اختتمت مكتبة الإسكندرية فعاليات الدورة الثالثة والعشرين من مهرجان الصيف الدولي، في واحدة من أبرز التظاهرات الفنية والثقافية التي تحتضنها المكتبة كل عام، مؤكدةً مكانتها بوصفها أحد أهم المنابر الثقافية والفنية في مصر والمنطقة العربية. وعلى مدار أيام المهرجان، احتضنت المكتبة أكثر من 50 فعالية فنية وثقافية، تنوعت بين الحفلات الموسيقية والغنائية، والعروض المسرحية، والسينما، والرقص، وورش العمل، والندوات واللقاءات الفنية، بمشاركة نخبة من الفنانين المصريين والعرب والدوليين، في برنامج استطاع أن يجمع بين الأسماء الجماهيرية الكبيرة والتجارب الفنية المستقلة والمواهب الشابة، ليقدم للجمهور تجربة ثقافية وفنية ثرية ومتنوعة تناسب مختلف الأعمار والاهتمامات.
ولم يكن المهرجان مجرد مجموعة من الحفلات والعروض المتتابعة، وإنما جاء انعكاسًا لرؤية ثقافية تسعى إلى جعل الفن متاحًا للجميع، وإلى تحويل المكتبة إلى فضاء نابض بالحياة تتقاطع فيه المعرفة مع الإبداع، ويلتقي فيه الجمهور بالفنانين والمبدعين، بما يعزز دور المؤسسات الثقافية في بناء الإنسان والارتقاء بالذوق العام.
شهد البرنامج مشاركة عدد كبير من الأسماء الفنية البارزة، من بينهم الفنان علي الحجار، والموسيقار عمر خيرت بمصاحبة أوركسترا مكتبة الإسكندرية، والفنان هشام عباس، والفنانة مروة ناجي بمصاحبة أوركسترا شباب مكتبة الإسكندرية، إلى جانب الموهبة الصاعدة سمر طارق. كما شاركت مجموعة من الفرق والتجارب الموسيقية المتنوعة، من بينها طارق العربي طرقان وعائلته، ووسط البلد، وفؤاد ومنيب، وحافظ وبستان، وديسكو مصر، وفلكلوريتا، إلى جانب حفلات إيجيبسانا بقيادة محمد منصور، وهاي دام، والحضرة للإنشاد الصوفي، وأندروميدا.
ولأن الفن لغة عالمية تتجاوز الحدود، حرص مهرجان الصيف الدولي على توسيع مساحة المشاركة العربية والدولية، حيث شهدت فعالياته حضور تجارب موسيقية من الأردن وسوريا وهولندا والولايات المتحدة وألمانيا. وقد شارك من الأردن فريقا جدل وأوتوستراد، كما حضرت الفنانتان لينا شاماميان وغالية من سوريا، إلى جانب جون والتر وماريسا ساردو من هولندا والولايات المتحدة، وفرقة رايز أوف لايت من ألمانيا. وقد أسهم هذا التنوع في فتح نافذة جديدة للجمهور المصري على مدارس موسيقية وتجارب فنية مختلفة، وفي الوقت نفسه أتاح للفنانين المشاركين التعرف إلى الجمهور المصري وخصوصية المشهد الثقافي والفني في الإسكندرية، لتتحول الفنون إلى جسور حقيقية للتواصل بين الشعوب والثقافات.
ولم تقتصر فعاليات المهرجان على الموسيقى والغناء، بل امتدت إلى المسرح وفنون الأداء، حيث قدم مجموعة من العروض المسرحية، من بينها "الأوفريندا"، و"القضية اللي هي"، و"جسم وأسنان وشعر مستعار"، و"أنا كارمن". كما شهد البرنامج عروضًا لـ "الستاند أب كوميدي" بمشاركة الفنانين محمد حلمي وطارق الإبياري، إلى جانب عروض الرقص المعاصر والتنورة والكوريغرافيا والعروض الأدائية، بما يعكس اتساع مفهوم المهرجان وحرصه على تقديم الفنون بمختلف أشكالها ومدارسها. وتضمن البرنامج لقاءات مع المخرج خالد جلال والشاعر الغنائي بهاء الدين محمد، إلى جانب ندوتين تناولتا تاريخ الفرق الموسيقية المستقلة وتطور تجربة فرقة مسار إجباري.
يأتي هذا التنوع الفني ليؤكد أن مكتبة الإسكندرية لا تنظر إلى الفن باعتباره وسيلة للترفيه فقط، بل باعتباره أداة للتعبير الإنساني، ومساحة للحوار، ووسيلة لاكتشاف المواهب وتنمية القدرات الإبداعية لدى الشباب. ومن أهم عناصر نجاح مهرجان الصيف الدولي قدرته على مخاطبة أجيال مختلفة في الوقت نفسه. فبينما يجد عشاق الطرب والموسيقى أسماء فنية كبيرة، يجد الشباب تجارب مستقلة وموسيقى معاصرة، بينما يحظى الأطفال والأسر بعروض تناسب اهتماماتهم.
