نَشْأَتُ الدَّيْهِيّ وَطُوفَانُ الاِفْتِرَاءِ: تُرَى الدَّوْرُ بَعْدَكَ عَلَى مَنْ؟!

2-9-2026 | 14:56

لاشك أننا نعيش ما وصفه الجدود ب (آخر زمن)؛ حيث اختلطت فيه الحقيقة بالسراب، وغدت الشائعةُ بضاعةً رائجةً تُسوَّقُ على قارعةِ المنصات، بات من اليسيرِ أن يُنصبَ للإنسانِ محاكمةٌ غيابيةٌ، تُتلى فيها التهمُ، وتُصدرُ فيها الأحكام، دون أن يُمنحَ حقَّ الدفاع.

وآخرُ من طالتهُ يدُ هذا العبثِ الممنهج، هو الإعلامي الصديق "نشأت الديهي".

طالعنا في الأيام الخوالي سيلاً من التصريحات المنسوبة زورًا وبهتانًا إلى الإعلامي نشأت الديهي. تصريحاتٌ حادةٌ، جارحةٌ، لا يستقيمُ عقلٌ ولا منطقٌ مع نسبتها إليه. جُملٌ مفخخةٌ، أُخرجت من سياقها عمدًا، ورُكبت على لسانه كذبًا، ثم أُطلقت في الفضاء الأزرق لتنهش في سمعته.

والعجيبُ أن القوم لم يكلفوا أنفسهم عناء التثبت. اكتفوا بـ "مقطع مجتزأ" مدته 8 ثوانٍ من حلقة ساعة كاملة، و"لقطة شاشة مبتورة" من حوار طويل، و "صوت مستعار بالذكاء الاصطناعي" صار اليوم صنعة من لا صنعة له. ثم أقاموا الدنيا ولم يقعدوها، وتصدروا يجلدون ويشتمون ويحكمون.

والحقُّ الذي لا مرية فيه، والذي تشهد عليه أرشيفات قناة TeN وصفحات البرنامج الموثقة: لم يقل الديهي ما نُسب إليه، لا تلميحًا ولا تصريحًا، لا في برنامجه "بالورقة والقلم" ولا في أي منبر إعلامي آخر، ولن أكرر الفرية التي ألصقوها به البعيدة عن المنطق.

إنها جريمة "القص واللزق" التي صارت مهنة، وجريمة "الفبركة" التي صارت سلاح العاجز.

 ماذا عن التعريف بالرجل وتاريخه المهني؟!

قبل أن نُصدر حكماً على أحد، من الإنصاف أن نعرف من هو. 

نشأت الديهي ليس طارئاً على المشهد الإعلامي، ولا وليد صدفة. هو نتاج مدرسةٍ صحفيةٍ عريقة، تربى في محراب كبريات الصحف وتتلمذ على أيدي أساتذة لهم باع ولهم مدارسهم الإعلامية المرموقة. خبر الديهي دهاليز التحرير، وعلمته المهنة أن الكلمة مسئولية، وأن الحبر أغلى من الدم.

قد نختلف مع حدته، وقد نعتب على صرامته أحيانًا، وقد لا يعجبنا أسلوبه الصاخب في إدارة الحوار. وهذا حقٌ مشروع في ساحة الرأي والرأي الآخر، بل هو عين الديمقراطية. 

ولكن أن نُبدِّل ساحة النقد الموضوعي بساحة الاغتيال المعنوي، وأن نستبدل الحجة بالكذب، والدليل بالافتراء، فذاك هو السقوط بعينه، وذلك هو الإفلاس الفكري.

الرجل عُرف عنه، على مدار 20 عامًا، أنه صاحب قلمٍ جريءٍ، ولسانٍ لا يخشى في قول الحق لومة لائم. ينتقد الحكومة إذا أخطأت، ويساند الدولة إذا أصابت، ويجلد الفساد أينما كان. وربما كانت هذه الجرأة، وهذا "الوش الخشب" الذي لا يجامل، هي عينُ الجُرم الذي يُحاكَم عليه اليوم.

ماذا عن دوافع الحملة وأهدافها الخفية؟!

إن من يتأمل توقيت الحملة وأدواتها ولغة القائمين عليها يدرك يقينًا أنها ليست وليدة صدفة، ولا غضبة عفوية. 

إنها حلقة ممنهجة في سلسلة استهداف كل صوتٍ واضحٍ، وكل قلمٍ لا يخشى، وكل منصة لا ترضخ.

الهدف ليس الديهي في شخصه. الهدف أكبر من ذلك. 

الهدف هو ترويع كل إعلامي، وتخويف كل صحفي، وإرسال رسالة مفادها: "إياك أن تخرج عن النص، وإلا فمصيرك التشهير".

إنهم يريدون إعلامًا مستأنسًا، وصوتًا خافتًا، وعقلاً مستسلمًا، وشاشة لا تقول إلا "حاضر". فإذا ما وجدوا من يأبى ذلك، لجأوا إلى سلاحهم الأوحد في زمن الجبن: *تلفيق الكلام واختلاق المواقف وقطع الطريق.*

ومما يفضح هذه الحملة أنها لا تظهر إلا بعد كل حلقة قوية يكشف فيها الديهي بالورقة والقلم لعبة لجنة إلكترونية، أو يفضح شائعة، أو يحلل ملفاً شائكاً. فالضربة تأتي كرد فعل، لا كفعل.

أما عن مسئوليتنا كجمهور وهنا بيت القصيد.. لسنا ضحايا فقط، نحن شركاء. 
كل "شير" أعمى، وكل "ريتويت" دون تثبت، وكل تعليق شتيمة على فيديو مفبرك، هو رصاصة نشارك بها في هذا الاغتيال.

أيها العقلاء، إن الكلمة أمانة، والشير شهادة، وستُسألون عنها يوم القيامة. قبل أن تُشاركوا في ذبح رجلٍ بكلمةٍ لم ينطق بها، تثبتوا. ارجعوا إلى المصدر الأصلي، إلى صفحة القناة الموثقة، واسمعوا السياق كاملاً، واسألوا ضمائركم: أهذا هو الحق؟ أهذا هو العدل؟

لقد قالها رب العزة: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ". فهل من متعظ؟

إن دفاعنا اليوم عن نشأت الديهي ليس دفاعًا عن شخص. فالأشخاص زائلون، والمواقف باقية. إنما هو دفاع عن مبدأ. دفاع عن حق الإنسان في أن يُحاكم على ما قال، لا على ما قيل أنه قال. دفاع عن حرية الرأي التي لا تعني حرية الكذب.. دفاع عن الحقيقة في حد ذاتها.

اليوم الدور على نشأت الديهي. وغداً قد يكون الدور على أي كاتب، أو أستاذ جامعة، أو طبيب، أو حتى مواطن عادي كتب منشورًا (بوست) لم يعجب "البعض".

فإذا سكتنا اليوم عن الباطل، وبررنا الكذب بحجة "أصلنا مختلفين معاه"، فلا نلومن إلا أنفسنا غدًا حين يُحاصرنا نفس السلاح، وتُكمم أفواهنا بالطريقة نفسها. 

ختاماً: للقناة وللإعلامي كل الحق في مقاضاة مروجي هذه الأكاذيب. ولنا نحن واجب أن نكون جدار الصد الأول ضد هذا الطوفان. 

فالحقيقة وحدها هي التي تبقى، وإن طال بها الأمد.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: