحوذت إيرباص على موقع في الدار البيضاء ينتج مكونات الطائرات A321 وA 220. كما أعلنت سافران عن استثمارات كبيرة في المغرب، بينها خط تجميع محركات LEAP-1A الخاصة بطائرات إيرباص، بطاقة تصل إلى 350 محركًا سنوياً واستثمار يبلغ 200 مليون يورو.

هذه التفاصيل مهمة لأنها تقول إن المغرب لا يحاول فقط جذب المصانع؛ بل يحاول الصعود داخل سلاسل الإنتاج العالمية.

لكن كل ذلك لا يلغي الأسئلة الصعبة أمام الحكومة الجديدة.

فالنمو الاقتصادي لم يتحول بعد بالقدر الكافي إلى وظائف. ويشير البنك الدولي إلى أن عدد السكان في سن العمل نما خلال الفترة 2000–2024 بوتيرة أسرع بكثير من نمو العمالة، بينما تظل مشاركة النساء في سوق العمل منخفضة. كما يظل الشباب والنساء من أكثر الفئات تأثراً بمشكلة البطالة وعدم كفاية فرص العمل.

وتزداد الصعوبة مع الجفاف وتراجع الموارد المائية. فقد أصبحت المياه واحدة من القضايا الاقتصادية والاجتماعية المركزية في المغرب، ليس فقط بسبب تأثيرها على الزراعة، وإنما بسبب انعكاساتها على النمو والاستثمار والاستقرار الاجتماعي. ويضع البنك الدولي ندرة المياه، والبطالة، والفوارق بين المناطق، ورأس المال البشري، ضمن أبرز التحديات الهيكلية التي تواجه المملكة.

ثم هناك تحدي تحويل الاستثمار الضخم المرتبط بكأس العالم 2030 إلى مكاسب مستدامة بعد انتهاء الحدث. المغرب ينفق بكثافة على السكك الحديدية والطرق والمطارات والملاعب والبنية الحضرية، وهو ما يساعد في دفع النمو؛ لكن الاختبار الحقيقي سيكون في كيفية استخدام هذه البنية بعد البطولة لرفع الإنتاجية وجذب استثمارات جديدة وخلق وظائف مستدامة.

أما العلاقات الخارجية، فيمكن أن توفر للمغرب أسواقاً واستثمارات وشراكات تكنولوجية مهمة، لكنها تظل عاملاً مساعداً لا بديلاً عن الإصلاح الداخلي وقدرة الاقتصاد على تحويل هذه الفرص إلى إنتاج ووظائف.

لهذا تبدو تجربة المنصوري أكبر من قصة امرأة وصلت إلى قمة السلطة التنفيذية. إنها تأتي في بلد نجح في بناء عدة علامات مغربية في وقت واحد: المغرب السياحي، والمغرب الصناعي، والمغرب السينمائي، والمغرب اللوجستي، والمغرب القادر على استقطاب شركات عالمية مثل إيرباص وسافران.

ويبقى السؤال الأهم: هل تستطيع رئيسة الحكومة الجديدة جمع هذه الخيوط في سياسة اقتصادية واجتماعية واحدة، بحيث لا يبقى النجاح في الموانئ والمصانع والفنادق ومواقع التصوير منفصلاً عن حياة المواطن اليومية؟

إذا حدث ذلك، فقد تصبح التجربة المغربية أكثر من سابقة نسائية؛ وقد تتحول إلى تجربة تستحق أن تُدرس في العالم العربي: كيف يمكن لبلد أن يبني علامته في العالم، ثم يحاول أن يجعل هذه العلامة محركاً لتنمية يشعر بها الداخل أيضاً؟ وربما هنا تحديدًا تكمن إمكانية أن تكون التجربة المغربية ملهمة: ليس لأنها خالية من المشكلات، بل لأنها تقدم محاولة عملية لبناء التنمية من خلال تراكم طويل في الصناعة والسياحة والبنية التحتية والاستثمار، ثم وضع هذا التراكم أمام اختبار سياسي جديد تقوده امرأة للمرة الأولى.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: