من الصين إلى مصر.. كيف تحولت «الميكرو دراما» من مسلسلات الدقيقتين إلى صناعة جديدة تغزو الشاشات؟

2-9-2026 | 15:08
من الصين إلى مصر كيف تحولت ;الميكرو دراما; من مسلسلات الدقيقتين إلى صناعة جديدة تغزو الشاشات؟من الميكرو دراما في الصين
هبة إسماعيل

تخيّل مسلسلًا كاملًا لا تحتاج إلى مشاهدته في ساعة أو ساعتين، بل تستطيع متابعة حكايته خلال دقائق معدودة، بينما تنتهي كل حلقة عند أكثر لحظاتها إثارة، لتدفعك تلقائيًا إلى مشاهدة الحلقة التالية.. هذه هي «الميكرو دراما»، الشكل الدرامي الذي غيّر قواعد اللعبة في الصين، قبل أن يبدأ في الانتقال إلى أسواق عالمية، من بينها السوق المصرية.

موضوعات مقترحة

فما بدأ كصيغة تناسب طبيعة المشاهدة السريعة عبر الهاتف، تحول خلال سنوات قليلة إلى صناعة ضخمة تضم كتّابًا ومخرجين ونجومًا ومنصات متخصصة، إلى جانب نماذج إنتاج وتسويق تختلف بشكل واضح عن الدراما التلفزيونية التقليدية.

وفي مصر، بدأت هذه التجربة تخرج تدريجيًا من إطار المحتوى القصير على مواقع التواصل الاجتماعي، لتأخذ شكلًا أكثر تنظيمًا مع دخول منصات محلية إلى هذا المجال.

من الميكرو دراما

الصين.. حيث تبلورت الصيغة الحديثة للميكرو دراما

تمثل الصين التجربة الأبرز في تاريخ الميكرو دراما الحديثة، والتي تُعرف هناك باسم «دوانجو»، أي الدراما القصيرة.

وتشير دراسات صينية إلى أن جذور هذا الشكل تعود إلى تجارب سابقة في المسلسلات القصيرة على الإنترنت، إلا أن التحول الحقيقي جاء مع الانتشار الواسع للهواتف الذكية ومنصات الفيديو القصير، وظهور أعمال صممت خصيصًا للمشاهدة عبر الهاتف، ومنها الأعمال المصورة بالشكل الرأسي.

وفي عام 2018، ظهرت تجارب عمودية أثبتت أن الجمهور مستعد لمتابعة حكايات درامية كاملة عبر شاشة الهاتف، قبل أن يمثل عام 2020 نقطة تحول مهمة، مع إدراج الجهات التنظيمية الصينية «الدراما القصيرة على الإنترنت» ضمن فئات المحتوى السمعي البصري الخاضعة للتنظيم.


من الميكرو دراما

لماذا نجحت الميكرو دراما في الصين؟

السر لم يكن في قِصر مدة الحلقة فقط.

فالـ«ميكرو دراما» الصينية صُممت منذ البداية وفق طريقة مشاهدة مختلفة؛ إذ قد لا تتجاوز الحلقة دقيقة أو دقيقتين، لكنها تحمل حدثًا أو مفاجأة أو صراعًا، وغالبًا ما تنتهي عند لحظة حاسمة تجعل المشاهد راغبًا في معرفة ما سيحدث بعد ذلك.

أما القصة الكاملة، فتتكون من عشرات الحلقات القصيرة، وهو ما يسمح بمتابعة العمل أثناء المواصلات، أو خلال استراحة قصيرة، أو بين المهام اليومية.

وهنا تغيرت المعادلة؛ فبدلًا من أن تبحث الدراما عن وقت المشاهد، أصبحت تذهب إليه في المكان الذي يقضي فيه جزءًا كبيرًا من يومه.. الهاتف.

من «فيديو قصير» إلى صناعة بالمليارات

ما يلفت النظر في التجربة الصينية أن الميكرو دراما لم تظل مجرد محتوى خفيف على منصات التواصل الاجتماعي، وإنما تحولت إلى صناعة مستقلة لها جمهورها ونموذجها الاقتصادي الخاص.

وبحسب تقرير حديث لـ«سي إن إن»، وصلت قيمة سوق الدراما القصيرة في الصين خلال العام الماضي إلى ما يقارب 15 مليار دولار، في مؤشر على حجم التحول الذي شهدته هذه الصناعة.

كما تشير تقارير أخرى إلى أن عدد متابعي الدراما القصيرة في الصين بلغ نحو 662 مليون مستخدم بنهاية عام 2024، فيما اقتربت إيرادات السوق من 7 مليارات دولار.

وتكشف هذه الأرقام أن الميكرو دراما لم تعد مجرد وسيلة ترفيه سريعة، وإنما أصبحت جزءًا من اقتصاد المحتوى الرقمي في الصين.


من الميكرو دراما

الحب والانتقام والثراء.. وصفة درامية مختلفة

ومع انتشار الميكرو دراما، ظهرت لها قوالبها الخاصة التي تتناسب مع طبيعة هذا النوع من السرد السريع.

قصص الحب، والخيانة، والانتقام، والزواج المفروض، والأسرار العائلية، والفتاة التي تكتشف حقيقتها، والبطل الثري صاحب الهوية الغامضة، وصراعات العائلات.. كلها تحولت إلى موضوعات متكررة في هذا النوع من الأعمال.

وتتميز هذه القصص بقدرتها على تقديم الصراع بسرعة، من دون مقدمات طويلة أو مساحات سردية واسعة.

فالحلقة لا يشترط أن تحكي قصة مكتملة، وإنما أن تمنح المشاهد سببًا قويًا لمشاهدة الحلقة التالية.

وهنا تكمن واحدة من أهم قواعد الميكرو دراما: الجذب من الثواني الأولى، والتصعيد المستمر، والنهاية التي تترك سؤالًا مفتوحًا.


من الميكرو دراما

كيف خرجت التجربة الصينية إلى العالم؟

نجاح النموذج الصيني لم يبق داخل حدود الصين.

فمع انتشار الهواتف ومنصات الفيديو القصير، بدأت الدراما القصيرة في الوصول إلى جماهير خارج السوق الصينية، سواء من خلال ترجمة الأعمال أو عبر تطبيقات ومنصات متخصصة، كما ظهرت نماذج إنتاج تستفيد من القالب نفسه بلغات وثقافات مختلفة.

وتشير تقارير حديثة إلى أن الميكرو دراما تحولت بالفعل إلى ظاهرة عالمية، مع انتقال النموذج إلى الولايات المتحدة وأسواق أخرى.

وهنا تظهر نقطة مهمة: الذي انتقل من الصين إلى العالم لم يكن مسلسلًا بعينه، وإنما «وصفة إنتاج» كاملة.

وصفة تقوم على حلقات شديدة القِصر، وإيقاع سريع، وتصعيد مستمر، وإنتاج أقل تكلفة نسبيًا، وتوزيع يعتمد بشكل أساسي على الهاتف والمنصات الرقمية.

من الهاتف إلى السوق المصرية

في مصر، لم يكن الجمهور غريبًا تمامًا عن المحتوى الدرامي القصير، خصوصًا مع الانتشار الكبير للاسكتشات والفيديوهات القصيرة عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

لكن الانتقال من مجرد فيديو قصير إلى مسلسل ميكرو دراما منتج بشكل مؤسسي يمثل خطوة مختلفة تمامًا.

وفي مايو 2026، أعلنت منصة «واتش إت» عن تجربة للميكرو دراما، ووصفتها بأنها تجربة رائدة في الشرق الأوسط، مع نموذج إنتاج منظم وفرق متخصصة في الكتابة والتمثيل والتصوير والإخراج.

وهذا يعكس بداية انتقال الميكرو دراما في مصر من مجرد محتوى سريع مخصص لمواقع التواصل الاجتماعي، إلى شكل درامي يمكن أن يدخل ضمن صناعة المحتوى نفسها.

لماذا تبدو مصر مؤهلة لنجاح التجربة؟

تمتلك مصر مجموعة من العوامل التي قد تساعد على انتشار هذا النوع من المحتوى؛ من بينها سوق جماهيري واسع، وصناعة درامية وسينمائية تمتلك خبرات طويلة، إلى جانب عدد كبير من صناع المحتوى والممثلين الشباب، وانتشار الهواتف ومنصات الفيديو.

لكن العامل الأهم ربما يتمثل في تغير عادات المشاهدة نفسها.

فالجمهور أصبح أكثر اعتيادًا على استهلاك المحتوى السريع عبر الهاتف، وهو ما يخلق مساحة أمام شكل درامي لا يحتاج إلى جلسة مشاهدة طويلة، وإنما يمكن متابعته في دقائق متفرقة على مدار اليوم.

ومن هنا، يمكن أن تمثل الميكرو دراما فرصة جديدة للمنصات، وكذلك للكتاب والمخرجين والممثلين الشباب، خصوصًا أن إنتاجها يمكن أن يكون أسرع وأقل تكلفة من إنتاج المسلسلات التقليدية، بحسب طبيعة كل عمل ومستوى إنتاجه.

كيف استفادت مصر من تجربة الصين في مسلسلات الميكرو دراما؟

يمثل النموذج الصيني  مصدر الإلهام الأبرز للميكرو دراما الحديثة، ونجاح التجربة في مصر لن يعني بالضرورة نقلها كما هي.

فالقوالب التي حققت انتشارًا واسعًا في الصين يعاد تقديمها بما يتناسب مع الجمهور المصري، سواء على مستوى القصص والشخصيات، أو الكوميديا، أو العلاقات الاجتماعية، أو حتى طبيعة الصراعات التي تجذب المشاهد،  خاصة أن الصين بلد له حضارته وتاريخه وصفات اجتماعية التي تلتقي في كثير من النقاط مع الحضارة والمجتمع المصري.

وهنا يمكن أن تتحول الميكرو دراما في مصر من مجرد «نسخة قصيرة من المسلسل» إلى لغة درامية جديدة لها خصوصيتها المحلية.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة