المحافظات التجريبية

3-9-2026 | 12:14

بدأت الصين نموذجها الاقتصادي عام ١٩٧٨ لتتحول من اقتصاد ضعيف إلى ثاني أكبر اقتصاد على مستوى العالم.

العلاقات الممتدة بين مصر والصين يجرى النظر إلى شقها الاقتصادي غالبًا من زاويتي التبادل التجاري، والاستثمارات، بينما لم تنل التجربة الصينية في التنمية الاقتصادية، وكيفية الاستفادة منها، الاهتمام المطلوب.

تقرير منشور عن البنك الدولي يوضح أن الإصلاح عام ١٩٧٨ كان نقطة التحول الأساسية في مسار الاقتصاد الصيني، والذي لم يكن إصلاحًا شاملًا على مستوى الدولة تم تدشينه دفعة واحدة على كل أراضيها.

في التجربة الصينية ما أظنه نموذجًا قابلًا للتطبيق بمصر، النجاح الصيني اعتمد بالأساس على نموذج المحافظات الاقتصادية التجريبية، إذ تم اختيار محافظات كمختبرات للسياسات الاقتصادية الإصلاحية قبل تعميمها. لم تكن الفكرة مجرد إعفاءات ضريبية، أو جذب مستثمرين، وإنما تحديد مساحة جغرافية لتجربة قواعد اقتصادية وإدارية مختلفة. الأكثر أهمية أن نجاح التجربة لم يظل محصورًا فيها فبحلول 1992 انطلق نشر السياسات التي طبقت عليها إلى مناطق أخرى . إنشاء المحافظات الاقتصادية التجريبية رفع متوسط نصيب الفرد من الاستثمار الأجنبي المباشر بنسبة 22%؜ ومعدل نمو الاستثمار الأجنبي المباشر بنحو ٧٪؜ تقريبًا.

إحدى مشكلات الإصلاح بمصر هي أن القرار الاقتصادي كثيرًا ما يكون شاملًا منذ اللحظة الأولى، بينما اعتمدت الصين فلسفة التجريب قبل التعميم .يمكن للحكومة اختيار ثلاث محافظات تمثل بيئات مختلفة زراعية، وصناعية، ولوجستية. يتم تطبيق حزمة من المزايا الاستثنائية، والصلاحيات الإدارية عليها لمدة محددة ولتكن خمس سنوات، مع مؤشر واضح للقياس يتضمن حجم الاستثمار الخاص، عدد المصانع الجديدة، فرص العمل، قيمة الصادرات، الأراضي الصناعية التي تم استغلالها، عدد المشروعات المتعثرة التي أعيد تشغيلها، ومعدل نمو الإنتاج المحلي للمحافظة.

المشكلة ليست نقص الأفكار الاقتصادية. لدينا قوانين، وحوافز، ومناطق صناعية، وأخرى حرة، ومبادرات تمويلية، لكن التحدي هو كيف ننتقل من القرار إلى التنفيذ؟ . هنا تظهر أهمية التجربة الصينية  فبدلًا من انتظار أن تحل الدولة كل مشكلات بيئة الأعمال على المستوى القومي دفعة واحدة، اختارت محافظات محددة وقدمت بيئة استثمارية، وإدارية مختلفة، وقابلة للقياس. مصر تواجه فجوة كبيرة بين الاحتياجات، وقدرة الاقتصاد على توفيرها، وهو ما يعني أن المطلوب ليس مجرد نمو الناتج، بل نمو يولد الوظائف المنتجة في المحافظات.

الصين لم تحاول أن تعرف مسبقًا الإجابة الصحيحة لكل مشكلة، بل بنت نظامًا يسمح لها بتجربة عدة إجابات، وقياس نتائجها، ثم تعميم الناجح منها وهذا تحديدًا ما تحتاجه مصر الآن. لا نحتاج إلى إصلاح كل شيء في وقت واحد؛ بل نحتاج إلى مكان نختبر فيه الإصلاح بصورة حقيقية، ثم نعممه عندما يثبت نجاحه.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: