مما لاشك فيه أن نضالنا مستمر ولن يتوقف فى الدفاع عن محبوبتنا الفلسفة حتى تستعيد هيبتها ومكانتها، ولم لا، وهي سيدة العلوم وأمها بل وانبثقت عنها جميع العلوم الإنسانية، الجميع يعلم هذا .
لكن هي فترات تستعر فيها جذوتها، وأخرى تخبو، وهذه سنة كونية نظمها الله تعالى، فلا شيء يظل على حاله.
لكن المهم أن نثبت ولا نتزعزع ولا يصيبنا الوهن والضعف، والإحباط واليأس، فإذا حدث ذلك فستكون الخيانة العظمى لما ظللنا طيلة عمرنا ندرسها ونعلمها لأبنائنا، ومن أبجديات ما علمناهم أن الثبات على المبدأ رأس الفضائل الأخلاقية؛ فالفلسفة في محاربها تدافع عن قيم الحق والخير والجمال.
لكن هل حقًا الفلسفة فقدت أرضًا، وكسدت تجارتها؟!
سؤال جد مهم، وإجابته، أنه ارتكب إثمًا عظيمًا من توهم أن الفلسفة فقدت رونقها وبريقها، وإلا، فما حاجتنا إلى العقل والتعقل، وما قيمة حياتنا التي نحياها، هل خلقنا الإله لنأكل ونشرب ونتكاثر ونترك التفكر؟!
بالتأكيد لم يخلقنا الله لمثل هذه الأمور فقط، إنما الغاية الأسمى لوجودنا التفكر في حقيقة وجودنا ولماذا خلقنا الله؟ وما أدلة وجوده؟ وما حقيقة الحياة الآخرة؟ وهل هناك بعث وجزاء (ثوابًا وعقابًا)؟
هل يعقل أن نقول إن الفلسفة فقدت مصداقيتها في عصر التقدم التقني والذكاء الاصطناعي والآلة التي سيطرت على كل شيء؟ لكن بقليل من التفكير أيهما يسيطر على الآخر الآلة أم الإنسان؟ هل الآلة هي من يقود الإنسان أم أن الإنسان هو الذي يقودها؟!
وهذا روح التفلسف، إعمال العقل وفقًا لمبدأ الاعتبار الذي دلنا عليه ربنا سبحانه وتعالى قائلاً: (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ)
لكن إن جاز لنا أن نفند الأسباب التي أدت إلى كسادها وعدم رواجها، وإحجام كثير من الناس، خصوصًا العوام وطلاب الجامعات أيضًا عن تعاطيها أو التوغل في قراءتها، أو إحجام طلاب الجامعات عن الالتحاق بأقسام الفلسفة فى الجامعات المصرية.
يمكننا أن نقسم الأسباب إلى قسمين رئيسين، أولهما: أسباب أولية رئيسة، وثانيهما، أسباب ثانوية.
أما الأسباب الأولية الأساسية:
أ- خوض الفلسفة فى الغيبيات، وإقحام العقل في أمور لا طاقة له بها، كإقحامه في العالم الميتافيزيقي الغيبي، كالبحث عن وجود الله، والخوض في ذات الله، وإن كنا نرى أن العجز عن إدراكه إدراك، والخوض في ذاته إشراك.
وكالبحث عن أدلة مادية على وجوده، والحديث عن أمور مفارقة لا يمكن للعقل أن يعلمها، لماذا؛ لأن الإنسان مهما أوتي من حكمة وبلاغة البيان، فإن عقله عاجز وقاصر عن إدراك ما هو متاح له.
ب- ما أشيع عند عوام القوم من أن تعاطي الفلسفة يقود إلى الزندقة والكفر والإلحاد، أو إنها تصيب العقول بالخرف والتيه والضلال.
ج-استغلاق مفاهيمها وألفاظها على من يخوض مضمار تعلمها مما يصيب الحوار الفلسفي في مقتل، فلن يكون هناك حوار من أساسه؛ لأن القارئ لن يفقه حتى ما سيقرأه!!