إن نجاح الدورة الثالثة والعشرين من مهرجان الصيف الدولي يؤكد مجددًا أن مكتبة الإسكندرية لا تؤدي دورها باعتبارها مكتبة بالمعنى التقليدي فقط، وإنما تمثل مؤسسة ثقافية وتنويرية متكاملة، تمتد رسالتها إلى مجالات الفنون والثقافة والمعرفة والحوار والتواصل بين الشعوب.
وتتمثل أهمية هذا الدور في أن الثقافة والفنون تمثلان إحدى أهم أدوات القوة الناعمة للدولة المصرية، لما تمتلكه مصر من رصيد حضاري وفني وثقافي قادر على التواصل مع العالم والتأثير فيه.
ومن هذا المنطلق، فإن استضافة فنانين وفرق عربية ودولية، إلى جانب الفنانين المصريين، تجعل من مهرجان الصيف الدولي مساحة للتبادل الثقافي والحوار الحضاري، وتمنح مدينة الإسكندرية حضورًا إضافيًا على خريطة الفعاليات الثقافية والفنية الدولية.
وراء هذا النجاح الكبير منظومة متكاملة من العمل الجماعي والتنسيق بين قطاعات وإدارات مكتبة الإسكندرية، وهو ما يستحق الإشادة والتقدير. وفي مقدمة هذه المنظومة يأتي مركز الفنون بمكتبة الإسكندرية، الذي تولى مسؤولية الإعداد الفني والتنظيمي للمهرجان، بالتعاون والتنسيق مع مختلف قطاعات المكتبة، وفي مقدمتها قطاع العلاقات الخارجية والإعلام، قطاع التأمين الداخلي، القطاع المالي والإداري، القطاع الهندسي، وقطاع تكنولوجيا المعلومات.
إن إقامة أكثر من خمسين فعالية خلال فترة زمنية قصيرة، واستقبال هذا العدد الكبير من الفنانين والجمهور، يحتاج إلى جهد استثنائي وتنسيق دقيق يبدأ قبل انطلاق المهرجان ويستمر حتى إسدال الستار على آخر فعالياته. ومن هنا، فإن النجاح الحقيقي للمهرجان لا يتمثل فقط في أسماء الفنانين المشاركين أو أعداد الجمهور، وإنما أيضًا في تلك المنظومة التي تعمل بعيدًا عن الأضواء لتوفير كل ما يلزم من تجهيزات فنية ولوجستية وأمنية وإدارية وتقنية، بما يضمن تجربة تليق باسم مكتبة الإسكندرية ومكانتها.
ومع إسدال الستار على الدورة الثالثة والعشرين من مهرجان الصيف الدولي، لا تنتهي الحكاية، وإنما تبدأ مرحلة جديدة من العمل والتطوير والتفكير في الدورة المقبلة. فكل دورة ناجحة تضع سقفًا جديدًا للتحدي، وتفرض مسؤولية أكبر على القائمين عليها للحفاظ على المكتسبات، وتقديم تجارب أكثر تنوعًا وتميزًا، واستقطاب مزيد من الأسماء الفنية، مع الحفاظ في الوقت ذاته على دعم المواهب الشابة والتجارب المستقلة.
ويبقى الأمل أن تحمل الدورات القادمة المزيد من النجاح والتميز، وأن يظل مهرجان الصيف الدولي موعدًا ينتظره رواد مكتبة الإسكندرية كل عام، باعتباره احتفالية فنية وثقافية تعكس روح المدينة وتنوعها، وتؤكد أن الثقافة والفن قادران على صناعة الفرح، وبناء الوعي، ومد جسور التواصل بين الإنسان والإنسان.
وفي الختام، تستحق مكتبة الإسكندرية كل التقدير على دورها الثقافي والتنويري الرائد، وعلى إسهامها المتواصل في إثراء الحركة الفنية والثقافية على المستويين المحلي والدولي، كما يستحق جميع القائمين على مهرجان الصيف الدولي خالص الشكر والعرفان على ما بذلوه من جهد وعمل دؤوب وتعاون صادق أسهم في خروج الدورة الثالثة والعشرين بهذه الصورة المشرفة التي تليق باسم المكتبة ومكانتها.
ويبقى مهرجان الصيف الدولي شاهدًا جديدًا على أن الفن حين يجد مؤسسة تؤمن برسالته، يتحول من مجرد عرض إلى طاقة إنسانية وثقافية تصنع أثرًا ممتدًا؛ وأن مكتبة الإسكندرية، بما تمتلكه من رؤية وإمكانات، ستظل مساحة مفتوحة للإبداع، ومنارة للمعرفة، وجسرًا يصل مصر بالعالم عبر لغة لا تحتاج إلى ترجمة... لغة الفن والثقافة.