ثمة مشاورات مكثفة، وخلايا عمل، وخلايا أزمات تدرس ما حدث في المنطقة بعد طوفان غزة مروراً بحرب إسرائيل وأمريكا ضد إيران، وما تلاها. والسؤال المحوري يتعلق بماذا نفعل بإيران، وواقع الحال يقول إنها "أعيت من يداويها". ولكن عدة مصادر رفيعة المستوى تؤكد أن العراق ينشط، وأن التحالف الثلاثي بين مصر والعراق والأردن سوف يستأنف بقوة مساره قريباً جداً.
وتبدو منطقة الشرق الأوسط أمام لحظة تتجاوز مجرد البحث عن تسوية للحرب الأمريكية ـ الإيرانية. فالسؤال الذي بدأ يفرض نفسه هو: كيف سيعاد ترتيب المنطقة بعد الحرب؟، ومن سيكون جزءاً من هذا الترتيب؟، ومن سيتحمل مسؤولية أمن الإقليم؟.
وتوحي المؤشرات الدبلوماسية الأخيرة بأن البحث عن وقف للقتال أصبح مرتبطاً بصورة متزايدة بالبحث عن ترتيبات أوسع لمرحلة ما بعد الحرب. وقد دخلت الصين على خط الأزمة بصورة أكثر وضوحاً، داعية واشنطن وطهران إلى العودة إلى التفاوض، وإلى الحوار بين إيران ودول الخليج، مع التأكيد على الحاجة إلى إصلاح وتعزيز بنية الأمن في الشرق الأوسط.
وهنا تبدأ القصة الأكبر، إيران ما بعد الحرب لن تكون بالضرورة إيران ما قبلها.
فالحرب أظهرت للجميع حدود القوة العسكرية، كما أظهرت الكلفة الهائلة التي يمكن أن تتحملها المنطقة إذا تحولت المواجهة الأمريكية ـ الإيرانية إلى حرب مفتوحة.
ولم يعد أمن الخليج والطاقة والملاحة والتجارة ملفات منفصلة، بل أصبحت مرتبطة بسؤال واحد: كيف يمكن منع تكرار الحرب؟
ومن هنا تبرز فكرة كانت تبدو حتى وقت قريب شديدة الصعوبة سياسياً: إدماج إيران في ترتيبات ما بعد الحرب، بدلاً من الاكتفاء بمحاولة احتوائها أو عزلها.
ولا يعني الإدماج التسليم لطهران، أو تجاهل المخاوف العربية منها، وإنما التعامل مع حقيقة سياسية وجغرافية: لا يمكن بناء نظام أمني مستقر في الخليج والشرق الأوسط مع إبقاء إيران، وهي دولة كبيرة ومؤثرة، خارج الطاولة.
واللافت أن هذا التفكير يجد صدى داخل المنطقة نفسها.
فهناك رؤية عراقية تسعى إلى حشد تأييد عربي واسع لفكرة إعطاء إيران مقعداً على طاولة إعادة ترتيب أوضاع الشرق الأوسط، وحل أزماته ومستقبل ترتيباته الأمنية. والعراق، بحكم موقعه وعلاقاته مع إيران والدول العربية والولايات المتحدة، يمكن أن يلعب دور الجسر بين هذه الأطراف.
فبدلاً من أن يبقى العراق ساحة تتقاطع فيها قوى النفوذ المختلفة، يمكن أن يتحول إلى أحد الجسور التي تساعد على إعادة صياغة العلاقة بين إيران والعالم العربي والولايات المتحدة.
وفي المقابل، تتحرك القاهرة في اتجاه موازٍ، يقوم على تعزيز قدرة الدول العربية على امتلاك زمام أمنها. وتؤكد مصر أن آلية التعاون الثلاثي مع الأردن والعراق تمثل إطاراً مهماً للتكامل الإقليمي والعمل العربي المشترك، مع التركيز على الطاقة والكهرباء والنقل والتجارة والصناعة والبنية الأساسية.
وهنا تبرز فكرة التحالف الخماسي. فما بدأ باعتباره شراكة ثلاثية بين مصر والأردن والعراق يمكن أن يحصل على دفعة سياسية واقتصادية كبيرة في مرحلة ما بعد الحرب، مع العمل على توسيع دائرته لتشمل سوريا ولبنان.
ولا يعني ذلك أن اتفاقاً خماسياً نهائياً قد أُعلن، وإنما أن الظروف الإقليمية تفتح الباب أمام صيغة جديدة يمكن أن تصبح أحد مكونات النظام الإقليمي المقبل.
