إن الله لا يغيّر ما بقوم...

2-9-2026 | 15:55

في بداية مقالنا نذكر بقول الله تعالى في سورة الرعد: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11].

فالإنسان إذا كان طائعًا عابدًا صوّامًا قوّامًا لله تعالى، يُبدّل الله تعالى حاله إلى الخير وتتحقق له السعادتان: سعادة الدنيا وسعادة الآخرة. والعكس صحيح؛ إذا كان الإنسان عاصيًا لله تعالى معرضًا عنه بعدما أنعم عليه بكل مقومات القرب إليه ولم يراعِ ذلك، يغيّر الله حاله إلى الشر وإلى الأسوأ وتصبح حياته ضنكًا.

فسيكولوجية التغيير تبدأ من الإنسان، بمعنى أنه بيده يستطيع أن يحقق سعادته، وبيده أيضًا أن يحقق شقاوته وتعاسته، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾، وقوله جل وعلا: ﴿بَلِ الْإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾، ومصداقًا لما ورد في الحديث القدسي: «إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومنَّ إلا نفسه».

وهنا تكمن خطورة التغيير من خلال الحرية التي كفلها الله تعالى للإنسان؛ فالإنسان الذي ينقاد إلى الخير مقبلًا عليه تقوده إليه إرادته الخيرة -بمعنى أنه يقدم على الخير بإرادته- والعكس صحيح. وتلك هي فلسفة الاختيار التي ذكرها الله تعالى في كتابه العزيز بقوله: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾.

وهذا ما تحدث عنه الفلاسفة قديمًا ووسيطًا وفي العصرين الحديث والمعاصر، حين تناول "إيمانويل كانط" الإرادة الخيرة والأوامر المطلقة والأوامر الشرطية.
فالتغيير لا بد أن يكون نابعًا من الإنسان ذاته، شريطة أن تكون لديه النية للتغيير؛ ابدأ بنفسك، فلن ينصلح حال الفرد إلا إذا أمسك بزمام نفسه، وأمسك بلجامها، وقاومها وهذّبها وكبح جماحها.

وبالضرورة، لا يعيش الفرد منعزلًا عن مجتمعه، بل له حاجاته ومتطلباته التي لا يمكن أن تتحقق إلا من خلال الآخر. ومن هنا يأتي السؤال الفلسفي: ما أيديولوجية التعامل مع الآخر؟ وهل سيمارس الإنسان الخيرية -أي يكون خَيِّرًا- وهل هذه الخيرية ستكون مصطنعة أم نابعة من الداخل ومن الذات؟ والعكس: ما آليات الآخرين في التعامل معه؟

وهنا نأتي إلى الجدلية الأهم: إذا كان التغيير نابعًا من الذات غير مصطنع، وآثاره واضحة من خلال التعامل مع الآخر، فهل الجميع متساوون في هذا التغيير؟ وهل المظهر وحده يكفي للحكم على الأفعال تجاه الآخرين؟ أليس هذا سيحدث صراعًا من الممكن أن نطلق عليه "صراع الذات"؟ بمعنى أن الإنسان يجمع بين جنباته المتناقضات؛ يجمع بين الجانب المادي والجانب المعنوي، فكيف يحدث التغيير مع وجود هذا الصراع؟

والرأي عندي أن التغيير يحدث من خلال ضبط النفس. ولكن كيف تنضبط النفس؟ أقول: من خلال سلطة قوة العقل الذي منحنا إياه الخالق، والذي من خلاله نوفق بين هذين الجانبين من دون إفرط ولا تفريط. وحتمًا، إذا ما حدث هذا التوفيق، سنتمكن من حل رموز المعادلة الكونية، وسيحدث التوافق بين الداخل والخارج؛ الداخل: داخل الإنسان، والخارج: المجتمع الذي نعيش فيه.

نأتي إلى جدلية في غاية الأهمية، ألا وهي: كيف نؤول هذه الآية الكريمة ونسقطها على واقعنا الفكري والمجتمعي من دون إخلال بضوابط التأويل، ومن دون ليٍّ لِعُنُق النص أو إخراجه عن سياقاته، بما يحقق ما ندعو إليه دومًا من أن نصوص القرآن الكريم حركية، بمعنى أنها تساير الواقع وتتماشى معه، بما يدحض فريات بعض المشككين من أن القرآن غير صالح لزمان الحداثة والإنترنت والذكاء الاصطناعي وخلاف ذلك؟

إن التغيير الحقيقي يبدأ بالضرورة من قناعة الفرد ووعيه الذاتي؛ إذ ليس المغزى الفلسفي والتنموي للتغيير مجرد تبديل المسميات أو التحريك الشكلي للمواقع، وإنما يكمن جوهره في تطوير المفاهيم والرؤى الفكرية التي تدار بها المؤسسات والمجتمعات.

فالعمل التنموي يقتضي تكامل الخبرة مع التخصص، وتوافق الكفاءة العلمية مع طبيعة المهام الموكلة للفرد. فكلما استند البناء المؤسسي والفردي إلى مبدأ التخصص الدقيق والوعي الكامل بمتطلبات العمل، تحققت النتائج المرجوة، وتجلت ثمار التطوير بصورة ملموسة تعود بالنفع على المجتمع ككل.

ولكي يتحقق هذا التغيير المنشود، فإن الرهان يرتكز بالأساس على وضع الخطط والإستراتيجيات العلمية الرصينة التي تستند إلى التخطيط المستقبلي والرؤى المستدامة، مع توفير البيئة الملائمة للكوادر البشرية لكي تؤدي أدوارها بنجاح واقتدار.

إن التغيير الحقيقي يتطلب انسجامًا تامًا بين القيم الداخلية والعمل الميداني المخلص في خدمة الوطن؛ حيث يتجسد حب الوطن في العطاء العلمي والعملي الإيجابي، والالتزام بالمعايير الأخلاقية والمؤسسية التي تجعل المصلحة العامة والهدف التنموي فوق كل اعتبار.

ومن هنا، تقتضي الاستدامة الحفاظ على الاستثمار في العنصر البشري، واختيار الكفاءات وفق معايير العلم والخبرة والنزاهة، مع الاهتمام بالتأهيل المستمر للكوادر لضمان تطوير العمل المؤسسي والارتقاء به.

من هنا فقط سيحدث التغيير الحقيقي، وسيتحقق ما نحلم به ونصبو إليه، وستتحقق السعادة للفرد من حيث إنه يقدم عملًا جليلًا لوطنه، وتتحقق الرفاهية المرجوة للمواطن الذي هو حجر الزاوية في كل خطوات التنمية.

* أستاذ الفلسفة الإسلامية بآداب العاصمة ورئيس القسم السابق

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: