لم يكن مصادفةً أن يختار الرئيسان المصري عبدالفتاح السيسي والصيني شي جينبينغ أن يكتبا، قبيل انطلاق القمة المصرية الصينية- مقالين بجريدة الأهرام العريقة - يبدوان في ظاهرهما احتفاءً بسبعين عامًا من العلاقات، بينما يحملان في جوهرهما ما هو أبعد كثيرًا من استدعاء التاريخ. القراءتان معًا تقولان إن القمة ليست عن الماضي بقدر ما هي عن المستقبل.. عن موقع مصر والصين في عالم يعاد تشكيله الآن.
في مقال السيد الرئيس عبدالفتاح السيسي، تبدو الرسالة الأولى شديدة الوضوح: مصر لا ترى الصين بديلًا عن الولايات المتحدة، ولا تعتبر انفتاحها على بكين انتقالًا من محور إلى آخر. جوهر السياسة المصرية هنا هو ما سماه الرئيس «الاتزان الإستراتيجي»؛ أي أن تملك الدولة أكثر من طريق، وأكثر من شريك، وألا يصبح قرارها مرهونًا بعاصمة واحدة. وهذه ليست مسألة لغوية. إنها فلسفة حكم وعلاقات دولية بدأت تتبلور بوضوح منذ 2014: علاقات مع واشنطن، وشراكة ممتدة مع أوروبا، وتعاون مع موسكو، وانفتاح واسع على بكين، ثم «بريكس» ومؤسسات الجنوب العالمي. الفكرة ليست أن تقف مصر على مسافة واحدة من الجميع، وإنما أن تقف على مسافة واحدة من مصلحتها الوطنية.
الرسالة الثانية أكثر أهمية: القاهرة تريد أن تنقل علاقتها مع الصين من زمن «المشروع» إلى زمن «القدرة». ففي المقال لا يكتفي السيد الرئيس بالحديث عن الطرق أو العاصمة الجديدة أو القطار الكهربائي، بل ينتقل مباشرة إلى السيارات الكهربائية، والبطاريات، والإلكترونيات، وتحلية المياه، وبناء السفن، والذكاء الاصطناعي، والفضاء. المعنى هنا لا يحتاج إلى كثير من الشرح: مصر لا تريد استثمارات صينية فحسب، بل تريد صناعة صينية على أرض مصر، وتكنولوجيا تصبح جزءًا من القاعدة الإنتاجية المصرية. وهذه ربما من أهم النقاط في القمة المرتقبة.
أما الرسالة الثالثة، فهي أن الجغرافيا المصرية لم تعد في الخطاب مجرد موقع متميز يتكرر في بيانات الاستثمار. قناة السويس، والموانئ، والمنطقة الاقتصادية، وشبكة الاتفاقات التجارية، كلها تتحول إلى أوراق في مشروع أكبر: أن تصبح مصر قاعدة للإنتاج والتصدير بين آسيا وإفريقيا والعالم العربي وأوروبا، لا مجرد سوق للبضائع القادمة من الشرق.
ثم يأتي ما هو أكثر حساسية: النيل. إدراج الرئيس السيسي قضية الأمن المائي في مقال مخصص للعلاقات مع الصين ليس تفصيلًا زائدًا. هو يضع أمام بكين، القوة الدائمة العضوية في مجلس الأمن، أحد أكثر ملفات الأمن القومي المصري حساسية، ويثمن في الوقت نفسه تفهمها لأهمية النيل ورفض الإجراءات الأحادية. الرسالة هنا محسوبة: الشراكة الإستراتيجية لا تُختبر فقط في المصانع، بل أيضًا عند خطوط المصالح الحيوية للدولة.
على الجانب الآخر، يكشف مقال الرئيس الصيني شي جينبينغ كيف تنظر الصين إلى مصر؟ بكين لا ترى القاهرة سوقًا كبيرًا فقط. ترى قناة السويس، والبحر الأحمر، والشرق الأوسط، وإفريقيا، ودولة قادرة على منح حضورها الاقتصادي بعدًا سياسيًا وإستراتيجيًا. الصين تريد مصر بوابة، لكن مصر تريد أن تكون أكثر من بوابة. تريد أن تكون شريكًا في الإنتاج وصناعة القرار الإقليمي. وهنا يلتقي الطرفان.
الرئيس شي يريد استقرارًا يحمي التجارة الصينية، وموقعًا يدعم «الحزام والطريق»، وشريكًا عربيًا وإفريقيًا له ثقله. والرئيس السيسي يريد تكنولوجيا، وصناعة، وتمويلًا، وأسواقًا، وهامشًا أوسع للحركة الدولية. هذه علاقة مصالح متبادلة يعرف كل طرف جيدًا قيمة أوراق الآخر. ولهذا فإن أخطر ما في المقالين ليس ما قالاه عن سبعين عامًا مضت، وإنما ما أكدا عليه بشأن السبعين عامًا المقبلة.
لذلك فإن النجاح الحقيقي لقمة القاهرة في قدرتها على فتح فصل جديد من الشراكة: صناعة بدلًا من تجارة، تكنولوجيا بدلًا من استيراد، تصدير بدلًا من سوق، وتنسيق سياسي يخدم استقرار المنطقة. وهذه في النهاية ليست قصة الصين وحدها. إنها قصة مصر التي تعرف أن زمن القوة الواحدة انتهى، وأن أفضل حماية للقرار الوطني ليست الارتماء في حضن قوة، وإنما امتلاك القدرة على فتح أبواب كثيرة... ثم اختيار الباب الذي يخدم مصر. وستكون قد فعلت ما تفعله الدول التي تعرف قيمة موقعها: توسّع خرائطها، وتعظم مصالحها، وتحمي استقلال قرارها.