جاءت كلمة الرئيس عبدالفتاح السيسي أمام ممثلي مختلف قطاعات المجتمع في توقيت بالغ الأهمية، ليس فقط بالنظر إلى ما تشهده مصر من تحديات داخلية، وإنما أيضًا بالنظر إلى البيئة الإقليمية والدولية المحيطة بالدولة المصرية، ولهذا فقد شملت الكلمة توصيفًا وتشخيصًا تفصيليًا لما يجابه الدولة من تحديات، وكذلك الحلول والسياسات المتبعة والواجب ترجمتها للمواطن لبناء وعي سليم بما يحيط بنا. فنحن أمام إقليم شديد السيولة، تتداخل فيه الأزمات والحروب والصراعات، وتتغير فيه موازين القوى بصورة متسارعة، بينما يشهد النظام الدولي نفسه تحولات عميقة تعيد تشكيل قواعد الحركة والعلاقات بين الدول.
ومن هنا، فإن أهمية كلمة الرئيس لا تكمن فقط في مضمون الرسائل التي تضمنتها، وإنما كذلك في توقيت توجيه هذه الرسائل وطبيعة الجمهور الذي وُجهت إليه. فاللقاء لم يكن موجهًا إلى مؤسسة واحدة أو فئة محددة، وإنما جاء بحضور كامل الحكومة والمحافظين، وممثلي القوات المسلحة والشرطة، إلى جانب القيادات السياسية والمجتمعية والدينية والإعلاميةّ، وهو ما يعكس رغبة واضحة في وضع مختلف مكونات المجتمع أمام صورة واحدة للتحديات التي تواجه الدولة.
واللافت هنا أن الخطاب لم يتعامل مع التحديات باعتبارها أحداثًا منفصلة، وإنما في إطار رؤية أشمل تتصل بمستقبل الدولة المصرية وموقعها في إقليم مضطرب. وهذه نقطة شديدة الأهمية؛ لأن الدولة لا تستطيع أن تتعامل مع التطورات المحيطة بها باعتبارها ملفات منفصلة؛ فلسطين بمعزل عن أمن الإقليم، والسودان بمعزل عن الأمن القومي المصري، والبحر الأحمر بمعزل عن حركة التجارة والطاقة، أو التحولات الدولية بمعزل عن الاقتصاد والأمن الوطني.
وهنا تظهر قيمة التوقيت. فمصر تتحرك في بيئة دولية شديدة التعقيد؛ فقد شارك الرئيس في سبتمبر الجاري في قمة تجمع بريكس في نيودلهي، وأكدت الرئاسة المصرية أن القمة تناولت أزمات مترابطة تمتد آثارها إلى الأمن والطاقة والتجارة وسلاسل الإمداد. كما شهد الشهر نفسه نشاطًا مصريًا مكثفًا على المستوى الدولي، من الزيارة الصينية إلى القمة الثلاثية مع قبرص واليونان، وهو ما يعكس اتساع دوائر الحركة الخارجية المصرية في مرحلة تتسم بإعادة تشكيل النظام الدولي.
الجبهة الداخلية شرط للقوة الخارجية
لا يمكن قراءة السياسة الخارجية المصرية بمعزل عن الجبهة الداخلية. وهذه قاعدة أساسية في فهم سلوك الدول، خصوصًا الدول التي تتحرك في بيئة إقليمية مضطربة وتتعرض لضغوط متزامنة من أكثر من اتجاه.
فالدولة تستطيع أن تمتلك أدوات دبلوماسية وعسكرية واقتصادية، ولكن فاعلية هذه الأدوات ترتبط بدرجة كبيرة بقدرتها على الحفاظ على تماسكها الداخلي، وبمدى إدراك المجتمع لطبيعة المرحلة التي تتحرك فيها الدولة.
ولهذا فإن العلاقة بين الداخل والخارج ليست علاقة منفصلة. السياسة الخارجية تحتاج إلى قوة داخلية تسندها، والقوة الداخلية تحتاج إلى سياسة خارجية تحمي المصالح الوطنية وتوسع هامش الحركة. وكلما كانت الدولة أكثر قدرة على الجمع بين المسارين، ازدادت قدرتها على المناورة في بيئة دولية متغيرة.
وهنا يمكن فهم الحضور الواسع لمختلف مؤسسات الدولة ومكونات المجتمع في اللقاء. فالمسألة لا تتعلق فقط بإيصال معلومات، وإنما ببناء إدراك مشترك لطبيعة اللحظة. الدولة عندما تواجه أزمات متعددة تحتاج إلى أن يفهم المجتمع لماذا تتحرك، وما الذي تضعه في مقدمة أولوياتها، وما هي حدود الممكن والمتاح في التعامل مع الملفات الخارجية.
وهذا مهم بصورة خاصة بالنسبة لمصر، لأن موقعها الجغرافي والسياسي يجعلها تتأثر مباشرة بما يحدث حولها. ما يحدث في فلسطين، والسودان، وليبيا، والبحر الأحمر، وشرق المتوسط، والقرن الإفريقي، لا يبقى خارج الحدود المصرية؛ وإنما يمكن أن ينعكس على الأمن والاقتصاد والطاقة والهجرة والتجارة والأمن القومي.
الحرب على الوعي.. المعركة التي لا تقل أهمية عن المعارك التقليدية
من هنا يأتي الحديث عن الحرب على الوعي المصري باعتبارها أحد أبرز التحديات في المرحلة الحالية.
والمقصود هنا ليس التعامل مع كل نقد أو اختلاف باعتباره استهدافًا، فالمجتمع الصحي يحتاج إلى تعدد الآراء والنقاش العام. لكن المشكلة تبدأ عندما تختلط المعلومات بالشائعات، والحقائق بالتضليل، والنقد بمحاولات صناعة صورة ذهنية منفصلة عن الواقع.
وفي عصر المنصات الرقمية، لم تعد المعلومة تمر عبر المؤسسات الإعلامية التقليدية فقط. أصبح المواطن يتلقى عشرات الرسائل يوميًا من مصادر مختلفة، بعضها مهني وبعضها مجهول المصدر، وبعضها يقدم معلومة صحيحة مبتورة من سياقها، وبعضها يبني رواية كاملة على واقعة غير صحيحة.
وهنا تصبح المعركة الحقيقية هي معركة التمييز بين الحقيقة والرواية.
والدولة التي تريد الحفاظ على قدرتها على الحركة تحتاج إلى مجتمع يمتلك الحد الأدنى من القدرة على قراءة الأحداث وفهم سياقاتها. لأن المواطن الذي لا يعرف طبيعة التحدي يمكن أن يتحول، من دون قصد، إلى أداة في نشر رواية تخدم طرفًا آخر.
ولهذا فإن الوعي ليس مجرد ملف إعلامي، وإنما أصبح جزءًا من مفهوم الأمن القومي بمعناه الواسع. الوعي هنا يعني القدرة على فهم المصالح الوطنية، وإدراك تعقيدات البيئة الإقليمية، وعدم التعامل مع الأحداث باعتبارها مشاهد منفصلة.
مصر لا تتحرك في فراغ إقليمي
عند النظر إلى الحركة المصرية خلال سبتمبر 2026، نجد أن هذا السياق يصبح أكثر وضوحًا. فالرئاسة المصرية أعلنت خلال القمة الثلاثية مع قبرص واليونان التأكيد على التعاون الإقليمي الاستراتيجي، كما تطرقت التحركات المصرية في بريكس إلى قضايا الأمن والطاقة والتجارة وسلاسل الإمداد.
كما تناولت لقاءات الرئيس على هامش بريكس ملفات إقليمية، بينها الأزمة الإيرانية والسودان والقضية الفلسطينية، مع تأكيد الموقف المصري بشأن أولوية خفض التصعيد والعودة إلى التفاوض في الأزمة الإيرانية، والحفاظ على سيادة السودان ووحدته ومؤسساته الوطنية.
وهذا يوضح أن السياسة الخارجية المصرية تتحرك في مساحة واسعة للغاية. وبالتالي فإن فهم هذه السياسة يتطلب النظر إلى الصورة الكاملة، وليس إلى تصريح أو موقف منفرد.
القضية الفلسطينية.. ثابتة في السياسة الخارجية المصرية
القضية الفلسطينية تمثل أحد الملفات المركزية في السياسة الخارجية المصرية، ولا يمكن فصلها عن اعتبارات الأمن القومي المصري أو عن الدور التاريخي لمصر في القضية.
والأهم أن التعامل المصري مع القضية لا ينطلق فقط من الاعتبارات السياسية، وإنما من حقيقة أن القضية الفلسطينية مرتبطة مباشرة بأمن المنطقة واستقرارها.
وقد أكدت الرئاسة المصرية في سياقات مختلفة خلال سبتمبر 2026 استمرار طرح القضية الفلسطينية باعتبارها قضية مركزية، وربطت تحقيق السلام الدائم بإقامة الدولة الفلسطينية وفق مقررات الشرعية الدولية.
وهنا يمكن فهم استمرار الحضور المصري في هذا الملف باعتباره جزءًا من رؤية أوسع للأمن الإقليمي؛ فغياب التسوية العادلة للقضية الفلسطينية يظل أحد مصادر عدم الاستقرار في المنطقة، بينما استمرار الحرب أو التصعيد يخلق تداعيات تتجاوز حدود الأراضي الفلسطينية إلى الإقليم كله.
ومن ثم فإن مصر لا تتعامل مع القضية الفلسطينية باعتبارها ملفًا خارجيًا عابرًا، وإنما باعتبارها قضية ذات أبعاد تاريخية وأمنية وسياسية وإنسانية متشابكة.
