كتبتُ عن هذه الواقعة قبل سنوات.. والآن تذكرتُها…
في أواخر عام 1996 كنتُ أعمل صحفيًّا بقسم الحوادث في «الأهرام». وكان أول حادث كبير أشارك في تغطيته مع الزملاء هو انهيار عقار كبير بمنطقة مصر الجديدة. فريق العمل واصَل الليل بالنهار على مدى أيام لمتابعة عمليات رفع الأنقاض واستخراج الضحايا؛ جثثًا أو أحياء!
تحت الركام، كانت هناك دراما إنسانية مكتملة الأركان. أناسٌ، بشر، عاشوا وحلموا، أكلوا وشربوا، تعلموا وعملوا، ثم انهارت حيواتهم في لحظات. بعضهم رحل، والبعض الآخر بقي - أمام الركام- ينتظر.
وكان طبيعيًّا أن أسعى إلى إثبات ذاتي في بداية طريقي مع المهنة التي أحببتُها؛ الصحافة، والتي يقوم عمادها على نقل الحقيقة، كما هي، وكتابتها بطريقة جاذبة. لذلك رحتُ ألتقط القصص والحكايات التي تتناثر حولنا في موقع الحادث، وأكثر ما كان يجذبني القصص المؤلمة، المجسدة للمأساة.
إجراء عملية بتر ساق تحت الأنقاض سقطت فوق صاحبها كتلة خرسانية ضخمة، بهدف إنقاذ حياة صاحبها الذي أخذ يصرخ في الفريق الطبي: «اقطعوها وخلصوني». واكتشاف مقبرة جماعية أسفل سلم العقار. وطفل صغير خرج قبل الحادث بساعة ليتلقى درسًا خصوصيًّا ثم عاد ليجد نفسه قد فَقَدَ أسرته بالكامل، وملامح وجهه الجامدة الذاهلة وهو ينظر إلى البناء المرتفع الذي صار لا شيء!
كتبتُ وكتبتُ، وبينما سالت دموعي في أثناء كتابة بعض الحكايات، كنتُ سعيدًا للغاية بعد النشر!
بعد فترة قصيرة، وقتها، التقيتُ الدكتورة ليلى عبدالمجيد أستاذة الإعلام، التي تشرفتُ بالدراسة على يديها. دار حديث عابرٌ بيننا، ووجدتُها - دون أن تعرف ما فعلتُ- تنتقد بشدة تلك التغطية، وتذكر عناوين ما كتبتُه أنا بالتحديد.
عندئذ، فوجئتُ، وصارحتها بأنني الفاعل، لكنني ناقشتُها. قلتُ إنني لم أكذب في حرف، إنما نقلتُ الواقع كما هو، وإن الصدمة المقصودة بفعل حجم الألم مما نُشِر لعلها تكون دافعًا للمجتمع كي يلتفت إلى قضية بناء العقارات والغش فيها وهكذا…
هكذا قلتُ، لكنها فاجأتني بما لم يفارق عقلي حتى اليوم. قالت لي: بالعكس.. فعندما يزيد الألم في الرسالة الإعلامية المُرسلة على حد معين يميل المتلقي/ القارئ إلى إسقاطها من الذاكرة، وعدم التوقف عندها أو التفاعل معها، وفقًا لدراسات الإعلام!
واليوم.. أتساءل: إذا كان الأمر كذلك بالنسبة للإعلام، الذي يُفترض فيه نقل الحقيقة بدقة، فما بالك بالفن، الذي يتابعه الناس أساسًا بغرض التسلية، ثم يبقى فيهم ما يبقى من قيم دون أن يشعروا!
بصراحة؛ لم يعجبني مسلسل «لعبة جهنم»، الذي تم عرضه في ثلاث حلقات على إحدى المنصات، ضمن سلسلة مسلسلات قصيرة بعنوان «القصة الكاملة». وجدتُه صادمًا، قاسيًا، مؤلمًا، إلى الحد الذي يفقده جاذبية المشاهدة، فضلًا بالطبع عن البهجة.
أحب النجم محمد فراج، بطل العمل، وأراه فنانًا كبيرًا ممتع الأداء، كما أتابع تقدم واجتهاد الكاتبة نجلاء الحديني والمخرج إسلام خيري، لكنني لا أعرف لماذا الإصرار على تقديم معالجات درامية لقصص الجرائم الحقيقية التي عرفها الناس من خلال الإعلام لإعادة تقديمها بشكل فني!
ما الجميل أو المفيد في تقديم شخصية شاب كان والده يقسو عليه ويعذبه في الصغر ليكبر ويصبح لصًّا نصابًا يستجيب لطلبات أحد قراصنة الإنترنت مقابل المال، فيقتل طفلًا، كان يحبه ويعتبره مثلًا أعلى، بهدف انتزاع كِليته؟!
سوف أجيب بنفسي عن سؤالي: بل يمكن تقديم كل القصص.. لكن كيف؟! ذلك هو السؤال. فالجمال قد ينبع من أصعب الحكايات، وجماليات القبح أمرٌ معروفٌ في الفن، قدَّمها كبارٌ سابقون. والفائدة والرسالة تترسخان بعد أن يكون العمل جاذبًا للمُشاهد من الأصل وليس منفرًا له!
لكن ما رأيناه في «لعبة جهنم» هو فقرٌ وقبحٌ وقسوة، ظُلمةٌ وجريمةٌ ودماء، حتى بات العمل برغم قصره عبئًا على المشاهدين، الذين احترقوا بنيران اللعبة برغم أنهم لم يكونوا مشاركين. جهدٌ كبيرٌ بذله صناع العمل، لا ننكره، لكن لهيب الألم زاد على الحد فلم يُصِب المتفرج بدفء الشعور أو الفكرة، إنما أحرقه.
لا أقول هذا بدافع ذائقةٍ شخصيةٍ فحسب؛ فصحفي الحوادث السابق لن تصدمه مَشاهد الجريمة والدماء، لكنني تابعتُ ردود أفعال بشر عاديين، محبين للفن، متذوقين، فوجدتُ أمرًا غريبًا يتكرر في التعليقات، وهو أن المسلسل خانق، ثقيلٌ على النفس، فكيف لنا بهذا أن نتوقع ترسخ رسالة أو بقاء فكرة؟!
لا أعرف لماذا يكرر النجم محمد فراج الاعتماد على قصص جرائم حقيقية.
فعلها من قبل في فيلم «فوي فوي فوي» ومسلسل «ورد وشوكولاتة»، بخلاف أعمال أخرى له لم تكن بناء على قصص حقيقية، لكنها لم تكن بمستواه الفني الذي يستحقه، مثل مسلسلات «أب ولكن» و«منتهي الصلاحية» و«بطن الحوت».
ولا أعرف عمومًا لماذا يصر صناع الدراما والسينما على تقديم معالجات درامية لحكايات حقيقية عرفها المشاهدون من مواقع أخبار الجريمة خصوصًا، بينما لدينا كُتَّاب وأدباء يقدمون أدبًا قيِّمًا يصلح للغاية لتقديمه عبر الشاشة.
هل هناك حالة من «التنافس اللدود»، إن جازت التسمية، بين الأدباء وكًتَّاب السيناريو؟! ربما تكون هي السبب في شيوع «جفاء مقصود» بين الجانبين؟! أم أن السبب يعود إلى محاولة البحث عن المثير الغريب، الذي يجذب - في ظنهم- المشاهدة ويجلب الربح؟!
إن كانت الإجابة هي الأولى، ففي رأيي أن الخاسر الأول هو السينما والدراما، وإن كانت الثانية فليقرأ المنتجون تعليقات المشاهدين على «لعبة جهنم»، لعلهم يدركون أن.. اللعبة انقلبت على اللاعب!