لم تعد اللغة الصينية في مصر مجرد تخصص جامعي نادر أو اختيار مختلف للطلاب الذين يبحثون عن لغة غير تقليدية، خلال العقود الأخيرة، تحولت الصينية تدريجيًا إلى واحدة من اللغات التي ترتبط في أذهان المصريين بالتعليم والعمل والتجارة والثقافة، وأصبحت بالنسبة إلى كثير من الشباب أداة للتواصل مع قوة اقتصادية وثقافية كبرى.
موضوعات مقترحة
البداية في الخمسينيات
القصة ليست جديدة. فقد بدأت دراسة اللغة الصينية في مصر منذ خمسينيات القرن الماضي، ثم تطورت بصورة مؤسسية داخل الجامعات. وتذكر وزارة التعليم الصينية أن تدريس الصينية في مصر بدأ عام 1957، وأن عددًا من الجامعات المصرية أنشأ أقسامًا متخصصة في اللغة الصينية، إلى جانب معاهد كونفوشيوس التي تقدم دورات تعليمية لآلاف الدارسين.
معهد كونفوشيوس
وكان إنشاء معهد كونفوشيوس بجامعة القاهرة عام 2007 محطة مهمة في هذا المسار، بالتعاون مع جامعة بكين للغات والثقافة، وأصبح المعهد جزءًا من شبكة أوسع لتعليم الصينية ونشر الثقافة الصينية في مصر.
ومع مرور الوقت لم تعد دراسة الصينية محصورة في الجامعات. ففي 2020 وقعت مصر والصين بروتوكول تعاون لإتاحة اللغة الصينية كلغة أجنبية ثانية اختيارية في مرحلة التعليم قبل الجامعي. وبدأ تنفيذ مشروع تجريبي في عدد من المدارس المصرية، بينما عملت وزارة التربية والتعليم على إعداد المناهج والكتب الخاصة بتدريس اللغة. وأكدت الوزارة المصرية أن إدخال الصينية إلى المدارس يتيح للأجيال الجديدة فرصة للتعرف على اللغة والثقافة الصينية في سن مبكرة.
- لكن لماذا يقبل المصريون على لغة تبدو، للوهلة الأولى، شديدة الصعوبة؟
الإجابة الأولى هي العمل.
فالعلاقات الاقتصادية المصرية الصينية توسعت بصورة كبيرة خلال السنوات الأخيرة، وارتبطت مصر بمشروعات وشركات صينية في مجالات الصناعة والطاقة والبنية التحتية والنقل والاتصالات وغيرها. وتؤكد وزارة الخارجية الصينية أن التعاون بين البلدين توسع في مجالات الاقتصاد والثقافة والتعليم والإعلام، وأن حجم التجارة الثنائية وصل في 2024 إلى نحو 17.378 مليار دولار.
وبالتالي أصبح الموظف الذي يتحدث العربية والصينية يمتلك ميزة إضافية في سوق العمل؛ فهو يستطيع التواصل مباشرة مع الموظفين والخبراء والمديرين الصينيين، بدلًا من الاعتماد الكامل على وسيط لغوي.
الجامعات المصرية
وتظهر هذه الحقيقة بوضوح في الجامعات المصرية. ففي 2023 نظمت كلية الألسن بجامعة عين شمس، بالتعاون مع معهد كونفوشيوس وغرفة التجارة الصينية، لقاءً لتعريف طلاب قسم اللغة الصينية بمتطلبات سوق العمل، وشارك فيه ممثلون عن شركات صينية مستثمرة في مصر.
وفي جامعة القاهرة، استضافت الجامعة اختبارات HSK الدولية للغة الصينية بهدف دعم فرص الدراسة والتوظيف في الصين، وشارك في الدورة ممثلون عن 22 جامعة صينية. وأشارت تصريحات المسؤولين خلال الفعالية إلى أن انتشار دراسة الصينية في مصر يرتبط أيضًا بالفرص التي توفرها الشركات والمؤسسات الصينية للمتحدثين باللغة.
أما جامعة قناة السويس، القريبة من واحدة من أهم مناطق التعاون الصناعي الصيني في مصر، فقد ربطت دراسة اللغة الصينية بصورة مباشرة بسوق العمل. وأشارت الجامعة إلى تنظيم ملتقيات توظيف للشركات الصينية العاملة في مصر، مع وجود فرص للمهندسين والمحاسبين والإداريين والمترجمين وغيرهم.
الوظيفة ليست السبب الوحيد
هناك جاذبية ثقافية متزايدة أيضًا. فالصين بالنسبة إلى بعض الشباب المصريين ليست مجرد دولة ذات اقتصاد ضخم، وإنما عالم ثقافي مختلف: السينما، والموسيقى، وفنون القتال، والطعام، والتاريخ، والفلسفة، واللغة ذاتها.
وهذا ما تكشفه شهادات طلاب مصريين تحدثوا عن تجربتهم مع اللغة الصينية؛ فقد ربط بعضهم قرار تعلمها بالإعجاب بالثقافة الصينية وفنون الكونغ فو، بينما رأى آخرون فيها فرصة عملية للحصول على وظيفة في الشركات الصينية الموجودة في مصر.
اللغة في اتجاهين
وهكذا تعمل اللغة في اتجاهين: الصيني الذي يتعلم العربية يقترب من المجتمع المصري، والمصري الذي يتعلم الصينية يقترب من المجتمع الصيني. وكلما زاد عدد المتحدثين باللغتين، أصبح التواصل أقل اعتمادًا على الترجمة وأكثر اعتمادًا على الفهم المباشر.
وهذا البعد الثقافي أصبح أكثر وضوحًا في السنوات الأخيرة. ففي أبريل 2026 شارك طلاب مصريون وصينيون في فعالية ثقافية بالقاهرة بمناسبة يوم اللغة الصينية في الأمم المتحدة، وقدم الطلاب أغاني وعروضًا بالصينية والعربية، إلى جانب عروض فنية صينية ومصرية.
كما أن العلاقة لا تتوقف عند تعلم المفردات والقواعد. فمسابقات مثل «جسر اللغة الصينية» تمنح الطلاب المصريين فرصة للتنافس باللغة الصينية والتعرف على الثقافة الصينية، بل والسفر إلى الصين في المراحل الدولية. وفي 2026 حصل قسم اللغة الصينية بجامعة القاهرة على مركز متقدم في المسابقة المصرية وتأهل لتمثيل مصر في النهائيات العالمية.
ومن هنا يمكن فهم سبب تحول الصينية إلى «جسر» ثقافي حقيقي. فاللغة لا تنقل الكلمات فقط؛ إنها تنقل طريقة التفكير، والتاريخ، والعادات، والأدب، والفنون، وحتى التفاصيل اليومية في حياة المجتمع.
واللافت أن هذا الجسر يعمل في الاتجاهين. فالصينيون لديهم اهتمام متزايد بمصر وحضارتها، وهو ما ظهر بوضوح في المعرض الكبير للحضارة المصرية القديمة الذي أقيم في متحف شنغهاي بين 2024 و2025، وجذب 2.77 مليون زائر وفق مصادر صينية رسمية. وفي المقابل يتزايد اهتمام المصريين باللغة والثقافة الصينية.
وفي عام 2026، مع احتفال مصر والصين بمرور 70 عامًا على العلاقات الدبلوماسية، لم تعد اللغة الصينية مجرد مادة دراسية. إنها أصبحت جزءًا من شبكة أوسع من العلاقات الإنسانية والتعليمية والثقافية والاقتصادية.
وربما تكون هذه هي أهم نقطة في القصة كلها: العلاقات بين الدول قد تبدأ بالسياسة، وتكبر بالاقتصاد، لكنها تصبح أكثر رسوخًا عندما تتحول إلى معرفة متبادلة بين الشعوب. واللغة هي أبسط وأعمق أدوات هذه المعرفة.
فالمصري الذي يتعلم الصينية لا يتعلم كيف يقول جملة بلغة أخرى فقط؛ إنه يفتح نافذة على مجتمع كامل. وفي المقابل، كل صيني يتعلم العربية أو يقترب من الثقافة المصرية يفتح نافذة أخرى. وبين النافذتين يتشكل جسر حقيقي، تعبر فوقه المعرفة والصداقة والعمل والثقافة.