من «سيكم» إلى جامعة هليوبوليس.. رؤية تمتد من قاعة المحاضرات إلى المزرعة والمجتمع وسوق العمل
موضوعات مقترحة
مؤتمر «التنمية المستدامة من أجل التأثير العالمي» 2026 يبحث عن حلول لتحديات من أرض الواقع، للا توصيات تُطوى بعد انتهاء الجلسات
ربما تكون أسهل طريقة لفهم رؤية جامعة هليوبوليس للتنمية المستدامة هي ألا تبدأ من قاعات المحاضرات أصلًا، بل من التفاصيل الصغيرة التي تصنع المشهد اليومي داخل الحرم الجامعي، من كوب يعاد استخدامه بدلًا من الأكواب البلاستيكية، إلى خامات ودهانات أكثر صداقة للبيئة، وأثاث مكتبي يُصنع داخل ورش الجامعة وفق فلسفة مختلفة، ثم من عامل يعرف لماذا تحاول الجامعة تقليل المخلفات، وطالب هندسة يخرج من القاعة إلى أرض زراعية ليفكر كيف يمكن للوح شمسي أن يقلل اعتماد مزارع على الديزل، وصولًا إلى فرد أمن لا يحفظ شعارات المؤسسة فقط، بل يفهم ويؤمن بالأبعاد الأعمق للفلسفة التي تحاول الجامعة تحويلها إلى أسلوب حياة.
هذه التفاصيل الصغيرة كانت أكثر ما يلفت الانتباه خلال الزيارة، فمصطلح «التنمية المستدامة» الذي يبدو ثقيلًا وأكاديميًا عندما يرد في المؤتمرات والتقارير الدولية، تحاول الجامعة أن تنزله إلى مستوى الحياة اليومية، ليصبح سؤالًا بسيطًا: لماذا نفعل هذا بهذه الطريقة، وهل توجد طريقة أفضل للإنسان والبيئة والاقتصاد معًا؟
ولفهم مصدر هذه الفلسفة، لا بد من العودة إلى «سيكم»، وهي مبادرة مصرية أسسها الدكتور إبراهيم أبو العيش عام 1977، بدأت من أرض صحراوية ومحاولة مختلفة للزراعة العضوية، قبل أن تتوسع تدريجيًا إلى تجربة تجمع النشاط الاقتصادي بالزراعة والتعليم والصحة والثقافة والتنمية المجتمعية.
ومن قلب هذه التجربة خرجت جامعة هليوبوليس للتنمية المستدامة، لذلك لم تضف الجامعة كلمة «التنمية المستدامة الاستدامة» إلى اسمها بعدما أصبح المصطلح رائجًا عالميًا، وإنما تأسست وهي تحمل ممارسات الاستدامة في بنيتها منذ البداية.
المفارقة أن كثيرًا مما كان يبدو قبل عقود حديثًا مثاليًا أو سابقًا لوقته، أصبح اليوم جزءًا من الحسابات الصلبة للاقتصاد، فالمصانع مطالبة بقياس انبعاثاتها الكربونية، والأسواق الدولية تضع قيودًا مرتبطة بالكربون، والشركات تنشئ إدارات للاستدامة، وتظهر وظائف جديدة لم يكن يعرفها سوق العمل قبل سنوات قليلة.
وسط هذا التحول، يقدم الدكتور أحمد الشاذلي، نائب رئيس جامعة هليوبوليس للتنمية المجتمعية والشراكات، تعريفًا أبسط بكثير لما تحاول الجامعة القيام به، فهو لا يتحدث عن التنمية المستدامة باعتبارها حل لانقاذ الكوكب فقط، وإنما باعتبارها محاولة لجعل الإنسان أكثر وعيًا بما يفعله، وكيف يأكل ويستهلك ويتعلم ويعمل ويتخذ قراره.
