«هو جرى إيه للدنيا؟!.. الناس كلها بقت فتوات!.. أمال مين اللي حينضرب؟!»، دائمًا ما أتذكر هذه الكلمات للفنان الراحل توفيق الدقن في ختام فيلم «الشيطان يعظ» عام 1981 عن قصة الكاتب الكبير نجيب محفوظ، عندما أسمع أحد أساطين «المثقفين» يشكو بمرارة سوء حال «وَسَط المثقفين» متأففًا من ضراوة صراعاتهم.
عندئذ، أهمس لنفسي قائلًا: «هو جرى إيه للدنيا؟!.. الناس كلها بقوا متأففين مترفعين.. أمال مين المثقفين اللي بيتصارعوا؟!».
يستلزم هذا بالطبع أن نضع أولًا تعريفًا نظريًّا لمن يمكن وصفه بـ«المثقف»، لكن هذا ليس موضوع المقال بحالٍ من الأحوال، إنما هي فقط قصة؛ مجرد قصة قصيرة، لعل فيها ما يفيد.
دعتني الكاتبة الروائية شاهيناز الفقي إلى إدارة ندوة حول روايتها الأخيرة بعنوان «جريمة في بيت الرب»، في منتدى مدينتي الثقافي، وبرغم أنني أراني شخصًا يتحسس طريقه ليعرف فقط كيف يمكن أن يدير ذاته، فقد وافقت.
وافقتُ لأسباب عدة، أهمها أنني أعرف مشروع شاهيناز الفقي الروائي جيدًا، وقرأتُ لها أكثر من عمل، وسبق أن حاورتُها صحفيًّا، وكتبتُ عن روايتها «سنوات التيه» التي تحولت إلى مسلسل تليفزيوني لم تتم إذاعته بعد، فهي كاتبة حقيقية، جادة، كما أن منبر منتدى مدينتي الثقافي الذي أعرفه يتمتع بنفس الجدية والدأب، لذلك لم أجد سببًا للاعتذار والرفض.
زياد الشاذلي مدير المنتدى وجه سؤالًا مهمًّا للكاتبة في الندوة، إذ قال إننا كثيرًا ما نلاحظ أن الوسط الثقافي الذي يُفترض أنه يضم خيرة العقول يشهد صراعات حادة، بل شديدة الحدة، فهل يكره المثقفون بعضهم البعض؟!
رنَّ السؤال في أذني، فأنصتُّ إلى إجابة الكاتبة. قالت إن الوسط الثقافي جزءٌ من المجتمع، والظروف الاقتصادية التي تؤثر في المجتمع تؤثر أيضًا في هذا الوسط، فالفقر يسبب الكراهية والحقد والحسد بين الناس، كما أن الثقافة أصبحت سوقًا كبيرة، والمعروض فيها كثيرٌ للغاية، وبالتالي فإن الكاتب صار يريد أن يدفع زميله كي يجلس مكانه، في النشر والانتشار والجوائز وغيرها، مع أن القمة تتسع للجميع.
طلبتُ أن أضيف شيئًا، بصفتي مدير الندوة، فالمديرون يفعلون ما يشاؤون. قلت إنني أظن أن المثقف الحقيقي الذي يكتب لمتعته الشخصية في الأساس لا يهتم بالصراعات، وأن مَن يهتمون بها ويبذلون جهدهم فيها ربما ليس لديهم شيء حقيقي يقدمونه، فالترفع في رأيي قرين الصدق في الكتابة، حتى أن كثيرين - وأنا منهم - صاروا يتبرؤون من الوسط الثقافي، ولا يعدُّون أنفسهم جزءًا منه (تذَكَّر جملة توفيق الدقن)!
المفاجأة، جاءتني على لسان أحد الحاضرين، الذي سعيتُ إلى معرفة اسمه بعد الندوة، عندما قررتُ الكتابة في الموضوع.
محمد أنور، طلب التحدث، وقال إن الكُتَّاب بشر وليسوا ملائكة، ولا ينبغي أن ننظر إليهم باعتبارهم فئة مختلفة، إنما بشكل إنساني، والإنسان عمومًا قد يغار ويتطلع ويشعر بالاستحقاق، فالغيرة موجودة حتى عند الأطفال، وقد عرفنا من تاريخ كبار المثقفين أن هناك من كان يغار مثلًا من نجيب محفوظ لاسيما بعد حصوله على جائزة نوبل، لشعوره بأنه الأحق، فهذه أمور إنسانية طبيعية، والكُتَّاب ليسوا استثناءً.
استوقفتني كلماته، وشعرتُ أن بها منطقًا، لكنني وجدتُ أنها تحتاج إلى التفكير والمناقشة، بما لا يتسع له وقت الندوة، إذ توالت المداخلات حول رواية الكاتبة وأعمالها الأخرى.