د- أسلوب بعض الأساتذة السردي التلقيني في المحاضرات، مما أدى إلى ابتعاد الدارسين عنها، ومن هذا المنطلق نطالب المشتغلين بالفلسفة، الانتقال من المركزية إلى اللامركزية، بمعنى فك طلاسم النصوص الفلسفية لإزالة الإبهام عند المتلقي، مع إعطاء فرصة إلى تحقق لغة الحوار بين المعلم والمتعلم؛ مما يكسب الفكر حيوية وديناميكية.
ه- إصغاء بعض الجمهور إلى من يدعون أنهم علماء دين وما هم كذلك، من أن الاشتغال بالفلسفة كفر وإلحاد، وأنها تخرج الإنسان من عباءة دينه وتصيبه بالزندقة، على الرغم من أن ابن تيمية، السلفي الذي اشتهر عنه تشدده في تعامله مع الفلسفة، ألف في هذا الأمر كتابًا أطلق عليه درء تعارض العقل مع النقل.
وما ذكره ابن رشد في كتابه، فصل المقال، من أن الشرع أوجب النظر بالعقل، وما ذكره محمد عبده، في رسالة التوحيد أنه لأول مرة في دين موحى يتآخى العقل مع النقل.
نأتي إلى الأسباب الثانوية.
أ- تهميش الفلسفة واستبعادها من بعض المقررات الدراسية يعد من وجهة نظري تعطيلاً للعقل عن مهامه المكلف بها، ألا وهي النظر والتفكر والاعتبار والأمل والتعقل.
تهميشها بحجة تخفيف العبء عن الطلاب وعن أولياء الأمور وعدم إثقال كواهلهم بمصاريف هم في أمس الحاجة إليها، كشراء الملخصات الخارجية، والدروس الخصوصية التي تقاومها التربية والتعليم بمنتهى القوة.
ب- ادعاء البعض أن الفلسفة ليس لها مجال في سوق العمل، وأن دارسها لن تكون له فرص عمل، لكن الحقيقة أن الفلسفة هي تنمية عقول تبحث وتتفكر، تربية فكرية، تربية إنسان مثقف واع يستطيع أن يقود دفة الحوار ويناقش وينقد نقدًا موضوعيًا.
أما موضوع سوق العمل، فهناك مجالات كثيرة خصوصًا في ظل الصحوة المعلوماتية وعالم الذكاء الاصطناعي وعالم الصحافة، خصوصًا انتشار الصحافة الإلكترونية والتدريس وخلافه.
فمجال العمل مفتوح، خصوصًا أن أقسام كليات العلوم الإنسانية اتجهت مؤخرًا إلى استحداث برامج ولوائح جديدة تتناسب مع سوق العمل ومن ضمنها أقسام الفلسفة.
ج- أن الفلسفة عديمة الجدوى ودراستها نظرية لا تفيد الواقع الذي نحياه، لكن السؤال، من هو المفكر، المفكر هو المهموم بقضايا واقعه المعيش، سياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا وثقافيًا وأخلاقيًا.
والسؤال في من تتحقق كل هذه الصفات، الفيلسوف، هل أهمل الفارابي واقعه، هل أهمل ابن رشد واقعه، هل أهمل رفاعة الطهطاوي واقعه، ألم يؤلف كتابه الشهير المرشد الأمين في تربية البنات والبنين.
ومن قبله الإمام الغزالي، الذي كتب رسالة عظيمة فى الأخلاق والتربية عنوانها "أيها الولد".
إن دفاعنا عن الفلسفة دفاعًا ينبع من حبنا لها، ومن واجبها علينا أن نتصدى لكل من يحاول تهميشها ويعبث مستهزأً بها وبأئمتها.
أستاذ ورئيس قسم الفلسفة بآداب العاصمة