مصر والأردن والعراق وسوريا ولبنان ليست مجرد خمس دول متجاورة. إنها مساحة جغرافية متصلة، تمتلك إمكانات كبيرة في النقل والطاقة والتجارة وإعادة الإعمار، ويمكن أن تشكل جسراً بين الخليج والبحر المتوسط، وبين المشرق والعالم العربي الأوسع.
والأهم أن هذه الصيغة لا تحتاج إلى أن تبدأ كتحالف عسكري. يمكن أن تبدأ كإطار للتكامل الاقتصادي والطاقة والنقل وإعادة الإعمار، ثم تتطور إلى تنسيق سياسي وأمني أوسع.
وهنا تكتسب سوريا ولبنان أهمية خاصة. فإعادة دمجهما في شبكات التعاون الإقليمية يمكن أن تكون جزءاً من عملية أوسع لإعادة بناء المشرق بعد سنوات طويلة من الحروب والانقسامات.
لكن التحول لا يقتصر على المنطقة العربية. فهناك أيضاً مراجعة لطبيعة الدور الأمريكي. فالولايات المتحدة ما زالت قوة رئيسية في الشرق الأوسط، ولا توجد مؤشرات على اختفاء دورها، لكن كلفة الحرب الأخيرة والضغوط التي تعرضت لها القوات والمنشآت الأمريكية تعيد فتح النقاش حول حجم الوجود العسكري الأمريكي، وشكله ووظيفته.
وهذا يطرح سؤالاً أكبر: هل ينبغي أن يظل أمن المنطقة معتمداً بصورة أساسية على القوة الأمريكية، أم أن على دول الإقليم أن تتحمل نصيباً أكبر من مسؤولية أمنها؟.
الاتجاه الثاني يبدو أكثر حضوراً في النقاش الإقليمي. وتكشف التطورات الأخيرة عن محاولات لبناء قدرات وتفاهمات أمنية إقليمية أكبر، بالتوازي مع استمرار الشراكات مع الولايات المتحدة.
وهنا تتقاطع المسارات. الصين تدفع نحو التفاوض وإعادة بناء آلية للحوار الأمريكي ـ الإيراني، ومصر تدفع باتجاه تعزيز ملكية الدول العربية لأمنها.
ومن جانبه يحاول العراق الدفع نحو إدخال إيران في الحوار الإقليمي الأوسع. والمنطقة تبحث عن ترتيبات أمنية لا تجعلها رهينة للمواجهة بين القوى الكبرى.
وإذا نجحت التسوية المرحلية بين واشنطن وطهران، فإن التحدي الحقيقي سيبدأ بعدها، لا قبلها. فوقف الحرب يمكن أن يخفف الضغط على أسواق الطاقة والممرات البحرية، ويمنح الاقتصاد الإقليمي فرصة لالتقاط أنفاسه، لكنه لن يكون كافياً إذا عادت المنطقة بعد أشهر إلى المربع نفسه.
ويبقى أن المطلوب هو تحويل التسوية إلى ترتيب سياسي وأمني إقليمي، وهذا هو المعنى الأعمق لفكرة إدماج إيران.
إيران لا ينبغي أن تحصل على مكافأة مقابل الحرب، لكنها يمكن أن تحصل على مكان على الطاولة مقابل التزامات واضحة: احترام سيادة دول الجوار، عدم تهديد أمنها، فتح قنوات أمنية مباشرة مع الخليج، والمشاركة في ترتيبات جماعية تمنع العودة إلى الحرب.
وبالمثل، فإن الدول العربية ليست مطالبة بالثقة بإيران مسبقاً، وإنما يمكن أن تنتقل العلاقة من منطق الثقة إلى منطق التحقق والالتزامات المتبادلة.
وفي هذه الحالة، يصبح التحالف الخماسي جزءاً من شبكة أوسع، وليس جبهة ضد إيران. وهذا ربما يكون الفارق الجوهري بين شرق أوسط ما قبل الحرب، وشرق أوسط ما بعدها: الانتقال من تحالفات هدفها مواجهة طرف، إلى ترتيبات هدفها إدارة التنافس ومنع الحرب.
وقد يكون هذا هو الاختبار الحقيقي للدبلوماسية الجديدة: هل تستطيع تحويل الدمار الذي خلفته الحرب إلى فرصة لإعادة بناء نظام إقليمي تكون فيه دول المنطقة أصحاب المصلحة الرئيسيين، وتشارك فيه إيران بدلاً من أن تبقى دائماً في موقع الخصم؟
وعندها لن يكون السؤال الأهم: من انتصر في الحرب؟، بل هل تستطيع المنطقة أن تبني السلام الذي يأتي بعدها؟