ما لم أقله في المسألة، حول صراعات المثقفين، وإنسانيتهم، وضرورة التعامل معهم كبشر، فكرتُ فيه خلال عودتي بسيارتي، وجاء كما يلي: الأصل أن المثقف إنسانٌ يملك رؤية حول الوجود، يريد بها تجميل وجه الحياة وتقليل معاناة البشر، فلن تجد مثقفًا يكتب مثلًا للدعوة صراحةً إلى الشر، إنما الكل يقول إنه ينشد الحق والعدل والخير.. فكيف يمكنني تصديق الكاتب إن كانت سلوكياته هو تمضي في غير هذا الاتجاه؟!
حقًّا إن الكاتب إنسان، وليس ملاكًا، لكنه بحكم كونه كاتبًا فهو يضع نفسه في منزلة التنظير للناس، يعلن آراءه في الشأن العام، ويقاتل بما يملكه من سلاح؛ بالمقال أو الرواية أو الكتاب، بهدف الإصلاح، فكيف يكون هو نفسه مثل الآخرين تمامًا في خوض الصراعات، بالنفي والإقصاء، بالتنابذ بالكلام، والفساد في بعض الأحيان، بطلب الترشح لجائزة أو الدعم في مسابقة، أو استغلال موقعه لنيل مصلحة، كعضوية لجنة أو دعوة للسفر لحضور معرض أو مؤتمر؟!
كيف؟!.. وكيف يَطلب مني بعد ذلك أن أصدِّقه أو أعتبره مثقفًا يكتب لأجل الحق والخير والجمال؟! .. هل يُعقَل؟!
عدتُ بذهني إلى موضوع الندوة ذاتها؛ شاهيناز الفقي وأعمالها، فوجدتُ أن مشروعها الأدبي الجاد المستمر المتواصل، يستحق التفاتًا أكبر؛ نقدًا ونشرًا وانتشارًا، ومكانةً أكثر بروزًا، إن كان «وَسَط المثقفين» حقًّا بخير!
لا أعرف المجاملة، وإحدى مشكلاتي في هذا الوَسَط هو عجزي عن المجاملات، فالكاتبة مجرد مثال دال، وهناك غيرها آخرون، مثقفون حقيقيون، ليسوا من «الوَسَط»!
كتبتْ شاهيناز منذ 2017 وفق مدارس وتصنيفات روائية عدة، من الرواية التاريخية إلى النفسية، ومن الواقعية إلى الواقعية السحرية، وحتى أدب الرعب.
من رواية «سعيدة» إلى «سنوات التيه» و«يا شمس أيوب» و«مذكرات نزيل جهنم» و«حتمًا سوف يأتي» و«جريمة في بيت الرب»، بخلاف مجموعتين قصصيتين هما «الدبلة والمحبس» و«نخلة عزرا»، وفيها جميعًا تجارب ثرية، وتجريب دائم، باستخدام ألعابٍ وتقنياتٍ سردية متنوعة، تتلاعب بالقارئ وتجذبه، ولا تتعالى عليه.
إن كان «وَسَط المثقفين» حقًّا بخير، ولا يمضي بالمعارف والمصالح والعلاقات، ومنطق «البقاء للأقوى» في الصراعات، فإن الكاتبة وأمثالها من الجادين يستحقون أن يحصدوا الجوائز ويتصدروا المنصات، إلى جوار - ولن نقول: بدلًا من - أصحاب الأسماء المكررة التي حفظناها عن ظهر قلب. وسوف يكون هذا أمرًا إنسانيًّا طبيعيًّا أيضًا، بأن يتم تقدير المستحِق.. فـ«الإنسانية» لا تعني الشر والغيرة فحسب!
أخيرًا.. بعد أن فكرت في مداخلة الأستاذ محمد أنور المحترم قررتُ الخلود إلى النوم و...
.. رأيتُ فيما يرى النائم.. جبهةً جديدةً تشكلت.. من رجال ونساء يعكفون على الكتابة فقط.. لا يتلفتون حولهم.. إلا لتشجيع بعضهم البعض.. يكتبون ويكتبون.. ويسعون جاهدين إلى النشر.. يحاولون تعريف الناس بأعمالهم.. بهدوء.. برفق.. بترفع.. بأملٍ كبيرٍ في المستقبل.. وإن يكن بعد حيواتهم القصيرة.. لا بأس.. فهم لا يتصارعون.. لا يصرخون.. إلا في حالة واحدة.. إذا ما وصفهم أحدٌ بأنهم «مثقفون».. عندئذ ينتفضون.. يرفضون.. يهتفون بأعلى صوت: لسنا منهم.. لسنا «مثقفين» بطريقتهم!