تأتي المحطات المفصلية في العلاقات الدولية لتسلط الضوء على عمق الشراكات الاستراتيجية بين الدول، وفي مقدمتها العلاقات المصرية الصينية التي تمتد لسبعة عقود من التعاون المتبادل.
موضوعات مقترحة
ومع التحولات الاقتصادية العالمية والتطور المستمر في حجم التبادل التجاري والمشروعات الاستثمارية المشتركة، يتزايد التركيز على تعميق التوطين الصناعي والتكنولوجي، وتوسيع مجالات التعاون المالي، وتعظيم الاستفادة من مبادرة «الحزام والطريق» وتكتل «البريكس».
وفي هذا الحوار الشامل، يجيب محمد علاء، الأمين العام لمؤسسة رجال الأعمال المصريين الصينيين، على أهم الأسئلة التي ترسم ملامح وتطلعات المستقبل الاقتصادي بين القاهرة وبكين.
كيف تقيّمون مسار العلاقات الاقتصادية بين البلدين خلال العقود السبعة الماضية؟
أهم ما يميز العلاقات المصرية الصينية هو أنها لم تبقَ أسيرة اللحظة التي بدأت فيها قبل سبعين عامًا، وإنما تطورت مع تطور البلدين والنظام الدولي نفسه، فمصر كانت في عام 1956 أول دولة عربية وإفريقية تقيم علاقات دبلوماسية مع جمهورية الصين الشعبية.
واليوم نحن لا نتحدث فقط عن دولتين تتبادلان السلع، وإنما عن شراكة استراتيجية شاملة تشمل التجارة والاستثمار والصناعة والبنية التحتية والطاقة والتكنولوجيا والتمويل والتعليم، إلى جانب التنسيق السياسي، والتحول الأهم في تقديري حدث عندما بدأنا ننتقل من مفهوم «التجارة مع الصين» إلى مفهوم «الإنتاج مع الصين»، ولدينا استثمارات صينية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، وفي تيدا، وفي الطاقة والصناعات الهندسية والمنسوجات والإلكترونيات ووسائل النقل، كما نرى توجهًا متزايدًا نحو توطين صناعات جديدة، ومنها توربينات الرياح وأنظمة تخزين الطاقة.
ما الذي تحتاجه مصر لتحقيق قدر أكبر من التوازن في الميزان التجاري بين البلدين؟
النمو في حجم التجارة مؤشر إيجابي على عمق العلاقات الاقتصادية، لكنه لا يجب أن يجعلنا نتجاهل وجود اختلال واضح في الميزان التجاري لصالح الصين، ولمعالجة هذا نحتاج إلى نظرة مختلفة؛ فالحل ليس أن نقول ببساطة إن مصر يجب أن تستورد أقل من الصين، لأن جزءًا مهمًا من الواردات الصينية عبارة عن آلات ومعدات ومكونات ومدخلات إنتاج يحتاج إليها الاقتصاد المصري.
وهنا أرى مسارين متوازيين، توطين الواردات: عندما نجد سلعة أو مكونًا تستورده مصر بكميات كبيرة بصورة مستمرة، علينا أن نبحث مع الشركات الصينية إمكانية تصنيعها في مصر، وبنسبة مكون محلي تتزايد تدريجيً، ومضاعفة الصادرات المصرية فلدينا فرصة كبيرة مع التسهيلات الجديدة التي تتيح وصولًا أفضل للمنتجات المصرية إلى السوق الصينية، لكن الاستفادة منها تحتاج إلى قدرة إنتاجية وتصديرية أكبر، وبالتالي فإن التوازن التجاري الحقيقي لا يتحقق بإغلاق باب الاستيراد، وإنما ببناء قدرة إنتاجية وتصديرية مصرية أقوى.
في ضوء زيارة الرئيس الصيني إلى مصر ما القطاعات التي تمتلك الفرص الأكبر لجذب استثمارات صينية جديدة؟
هذه الزيارة يمكن أن تمثل انتقالًا مهمًا من مرحلة جذب الاستثمار الصيني إلى مرحلة اختيار الاستثمار الصيني الذي يخدم الأولويات الاستراتيجية للاقتصاد المصري، وأرى عدة قطاعات رئيسية في المقدمة على رأسها البتروكيماويات والصناعات الثقيلة، الطاقة الجديدة والمتجددة، التكنولوجيا والبنية التحتية الرقمية، الزراعة والتصنيع الغذائي، السيارات ومكوناتها، الإلكترونيات، والتعدين والصناعات المرتبطة به، وهناك أيضًا ملفات كبيرة محتملة ترتبط بالزيارة والمباحثات الجارية، من بينها مشروع بتروكيماويات ضخم على البحر الأحمر، ومشروعات تكنولوجية وبنية تحتية رقمية بالتعاون مع شركات صينية كبرى مثل هواوي، واستثمارات جديدة في الزراعة والطاقة المتجددة، ومن المهم التعامل مع هذه الملفات باعتبارها مجالات محتملة للتعاون إلى أن يتم الإعلان رسميًا عن الاتفاقات النهائية.
المستوى التالي يجب أن يكون توطينًا أعمق، عبر ربط التوسع في المشروعات بنسب متزايدة للمكون المحلي، ومساعدة الشركات المصرية الصغيرة والمتوسطة على دخول سلاسل التوريد، وإنشاء برامج تدريب ونقل معرفة، ثم الانتقال تدريجيًا إلى التصميم والهندسة والبحث والتطوير. هدفنا لا يجب أن يكون فقط أن تضع الشركات الصينية عبارة «صنع في مصر» على منتجاتها؛ بل أن تصبح مصر نفسها جزءًا من التكنولوجيا وسلسلة القيمة التي صنعت هذا المنتج.
كيف يمكن لمصر تعظيم استفادتها من مبادرة «الحزام والطريق» خلال المرحلة المقبلة؟
مصر تمتلك واحدًا من أهم المواقع على طريق الحرير الحديث، لكن الموقع وحده لا يصنع قيمة اقتصادية، فالأهم هو كم من هذه التجارة نستطيع أن نحتفظ بجزء من قيمتها داخل الاقتصاد المصري؟، وهنا تأتي أهمية المنطقة الاقتصادية لقناة السويس وتيدا، فتيدا نموذج مهم لأنها لا تستقطب شركة منفردة فقط، وإنما تساعد على بناء نظام صناعي متكامل: مطور صناعي، ومصانع، وموردون، وخدمات لوجستية، واتصال بالموانئ والأسواق.
وما أتمناه للمرحلة المقبلة هو تطوير هذه الفكرة من نموذج صيني ناجح داخل مصر إلى سياسة أوسع لبناء تجمعات صناعية دولية متخصصة، يمكن أن تكون لدينا تجمعات صينية في صناعات معينة، وأخرى ألمانية أو فرنسية أو كورية أو يابانية في صناعات تمتلك فيها هذه الدول مزايا تنافسية، لأن مستقبل الاستثمار الأجنبي ليس فقط في جذب الشركات منفردة، وإنما في جذب سلاسل القيمة كاملة. قناة السويس يجب ألا تكون مجرد طريق تمر عليه التجارة بين آسيا وأوروبا؛ يجب أن تصبح مكانًا تُصنع فيه هذه التجارة أيضًا.
ما فرص توسيع آليات مبادلة العملات والتعاون مع نظام CIPS؟
هذا ملف استراتيجي مهم، ولكن يجب التعامل معه بمنطق اقتصادي وليس بشعارات سياسية، فمصر والصين لديهما حجم تجارة كبير، وبالتالي من الطبيعي أن نبحث عن أدوات تقلل تكلفة المعاملات، وتوفر سيولة بالعملات المطلوبة، وتقلل الاعتماد غير الضروري على عملة وسيطة في كل عملية تجارية. وقد شهدنا بالفعل خطوات عملية في اتفاقيات مبادلة العملات والتمويلات المقومة باليوان.
أما التوسع في استخدام أنظمة مثل CIPS، فأراه فرصة تستحق الدراسة من المؤسسات المصرفية المختصة، خصوصًا إذا أدى ذلك إلى تسهيل المدفوعات المباشرة بين الشركات المصرية والصينية وخفض الوقت والتكلفة.
لذا فإن تنويع العملات لا يعني استبدال عملة مهيمنة بعملة أخرى. الهدف المصري يجب أن يكون بناء مرونة مالية أكبر واختيار الأداة الأنسب لكل علاقة تجارية، القوة ليست في الانتقال من الاعتماد على عملة واحدة إلى الاعتماد على عملة أخرى؛ القوة في امتلاك بدائل متعددة والقدرة على اختيار ما يخدم المصلحة المصرية.
ما رأيكم في دراسة إصدار مصر شريحة جديدة من «سندات الباندا» في السوق الصينية لتنويع مصادر التمويل الخارجي؟
هذه التجربة تستحق التوسع، بشرط أن يكون القرار مبنيًا دائمًا على مقارنة دقيقة بين تكلفة التمويل، والأجل، ومخاطر العملة، واستخدام حصيلة الإصدار، فالميزة الاستراتيجية لسندات الباندا ليست فقط أنها مصدر تمويل، وإنما هي تمنح مصر إمكانية الوصول إلى قاعدة مختلفة من المستثمرين داخل واحد من أكبر أسواق رأس المال في العالم. وهذا يتفق مع سياسة تنويع مصادر التمويل وعدم الاعتماد بصورة مفرطة على سوق أو عملة واحدة، وهنا يكمن السؤال المهم ماذا سنفعل بهذا التمويل؟.. إذا تمكنا من ربط جزء أكبر من التمويلات الخارجية بمشروعات إنتاجية أو بنية تحتية ترفع القدرة التصديرية وتولد تدفقات مستقبلية من العملة الأجنبية، تصبح المعادلة أكثر استدامة. تنويع الدين أمر مهم، لكن الأهم هو تنويع مصادر العملة الأجنبية التي يستطيع الاقتصاد المصري توليدها لسداد هذا الدين.
ما أبرز فرص التعاون المصري الصيني في قطاعات الطاقة الجديدة والمتجددة والتعدين؟
الصين تمتلك قدرات صناعية وتكنولوجية هائلة في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والبطاريات وأنظمة التخزين، بينما مصر تمتلك موارد طبيعية ممتازة، ومساحات كبيرة، وموقعًا يسمح لها بخدمة أسواق محلية وإقليمية ودولية.
ونحن بدأنا بالفعل نرى الانتقال من شراء التكنولوجيا إلى توطين صناعتها، مع مشروعات واتفاقات لتوطين مكونات طاقة الرياح وأنظمة تخزين الطاقة داخل مصر.
أما التعدين، فأعتقد أننا بحاجة إلى تغيير فلسفة التعامل معه. لدينا فوسفات ورمال سيليكا وكوارتز ومعادن وخامات أخرى. القيمة الحقيقية ليست في استخراجها ثم تصديرها خامًا، وإنما في التصنيع والمعالجة وتعظيم القيمة المضافة داخل مصر.
كيف يمكن تعزيز التعاون المصري الصيني في مجال الأمن الغذائي وزيادة نفاذ الصادرات الزراعية المصرية إلى السوق الصينية؟
علينا التعامل مع الزراعة في العلاقة مع الصين من زاويتين: الأمن الغذائي والاستثمار الزراعي من ناحية، والتصدير إلى السوق الصينية من ناحية أخرى، الصين سوق كبير ، ومصر تمتلك ميزة تنافسية حقيقية في عدد من المنتجات الزراعية، ونجحنا بالفعل في بناء حضور لمنتجات مثل الموالح والفراولة المجمدة وغيرها، لكن لدينا تحديات غير جمركية مهمة: الاشتراطات الصحية، والتسجيل، والتتبع، والحجر الزراعي، واستمرارية الجودة، وحجم الكميات، وسلاسل التبريد، واللوجستيات، وفهم السوق الصينية، ويجب أن ننتقل من مفهوم تصدير المحصول إلى مفهوم بناء سلسلة غذاء مصرية موجهة للصين: نحدد المنتجات التي تمتلك مصر فيها ميزة تنافسية، ونخطط للإنتاج وفقًا لمتطلبات السوق الصينية، ونطور التعبئة والتغليف وسلاسل التبريد، وندخل شركاء صينيين في التوزيع والتسويق. وفي الجانب الآخر، يمكن جذب استثمارات صينية في التكنولوجيا الزراعية والري الحديث والصوب والبذور والتصنيع الغذائي. الإعفاء الجمركي يفتح لنا الباب، لكنه لا يضمن دخولنا منه. مسؤوليتنا أن نبني المنتج المصري القادر على المنافسة.
