تأتي زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج إلى مصر مطلع سبتمبر 2026، في إطار تعزيز أطر الشراكة الإستراتيجية المصرية الصينية، التي أقرها الرئيسان المصري والصيني في ديسمبر 2014، والتي هدفت لتعزيز التعاون في أربعة محاور، هي الاقتصاد والمجتمع والتكنولوجيا والسياحة والتى عمقها مرور ما يقرب من سبعين عامًا على وضع ركائز العلاقات الدبلوماسية وتأسيسها، بعد أن كانت مصر من أوائل الدول العربية والإفريقية التي اعترفت بالصين في الأمم المتحدة، وتبنيها لمبدأ الصين الواحدة، وهى الركائز التي انعكست على تطوير التعاون التنموي بين القاهرة وبكين في إطار مبادرة الحزام والطريق، وهو التعاون الذى تنامى خلال العقد الأخير منذ زيارة الرئيس الصيني شي إلى مصر عام 2016، إذ ارتفعت قيمة التبادل التجاري بين مصر والصين خلال أول 5 أشهر من عام 2026، لتصل إلى 9.1 مليار دولار، مقابل 7.7 مليار دولار خلال الفترة نفسها من عام 2025.
والثابت أن البعد المؤسسي أسهم في تعميق الشراكة الإستراتيجية المصرية الصينية بتنوع مجالاتها، وذلك من خلال تعزيز العمل المشترك ضمن تجمعات دولية مثل البريكس،ومجموعة الـ77، وحركةعدم الانحياز، ومنظمة شنغهاي للتعاون التي انضمت إليها مصر كشريك حوار، والمنتدى الصيني الإفريقي، والمنتدى الصيني العربي.
تأسيسًا على ما سبق يثار تساؤل رئيسي حول رسائل زيارة شي إلى مصر للإقليم والعالم، وما إذا كانت تمثل ترجمًة للتوازن الإستراتيجي الذى جسد عقيدة مصر في مجال السياسة الخارجية خلال العقد المنصرم؟
رسائل متنوعة
تحمل زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج رسائل متنوعة للإقليم والعالم، وهى الرسائل التي يمكن الإشارة إلى أهمها على النحو التالي:
- محورية الدور المصري: تأتى زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج إلى مصر لتعكس محورية الدور المصري في الشرق الأوسط، وهي الزيارة التي تعد الثالثة لشى خارجيًا منذ مطلع العام الجارى 2026، حيث زار كوريا الجنوبية، ثم قيرغستان للمشاركة في قمة شنغهاي للتعاون، والتى يعقبها زيارة مصر، التي تتبني رؤية إستراتيجية داعمة لاستقرار الإقليم من خلال الحفاظ على وحدة الدولة الوطنية والحفاظ على سيادة الدول وصون مقدرات شعبها، والإيمان بوجود جوار إقليمي مستقر وآمن ومزدهر، وحل مشكلات وأزمات الإقليم بالتفاوض لا بالتصعيد العسكري. وهو التوجه الذى تتبناه مصر إزاء التصعيد العسكري الأمريكي الإيراني، وكذلك تبنيها لحل الدولتين فيما يتعلق بتسوية القضية الفلسطينية. وهى التوجهات التي تتشابه كمنطلقات حاكمة لسلوك القاهرة وبكين خارجيًا.
- محورية الشراكة الإستراتيجية: تجسد الزيارة ريادية نموذج العلاقات المصرية الصينية في العلاقات الدولية، لاسيما وأن مصر كانت أول دولة عربية وإفريقية اقامت علاقات دبلوماسية مع جمهورية الصين الشعبية في 30 مايو 1956، واحتفلت الدولتان في مايو 2026 بالذكرى السبعين على إقامة تلك العلاقات.
وعلية تأتي زيارة شي لمصر في ظل ما تشهده الشراكة الإستراتيجية بين البلدين من تطورات نوعية امتدت لتشمل جميع المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والاستثمارية، والتي اكتسبت زخمًا إضافيًا في إطار تنفيذ البرنامج التنفيذي للشراكة الإستراتيجية الشاملة (2024 - 2028) الذى تم توقيعه في يناير 2024، ليشكل خارطة طريق واضحة لتطوير العلاقات الثنائية ورفعها الى مستويات اكثر تكاملا. كما تم توقيع مذكرة تفاهم لأول إستراتيجية تعاون انمائي بين البلدين. في الفترة من عام 2025 - 2029. وذلك خلال زيارة رئيس مجلس الدولة الصيني إلى مصر لي تشيانج ولقائه بالرئيس عبد الفتاح السيسي في يوليو 2025.
- صوت الجنوب العالمي: تماشيًا مع تصريحات الرئيس الصيني قبل انعقاد قمة شنغهاي للتعاون ببكين منذ مايقرب من عام وفي سبتمبر 2025، والتي طالب فيها بأهمية توحيد دول الجنوب العالمي، والالتزام بالتعددية الحقيقية، وتعزيز نظام دولي أكثر عقلانية، تسعى الصين لتكون صوت الجنوب العالمي، وهو مصطلح ساد في ستينيات القرن العشرين كبديل لمصطلحات مثل العالم الثالث والبلدان النامية، وتم استخدامه للتأكيد على استقلالية هذه الدول وتحدى هيمنة الدول الغربية في السياسة الدولية والاقتصاد، وتسليط الضوء على التفاوتات العالمية بين الشمال والجنوب، وتشمل دول الجنوب العالمي دول في إفريقيا، وآسيا، وأمريكا اللاتينية، وتمثل 85 % من سكان العالم ونحو 39% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. لذلك دائما ما تردد الصين بأنها محور ارتكاز للجنوب العالمي باعتبارها دول نامية.