قادة الرأي.. مسئولية أكبر في مرحلة أكثر تعقيدًا
في هذا السياق تحديدًا تتضاعف مسئولية قادة الرأي. الإعلامي، والكاتب، ورجل الدين، والشخصية العامة، وصانع المحتوى، وكل من يمتلك قدرة على الوصول إلى الجمهور، أصبح طرفًا مؤثرًا في تشكيل إدراك المجتمع للأحداث.
وهنا لا نتحدث عن دور دعائي، وإنما عن مسئولية معرفية ومهنية؛ التأكد من المعلومات، وضعها في سياقها، التفريق بين الخبر والرأي، وعدم تحويل الانفعال إلى حقيقة.
فالمرحلة الحالية لا تحتمل أن يتحول الفضاء العام إلى ساحة لإعادة تدوير الشائعات، خصوصًا عندما تكون الموضوعات محل النقاش مرتبطة بالأمن القومي أو بالحروب والصراعات الإقليمية.
وفي المقابل، فإن بناء الثقة لا يتحقق بمجرد مطالبة المواطن بالثقة؛ وإنما يحتاج إلى تقديم المعلومات، وشرح السياسات، وتوضيح خلفيات القرارات، والاعتراف بوجود المشكلات عندما تكون موجودة، وشرح كيفية التعامل معها.
وهنا يصبح الإعلام جزءًا من عملية بناء القدرة الوطنية، وليس مجرد ناقل للأخبار.
الوعي والقوة الشاملة للدولة
المعنى الأوسع لهذه الرؤية هو أن قوة الدولة في القرن الحادي والعشرين لم تعد تقاس فقط بحجم قواتها المسلحة أو حجم اقتصادها أو عدد سكانها، وإنما بقدرتها على تحويل عناصر القوة المختلفة إلى قدرة فعلية على الحركة والتأثير.
وهذه هي النقطة التي أراها جوهرية في فهم التجربة المصرية خلال السنوات الأخيرة، فالاقتصاد، والمؤسسات، والقوات المسلحة، والدبلوماسية، والموقع الجغرافي، والعلاقات الدولية، والمجتمع، والإعلام، والقدرة على إدارة الأزمات، كلها عناصر لا تعمل منفردة.
القوة الحقيقية تظهر عندما تعمل هذه العناصر في إطار رؤية واحدة.
ولهذا فإن الحديث عن تماسك الجبهة الداخلية لا يعني فقط الحديث عن الاستقرار بمعناه الأمني، وإنما يعني قدرة المجتمع على فهم اللحظة التاريخية، وقدرة مؤسسات الدولة على التواصل معه، وقدرة الدولة على إدارة الاختلاف دون السماح بتحويله إلى انقسام يعطل قدرتها على الحركة.
الرسالة الأهم من اللقاء
إذا أردنا التعرف على الرسالة الأساسية التي يمكن قراءتها من هذا اللقاء، فهي أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى مجتمع يعرف، لا مجتمع يسمع فقط؛ وإلى إعلام يشرح، لا إعلام يكتفي بالنقل؛ وإلى مؤسسات دولة تتواصل، لا مؤسسات تعمل بعيدًا عن المجتمع.
مصر تتحرك في إقليم متغير وفي نظام دولي يعاد تشكيله. والرئاسة المصرية نفسها تصف البيئة الدولية الراهنة بأنها تشهد تغيرات متلاحقة ومهمة، وهو ما ظهر كذلك في الخطاب المصري خلال زيارة الرئيس الصيني إلى القاهرة وفي المشاركة المصرية في بريكس.
وفي مثل هذه البيئة، تصبح القدرة على حماية القرار الوطني مرتبطة ليس فقط بما تملكه الدولة من أدوات، وإنما بقدرتها على إدارة هذه الأدوات، وعلى الحفاظ على التماسك الداخلي، وعلى بناء وعي مجتمعي قادر على استيعاب تعقيدات المرحلة.
ومن هنا يمكن النظر إلى اللقاء باعتباره أكثر من مجرد لقاء موسع مع ممثلي المجتمع؛ فهو، في قراءتي، جزء من معركة أوسع حول الوعي بطبيعة اللحظة المصرية والإقليمية والدولية، وحول قدرة المجتمع والدولة معًا على التعامل مع مرحلة تتغير فيها قواعد الحركة من حولنا بسرعة كبيرة.
وهذه هي النقطة التي تستحق التوقف عندها؛ فالسياسة الخارجية لا تبدأ من وزارة الخارجية فقط، والأمن القومي لا يبدأ عند الحدود فقط؛ كلاهما يبدأ من الداخل، من قدرة الدولة على بناء مجتمع واعٍ، متماسك، وقادر على التمييز بين الحقيقة والدعاية، وبين الاختلاف الطبيعي ومحاولات تفكيك الثقة العامة.