بعد انضمام مصر إلى تجمع «البريكس»، كيف يمكن استثمار الشراكة مع الصين لتعزيز التجارة والاستثمار والاستفادة من آليات التمويل التنموي؟
مصر نجحت خلال السنوات الماضية، بقيادة السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي، في بناء توازن استراتيجي في علاقاتها الدولية: شراكات قوية مع الصين وروسيا، وفي الوقت نفسه علاقات استراتيجية مع الولايات المتحدة وأوروبا، بالإضافة إلى دوائرنا العربية والإفريقية. وهذا التنوع مصدر قوة، لأن قيمة البريكس بالنسبة لمصر تكمن في إضافة أدوات جديدة إلى السياسة الاقتصادية الخارجية المصرية: أسواق، وتمويل، واستثمار، وعملات محلية، وبنك التنمية الجديد، وشبكة من الاقتصادات الصاعدة الكبرى، والصين يمكن أن تكون شريكًا مهمًا في تحويل عضويتنا إلى نتائج ملموسة، مشروعات مشتركة، تمويل بنية تحتية، تصنيع، دخول سلاسل قيمة، واستثمارات مصرية صينية مشتركة تتوجه إلى إفريقيا.
تمتلك الصين تجربة واسعة في دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة .. ما أوجه الاستفادة التي يمكن لمصر أن تحققها من هذه التجربة؟
في رأيي هذه واحدة من أهم التجارب التي يمكن أن نتعلم منها، عندما ننظر إلى شركة صناعية صينية عملاقة، نرى العلامة التجارية الكبرى، لكن خلفها توجد شبكة ضخمة من الشركات الصغيرة والمتوسطة التي تصنع المكونات وتقدم الخدمات والتكنولوجيا واللوجستيات، وهذا هو ما يصنع عمق الصناعة.
ومن هنا يمكن إنشاء برامج لتطوير الموردين تربط المصانع الصينية الكبرى بمئات الشركات المصرية الصغيرة والمتوسطة، مع التدريب والتمويل ونقل المعرفة ومعايير الجودة. وهنا تصبح كل شركة أجنبية كبيرة تدخل مصر مدرسة صناعية لمجموعة من الشركات المصرية حولها. قوة الاقتصاد الصناعي لا تُقاس فقط بعدد المصانع الكبرى، وإنما بعدد الشركات المحلية القادرة على الدخول في سلاسل إنتاجها.
في ضوء الزخم الذي تمثله زيارة الرئيس شي جينبينغ إلى مصر.. ما النتائج الاقتصادية المتوقعه وأولويات ضرورة البناء عليها؟
هذه الزيارة يمكن أن تكون زيارة انتقال من مرحلة الشراكة الواسعة إلى مرحلة الشراكة الاستراتيجية المنتجة، فالعلاقة السياسية بين مصر والصين وصلت إلى مستوى متقدم جدًا، وهناك ثقة متراكمة على مدار سبعين عامًا، وزخم واضح في العلاقة بين السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي والرئيس الصيني شي جينبينج، والتحدي الآن هو أن نترجم هذه القوة السياسية إلى قدرات اقتصادية جديدة داخل مصر.
أما بالنسبة لنا في مؤسسة رجال الأعمال المصريين الصينيين، فأعتقد أن دورنا ليس أن نحل محل المؤسسات الحكومية، وإنما أن نكون جسرًا فعالًا بين مجتمعي الأعمال؛ نساعد المستثمر الصيني على فهم مصر والوصول إلى الفرصة والشريك والمؤسسة الصحيحة، وفي الاتجاه الآخر نساعد الشركات المصرية على فهم الصين والوصول إلى أسواقها وشركائها.
محمد علاء، الأمين العام لمؤسسة رجال الأعمال المصريين الصينيين