ومن هنا يمتد الحوار إلى أسئلة تتجاوز الجامعة نفسها: ماذا يمكن أن يحدث عندما يخرج الطالب من المحاضرة إلى المناطق الريفية؟ وهل يستطيع المزارع أن يكسب من خفض الانبعاثات؟ ولماذا أصبحت «الاستدامة» وظيفة حقيقية داخل الشركات؟ وهل يمكن أن يكون الذكاء الاصطناعي جزءًا من الحل بدلًا من أن يصبح عبئًا جديدًا؟ والأهم، هل ما زال نموذج الجامعة الذي عرفناه لعقود قادرًا وحده على التعامل مع عالم تتغير مشكلاته بهذه السرعة؟
تحمل الجامعة كلمة «التنمية المستدامة» في اسمها، لكن كيف تتحول هذه الفكرة إلى شيء يعيشه الطالب والعامل داخل الجامعة؟
المسألة بالنسبة لنا لا تتعلق بأن يحفظ الشخص تعريفًا للاستدامة، أو أن نضع كلمة «مستدام» على برنامج ثم نقول إننا انتهينا، الفكرة أعمق من ذلك.
إذا كانت لديك رؤية داخل المؤسسة ولا يعرفها إلا رئيس الجامعة أو الإدارة العليا، فهي لم تتحول بعد إلى ثقافة.
نحن نحاول أن يصل الوعي بها إلى عضو هيئة التدريس والطالب والموظف والعامل، وحتى الشخص الذي يتعامل يوميًا مع الناس داخل الحرم، لأن الإنسان عندما يفهم لماذا تفعل المؤسسة شيئًا معينًا يختلف سلوكه عن شخص ينفذ تعليمات فقط.
وهنا تكمن إحدى أصعب النقاط، لأن كل شخص يأتي بخلفية مختلفة، من تعليم مختلف ومكان عمل سابق وثقافة مختلفة، وبالتالي لا تستطيع أن تصدر قرارًا يقول: اعتبارًا من الغد أصبح الجميع يؤمن بالاستدامة.
ولهذا نفعل أحيانًا أشياء قد يراها البعض غير مرتبطة مباشرة بالوظيفة، قد يتعلم شخص لغة أو يدخل نشاطًا فنيًا أو يسمع موسيقى أو يتعرف على مجال جديد، والسؤال الذي قد يطرحه البعض هو: ما علاقة ذلك بإنتاجيته؟
نحن نراه جزءًا من بناء قدرته كإنسان، لأن الشخص الذي يشعر أن المؤسسة تبنيه وليس فقط تستخدم وقته يصبح أكثر قدرة على التفكير والإبداع.
وهل تظهر الفكرة نفسها في طريقة تعليم الطلاب؟
أنا لا أريد فقط أن أخرج مهندسًا، أريد إنسانًا يعرف الهندسة، ولا أريد فقط صيدليًا، وإنما إنسانًا يعرف الصيدلة.
قد تبدو الجملة فلسفية، لكنها عملية جدًا، لأن طالب الهندسة لن يقضي حياته كلها في حل معادلة، والصيدلي لن يعيش داخل المعمل فقط، كل واحد منهما سيخرج إلى مجتمع ويتعامل مع بشر ويتخذ قرارات لها أثر اقتصادي وصحي وبيئي.
ولهذا توجد داخل تجربة الطالب جوانب إنسانية وفنية وثقافية من خلال البرنامج الأساسي الذي يطبق في كل الكليات وعبر جميع سنوات الدراسة.
بعض الناس عندما يسمع أن طالب هندسة يدرس موسيقى أو فنونًا يسأل: وما علاقة هذا بالهندسة؟
لا نبني آلة متخصصة في شيء واحد، وإنما نحاول بناء شخص قادر على التفكير والإبداع والتواصل ورؤية الصورة الأكبر.
حتى داخل البرامج التخصصية نفسها نحاول ألا تكون الاستدامة مادة منفصلة على الهامش، ففي الهندسة مثلًا هناك تخصصات في بالطاقة المتجددة، والإدارة المستدامة للمياه، والعمارة الخضراء.
طالب العمارة لا يتعلم فقط كيف يشيد مبنى، وإنما يبدأ في التفكير في المواد التي يستخدمها، واستهلاك المبنى للطاقة، وتأثيره بعد عشرات السنوات.
وطالب المياه لا يتعامل معها باعتبارها أنابيب ومضخات فقط، وإنما باعتبارها موردًا محدودًا يجب إدارته.
محررا بوابة الأهرام مع الدكتور أحمد الشاذلي
لكن كيف يختبر الطالب هذه الأفكار بعيدًا عن المحاضرة؟
لدينا العديد من المشروعات والمبادرات في 13 قرية حول مزرعة سيكم في محافظة الشرقية ، والطلاب يستطيعون الذهاب إلى هذه المجتمعات والتعامل مع الواقع نفسه.
طالب الطاقة المتجددة يمكن أن يقضي ساعات داخل المعمل يتعلم كيف تعمل الخلايا الشمسية، وهذا مهم، لكن ماذا لو خرج بعدها ورأى مزارعًا يستخدم الديزل لتشغيل ماكينة أو نظام ري؟
هنا تتحول المعلومة إلى سؤال حقيقي: هل أستطيع أن أقدم له حلًا بالطاقة الشمسية؟ هل سيكون أقل تكلفة؟ ماذا يحتاج لكي يستخدمه؟ وهل يستطيع أصلًا تحمل تكلفته؟
في هذه اللحظة فقط يبدأ الطالب في اكتشاف أن المشكلة الهندسية ليست تقنية فقط، بل هي تمثل تحدي له أثر على سبل معيشة المواطنين في المجتمع.
والتجربة لها جانب آخر أيضًا، كثير منا يعيش في القاهرة أو الإسكندرية أو المدن الكبيرة ولا يعرف حقيقة ما يحدث على بعد عشرات الكيلومترات منه.
قد يعرف الطالب أحدث التكنولوجيا في العالم، لكنه لم ير كيف يعيش مزارع في قرية أو ما الصعوبات التي تواجه أسرة هناك.
لذلك هذا الاحتكاك بالمجتمع جزء من التعليم بالنسبة لنا، وليس زيارة اجتماعية.
ونحاول توسيع هذا الاتجاه من خلال التعلم القائم على حل المشكلات، الذي يضع الطالب أمام مشكلة حقيقية يبحث عن حل لها، والتعلم القائم على المجتمع، الذي يربط العملية التعليمية باحتياجات المجتمعات المحيطة، إلى جانب التعليم المرتبط بالصناعة، حتى لا يقضي الطالب أربع سنوات داخل الجامعة ثم يذهب إلى سوق العمل ليكتشف أنه سيبدأ التعلم من البداية.
كما تعمل مراكز التنمية المجتمعية لدينا على مشاركة الطلاب في مشروعات ومبادرات مختلفة حسب تخصصاتهم مما يساهم في خلق تأثير حقيقي في المجتمع المصري.
هل سوق العمل نفسه أصبح مستعدًا لهذا النوع من الخريجين؟
السوق يتحرك بسرعة كبيرة في هذا الاتجاه، لو رجعنا 15 عامًا وسألنا عن وظيفة «مسؤول الاستدامة»، كم شركة كانت تعرف أصلًا أنها تحتاج إلى شخص بهذا المسمى؟
اليوم توجد شركات ومصانع لديها مسؤول للاستدامة، وأصبح هناك متخصصون في الاقتصاد الدائري، وهو نموذج يقوم على تقليل الهدر وإعادة استخدام الموارد والمنتجات بدلًا من التخلص منها بعد الاستخدام، إلى جانب متخصصين في الطاقة المتجددة والبصمة الكربونية وإدارة الموارد.
السبب أن الاستدامة لم تعد مجرد نشاط اختياري لتحسين صورة الشركة، لكنها أصبحت مرتبطة بالمال.
الشركة التي تريد التصدير قد تجد نفسها مطالبة بإثبات حجم الانبعاثات الناتجة عن منتجاتها، والمصنع الذي يهدر الطاقة والمياه يدفع تكلفة أكبر، والمستثمر نفسه أصبح ينظر إلى الأثر البيئي والاجتماعي قبل اتخاذ القرار.
هناك أيضًا قواعد دولية جديدة تربط التجارة بالبصمة الكربونية، وهذا يعني أن الكربون الذي كان مفهومًا بيئيًا مجردًا أصبح رقمًا يدخل في تكلفة المنتج وقدرته على دخول سوق معين.
ومن الطبيعي أن يخلق ذلك وظائف جديدة في مختلف المجالات.
هناك وظائف تختفي مع تطور المجتمع والتكنولوجيا، وفي المقابل تظهر وظائف لم نكن نتصورها من قبل.
ولهذا نعمل أيضًا على برنامج مهني متخصص في إدارة الاستدامة من المقرر إطلاقه خلال الفترة المقبلة، لأن السوق يحتاج إلى أشخاص يفهمون هذه التحولات وليس فقط المصطلحات.
هل يعني ذلك أن الاستدامة تحولت من فكرة بيئية إلى قضية اقتصادية؟
بالتأكيد، واختزال الاستدامة في الأثر البيئي فقط أحد أكبر الأخطاء، نحن نتحدث عن أربعة أبعاد مترابطة: البيئة والاقتصاد والمجتمع والثقافة.
خذ المزارع مثالًا، يمكن أن أذهب إليه وأقول له: يجب أن تتوقف عن استخدام الديزل، ولا تستخدم هذه المادة الكيميائية، وازرع بطريقة أفضل للبيئة.
السؤال الطبيعي الذي سيطرحه: ومن سيدفع تكلفة ذلك؟
إذا لم يكن لديك جواب، فلن تستمر الفكرة، التنمية المستدامة لا يجب أن تعني أن يتحمل الإنسان خسارة مالية حتى نقول إننا حافظنا على البيئة، وإنما نحتاج إلى نموذج يجعل الإنسان نفسه مستفيدًا من التحول.
وهذا يقود إلى تجربة المزارعين التي تحدثتم عنها.. ماذا فعلتم تحديدًا؟
عملنا خلال السنوات الماضية من خلال سيكم ضمن نموذج وصل إلى نحو 40 ألف مزارع في مصر، بهدف مساعدتهم على الانتقال تدريجيًا إلى ممارسات الزراعة العضوية والمستدامة.
المزارع الذي يستخدم الديزل لسنوات لا يستطيع غدًا شراء ألواح شمسية من جيبه، والذي يعتمد على نظام معين في التسميد يحتاج إلى معرفة ومعدات إذا أردت منه استخدام الكمبوست، وهو سماد عضوي طبيعي ينتج من تحلل وخلط المخلفات النباتية والحيوانية بطريقة مدروسة، ليعاد استخدامها في تغذية التربة بدلًا من التخلص منها أو الاعتماد بصورة كاملة على الأسمدة الكيميائية.
لذلك يوجد دعم وتمويل ميسر وتدريب وبناء قدرات، إلى جانب مساعدته على استخدام الطاقة الشمسية وزراعة الأشجار وتحسين إدارة التربة.
لكن الزراعة العضوية عادة ترتبط لدى المستهلك بالسعر المرتفع، فكيف يمكن كسر هذه المعادلة؟
هذه معادلة أساسية: عندما يكون عدد المنتجين قليلًا والإنتاج محدودًا، يصبح المنتج أغلى، لكن عندما يزيد عدد المزارعين ويزيد المعروض، تبدأ الأسعار في التحرك.
وهناك أيضًا سؤال آخر: عندما نقول إن هذا الطعام أرخص، هل نحسب فقط ثمنه على رف المتجر؟
لو كان نمط الغذاء الأقل جودة يؤدي بعد سنوات إلى زيادة السمنة والضغط وأمراض القلب، فهناك تكلفة أخرى تدفعها الأسرة والدولة في العلاج، إذن السعر ليس دائمًا الرقم المكتوب على المنتج.
داخل منظومة سيكم لدينا نموذج يسمى «اقتصاد المحبة»، الاسم قد يبدو عاطفيًا، لكن الفكرة اقتصادية جدًا: من حق الشركة أو المزارع أن يربح، لكن لماذا يكون تعظيم الربح هو الهدف الوحيد؟
يمكن أن أحقق ربحًا، وفي الوقت نفسه أخصص جزءًا من القيمة للتعليم أو بناء قدرات المزارعين والمهندسين الزراعيين أو تحسين البيئة.
عندما يتحسن دخل المزارع ويشعر أن استمرار أرضه اقتصاديًا أفضل له، لن يفكر بسهولة في ترك الزراعة والبحث عن نشاط آخر.
وتحدثتم أيضًا عن شهادات الكربون كمصدر دخل للمزارع، كيف يحدث ذلك؟
يتعاون «مركز البصمة الكربونية» لدينا مع مختلف الشركات لتقديم تقارير الاستدامة وحساب حجم انبعاثاتها الكربونية. بعد ذلك، نعمل على احتجاز نسبة من هذه الانبعاثات في التربة عبر غرس الأشجار مقابل شراء شهادات الكربون. وتعبر هذه الشهادات عن عدد الأشجار المغروسة، حيث يذهب عائدها المالي إلى المزارعين الذين يتولون زراعتها في أراضيهم. وبفضل شهادات الكربون، نتيح للمزارعين مصدر دخل إضافي يدعمهم خلال فترة التحول نحو ممارسات الزراعة العضوية. هذه هي طريقتنا في تحقيق التكامل بين الأثر البيئي والاقتصادي لمجتمعنا.
لكنكم تتحدثون أيضًا عن الصحة باعتبارها جزءًا من الاستدامة، ما العلاقة؟
هل يمكن أن أقول إن لدي مجتمعًا مستدامًا بينما جزء كبير من الناس يعانون أمراضًا مرتبطة بنمط حياتهم؟
السمنة وزيادة الوزن والضغط وأمراض القلب لا تأتي كلها من سبب واحد، لكن الغذاء وقلة الحركة والتدخين والضغوط تلعب أدوارًا كبيرة.
ولهذا نعمل على الصحة التكاملية، وهي رؤية تنظر إلى صحة الإنسان بصورة شاملة، فلا تكتفي بعلاج المرض بعد حدوثه، وإنما تهتم أيضًا بالغذاء والحركة والحالة النفسية ونمط الحياة والوقاية.
يعمل مركز الصحة التكاملية داخل الجامعة وخارجها على هذه الفكرة، ولدينا مبادرات في المناطق الريفية تستهدف السيدات من زوايا متعددة، جسدية ونفسية ومهنية، إلى جانب مشروعات مرتبطة بالأطفال والكشف المبكر عن مشكلات أو إعاقات محتملة.
والكشف المبكر هنا مهم جدًا، لأن اكتشاف مشكلة لدى طفل بعد سنوات يختلف تمامًا عن اكتشافها في وقت يسمح بالتدخل.
وسط كل هذه الملفات، تطرحون فكرة «جامعة المستقبل».. ما هي الفجوة في النظام الجامعي الحالي ؟
أنا أحب أن أطرح السؤال بطريقة مختلفة.. لدينا جامعات عظيمة في العالم، ولدينا معرفة أكثر من أي وقت مضى، وملايين الأشخاص يحصلون على شهادات، ومع ذلك لدينا فقر ومرض وأزمات مياه وتغير مناخي ومشكلات اقتصادية.
إذن يجب أن نسأل أنفسنا: هل الجامعة بالشكل الموجود حاليًا تحقق كل ما نريده منها؟
هذا لا يعني أن الجامعة التقليدية فشلت، وإنما أنها يجب أن تتطور لأن العالم نفسه تغير.
نحن نحاول التفكير في جامعة المستقبل من خلال ثلاثة أدوار.
الأول أن تخرج إنسانًا مختلفًا، وليس مجرد صاحب شهادة.
الثاني أن تنتج بحثًا علميًا مرتبطًا بمشكلة حقيقية في المجتمع.
والثالث أن تكون الجامعة نفسها عنصرًا فاعلًا في التنمية.
لأن من سيحل مشكلات الطاقة والمياه والزراعة والصحة والاقتصاد مستقبلًا هم الخريجون الذين نعدهم اليوم.
إذا استخدمنا الطريقة نفسها في تعليمهم، فمن الصعب أن نتوقع نتائج مختلفة تمامًا.
وهل التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي جزء من هذا التصور أم أن هناك تعارضًا بينهما وبين رؤية الجامعة للتنمية المستدامة ؟
لا يوجد تعارض، أنا أرى الذكاء الاصطناعي باعتباره أداة تمكين، فالمطرقة نفسها يمكن أن تبني بيتًا ويمكن استخدامها بطريقة أخرى، المشكلة ليست في الأداة وإنما في الإنسان الذي يستخدمها.
لذلك، أطلقنا برنامج «الذكاء الاصطناعي في الأعمال» بكلية الأعمال والاقتصاد، لتأهيل الطلاب لدمج تقنيات الذكاء الاصطناعي في نماذج الأعمال عبر مختلف الصناعات.
تستضيف الجامعة يومي 16 و17 سبتمبر المقبل المؤتمر الدولي «التنمية المستدامة من أجل التأثير العالمي» بالتعاون مع سيكم ضمن أسبوع الاستدامة، ما الذي تريدون أن يكون مختلفًا فيه؟
من البداية لم نرد مؤتمرًا أكاديميًا بالشكل الذي نعرفه فقط.
البحث العلمي مهم جدًا، وسيكون هناك باحثون وأوراق علمية، لكن لا نريد أن يدخل الباحث القاعة ويعرض مجموعة من الشرائح التقديمية ثم يحصل على شهادة وينتهي كل شيء.
السؤال عندنا هو: ماذا حدث بعد البحث؟
هل جربت الفكرة؟ هل نجحت؟ ماذا تعلمت عندما فشلت؟ هل يستطيع شخص آخر تطبيقها؟
لذلك تمثل ورش العمل والتجارب العملية وقصص النجاح مساحة أساسية في المؤتمر.
شخص يأتي بتجربة طبقها بالفعل في دولة أو شركة أو قرية، وشخص آخر لديه تجربة مختلفة، والاثنان يجلسان في المكان نفسه.
هذا النوع من تبادل المعرفة بالنسبة لي أكثر قيمة من أن يسمع كل شخص الآخر ثم يعود كما جاء.
المؤتمر يناقش الأبعاد الأربعة التي نتعامل من خلالها مع التنمية المستدامة ، الثقافة والبيئة والمجتمع والاقتصاد، إلى جانب جامعات المستقبل والقيادة والتعاون، لكن الفكرة الأساسية هي الربط بينها.
المشكلة البيئية لديها جانب اقتصادي، والقرار الاقتصادي لديه أثر اجتماعي، والثقافة تؤثر في طريقة تعامل الناس مع الاثنين.
وهل سينتهي المؤتمر بتوصيات كما يحدث عادة؟
أنا شخصيًا لا أحب نموذج التوصيات التقليدية.
كلنا حضرنا مؤتمرات تنتهي بشريحة تقول: التوصية الأولى والثانية والثالثة وحتى العاشرة، ثم تمر شهور ولا يعرف أحد أين ذهبت التوصيات.
أفضل أن يخرج من المؤتمر شيء صغير لكن له أثر حقيقي.
برنامج تدريبي، شهادة مهنية، مشروع، تعاون بين جامعتين، شراكة بين شركة وباحث، أي شيء يمكن أن تقول بعد عام إنه بدأ هنا.
هذا بالنسبة لي «مخرج مؤتمر» حقيقي.
كما نسلط الضوء هذا العام على المنظمات والمبادرات التي تساهم في التنمية المستدامة للمجتمع المصري عبر إطلاق «جائزة سيكم للاستدامة». تشمل الجائزة ٥ فئات تعبر عن الأبعاد الأربعة للتنمية المستدامة: الثقافة، والبيئة، والاقتصاد، والمجتمع، إلى جانب فئة خاصة بالتميز في التنمية المستدامة. إن شغفنا بالتنمية المستدامة يتخطى حدود ما نعمل داخل مجتمعنا؛ ليصل إلى دعم، ومساندة، وتقدير تأثير الآخرين، فببساطة: لا يمكن لأحد أن يصنع التغيير بمفرده.