وهو ما عبر عنه لي شي الممثل الخاص للرئيس الصيني شي جين بينج خلال فعاليات قمة مجموعة الـ 77 والصين التي عقدت في هافانا عاصمة كوبا في سبتمبر 2023 بأن الصين هي أكبر دولة نامية في العالم وعضو طبيعي في الجنوب العالمي وستظل الصين باعتبارها أكبر دولة نامية في العالم عضوًا بعائلة الدول النامية وعضوا بدول الجنوب العالمي إلى الأبد، مهما وصلت من مرحلة تنموية.
- أولوية الشرق الأوسط: تعكس الزيارة في أحد جوانبها توجهات مصر الخارجية والتى تقوم على عقيدة التوازن الإستراتيجي، ويشكل مفهوم الاتزان الإستراتيجي الذى تضمنه الكتاب الصادر عن وزارة الخارجية المصرية ديسمبر 2025 والمعنون بـ الاتزان الإستراتيجي ملامح من السياسة الخارجية المصرية في عشر سنوات الإطار الناظم لتوجهات السياسة الخارجية المصرية في دوائر حركتها.
وهو المفهوم الذى أشار إليه الرئيس عبد الفتاح السيسى خلال حفل إفطار الأسرة المصرية في السادس من أبريل لعام 2024، والذى اشتمل على ثلاثة مبادئ رئيسية: الأول هو مراعاة أبعاد الأمن القومي المصري، والمبدأ الثاني يرتبط السعي لاقرار السلام الشامل القائم على العدل. فيما جاء المبدأ الثالث ليشير إلى دعم مؤسسات الدولة الوطنية واحترام إرادة الشعوب.
ويشكل سعى بكين لاقرار السلام في الشرق الأوسط أحد أولويات السياسة الخارجية الصينية، وهو السلوك الذى تبلور في الوساطة الصينية لاستعادة العلاقات الدبلوماسية بين إيران والسعودية، كما تتقاسم القاهرة وبكين الرؤية التي تتبني تسوية منازعات وأزمات الإقليم بالطرق السلمية، ورفض التصعيد العسكري على أى من الجبهات.
- الحفاظ على قواعد النظام الدولي: تتبنى الصين ضرورة الحفاظ على قواعد النظام الدولي ورفض تدشين أى كيانات موازية تقلل من أدوار المؤسسات التي تشكلت بعد الحرب العالمية الثانية وجسدت توازن القوى الدولي آنذاك، وهو التوازن الذى استقر على وجود الأمم المتحدة تمثل فيها كافة الدول، ولكل دولة صوتها، وتشكيل مجلس الأمن بعضويته الحالية من 15 عضوًا، 10 غير دائمي العضوية ويتم انتخابهم كل عامين على أن يراعى الانتخاب ضرورة تمثيل الأقاليم الجغرافية المتنوعة، و5 دول أعضاء دائمي العضوية هي: الولايات المتحدة الأمريكية، وروسيا، والصين، وبريطانيا، وفرنسا. هذه الدول لها حق النقض (الفيتو). وهو الأمر الذى جعل التصويت داخل المجلس يخضع للتوازنات والمصالح الدولية.
من هنا تأتى دعوة مصر إلى ضرورة إصلاح مجلس الأمن وتوسيع عضويته الدائمة لتشمل أقاليم العالم الجغرافية المختلفة وفي مقدمتها إفريقيا، وهو ما يتماشى مع واقع العصر الحالي وسياقاته الجديدة. كذلك تتبني الصين ضرورة الانتقال من نظام دولي أحادي القطبية إلى نظام متعدد الاقطاب. في مقابل ذلك التوجه يأتي الشعار الذى يرفعه دونالد ترامب وهو أمريكا أولًا، سعيا منه للحفاظ على الهيمنة الأمريكية كقطب دولى مؤثر في تفاعلات النظام الدولي، وهو ما يعنى أن ترامب سيواجه ما تطرحه القوى الكبرى من سعيها نحو تعددية النظام الدولي القائم على تنوع وتعدد الأقطاب وفي مقدمتها الصين وروسيا والاتحاد الأوروبي.
وهو الأمر الذى دفع ترامب لدعم التحالفات الأمريكية التي تشكلت في منطقة الإندوباسيفيك وأبرزها تحالف أوكوس والذى تشكل منذ سبتمبر 2021، ويضم كل من الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وأستراليا، وهدف إلى تزويد أستراليا بغواصات تعمل بتكنولوجيا نووية بهدف مواجهة الصعود الصيني. واعتبرت الصين ذلك التحالف بمثابة عودة لعقلية الحرب الباردة.
ختامًا.. تسعى الصين إلى التأكيد على أنها قوة صاعدة تعزز من دورها ومكانتها في السياسة الدولية وتعمق من شراكاتها الإستراتيجية مع القوى الإقليمية في أقاليم العالم المختلفة منها مصر كقوة إقليمية في الشرق الأوسط، وترويج بكين لمبادراتها الدولية في مجالات الاقتصاد والسياسة والتنمية والعلاقات الدولية أهمها مبادرة الحزام والطريق، ومبادرة الأمن العالمي، ومبادرة التنمية العالمية، ومبادرة أصدقاء السلام. وهي التوجهات التي تتماشى مع رؤية مصر في المجال الخارجي باعتبارها قوة استقرار وسلام وتنمية في إقليم الشرق الأوسط. لذلك فإن رسائل شي للاقليم والعالم من مصر تجد صداها إقليميا ودوليا في ظل عالم تواق لقيادات سياسية عالمية غير نمطية اصلاحية وقوية وهو ما يجسده السيسي وشي.
* دكتوراة في العلوم السياسية - كلية الاقتصاد والعلوم السياسية - جامعة القاهرة