هناك مواقف صغيرة نمر بها كل يوم، ثم نكتشف بعد لحظات أنها لم تكن صغيرة كما ظننا؛ مشهد عابر، كلمة قاسية، ضحكة في غير موضعها، أو طفل يتحدث بلغة لا تشبه عمره، فتظل الصورة عالقة في القلب أكثر مما ينبغي..
كنت في طريقي إلى النادي للتريض، وفي أحد أروقته استوقفني مشهد أطفال صغار يمارسون لعبة كرة السلة. غير أن ما لفت انتباهي لم يكن اللعب، بل كلمات قاسية وشتائم نابية يتبادلها أحدهم مع زميله؛ كلمات تفوق سنوات عمرهم الغضة.
توقفت أراقب المشهد في دهشة، لأكتشف أن الأمر لم يكن ثورة غضب عابرة، ولا مشاجرة خرجت فيها العبارات عن السيطرة، بل كانت تلك لغتهم اليومية، يتبادلونها بلا حرج أو اكتراث، وكأن الألفاظ الجارحة فقدت قدرتها على الصدمة، وأصبحت جزءًا من حديثهم المعتاد.
تركتني تلك اللحظة أمام سؤال مؤلم: متى تبلد حسّنا حتى صار اللفظ الجارح أليفًا إلى هذا الحد؟! وأين كان المدرب في تلك اللحظة؟! وهل مر هذا الحديث الخادش على أذنيه دون أن يحرك ساكنًا؟!
ربما لم تعد هذه المشاهد مجرد تصرفات فردية. طفل يسب زميله، جار يدخل في مشاجرة بسبب موقف بسيط، أو رجل يتطاول على امرأة في الشارع؛ صور متفرقة، لكنها قد تشير إلى خلل أعمق: تراجع في التربية، وتآكل في المروءة، وجوع في الروح.
في زمن مضى، كانت كلمة "عيب" أو "ما يصحش" كافية أحيانًا لترد إنسانًا عن كلمة أو تمنعه من تجاوز. لم تكن الحياة أكثر رحمة، ولم تكن كل البيوت ميسورة، وعرفت أجيال سابقة ضيق اليد وبساطة المعيشة، لكن كانت هناك حدود يعرف الجميع تقريبًا أنها لا تتجاوز: الحياء، واحترام الكبير، وحرمة الجار، والخوف من أن تؤذي كلمة قلبًا.
أما اليوم، فقد أصبحنا نركض خلف ضرورات الحياة، ونستنزف أنفسنا في توفير المسكن والملبس والتعليم، وفي شراء أحدث الأجهزة لأبنائنا. وقد نقع، دون أن نشعر، في وهم أن الوفرة المادية تعني أننا أدينا مهمتنا كاملة.
لكن الإنسان لا يحتاج إلى ما يملأ معدته فقط؛ بل يحتاج أيضًا إلى ما يملأ قلبه وعقله وروحه.
لقد اهتممنا كثيرًا بتغذية الأجساد، وربما لم ننتبه بالقدر نفسه إلى غذاء الأرواح. والأبناء لا يتعلمون من البيت وحده، بل يتلقون كل يوم دروسًا من الشارع والشاشات ومواقع التواصل، ومن النماذج التي يرونها أمامهم؛ ولذلك تصبح القدوة أكثر تأثيرًا من النصائح؛ فالطفل قد ينسى ما نقوله له، لكنه يتذكر ما يراه فينا.
ومع اقتراب عودة المدارس في منتصف سبتمبر، يبرز سؤال مهم: هل تستطيع المدرسة أن تستعيد دورها التربوي إلى جانب دورها التعليمي؛ فالمدرسة ليست مكانًا لحفظ المناهج والاستعداد للامتحانات فقط، وإنما يمكن أن تكون مساحة لتكوين الإنسان.
نحتاج إلى مدرسة تهتم بشخصية الطالب بقدر اهتمامها بدرجاته، وتعطي الرياضة والفنون والقراءة والأنشطة مكانتها، وتعلم الطفل احترام المدرس وزملائه، وعفة اللسان، والانضباط، وتحمل المسئولية.
فالتعليم الذي لا يصنع إنسانًا قادرًا على احترام نفسه والآخرين، يظل تعليمًا ناقصًا مهما ارتفعت درجاته. والأسرة المرهقة تحتاج إلى مدرسة تشاركها مهمة التربية، لا إلى مؤسسة تكتفي بتقديم الدرجات والشهادات.
لكن قبل أن نسأل: ماذا يتعلم أبناؤنا؟ ربما علينا أن نسأل أنفسنا: ماذا يرون فينا؟ فالمشكلة لا تقف عند قسوة الألفاظ، وإنما تمتد أحيانًا إلى قسوة أخرى أكثر هدوءًا: انشغالنا المفرط بالآخرين، ومراقبة تفاصيل حياتهم، والتقاط عثراتهم، ثم المسارعة إلى إصدار الأحكام.
صرنا أحيانًا نراقب الآخرين لا لنرحمهم، وإنما لنحاكمهم، متناسين أن لكل إنسان معركته التي لا نراها. والمجتمع الذي يفقد قدرته على الرحمة يتحول إلى ساحة للمراقبة والترصد، بدلاً من أن يكون مساحة للتراحم والتعاون والستر، الروح، مثل الجسد، تحتاج إلى غذاء. قد يكون غذاؤها في كتاب يفتح نافذة جديدة للعقل، أو في موسيقى راقية تهذب الوجدان، أو في تأمل هادئ في جمال خلق الله، أو في عمل خير لا ننتظر عليه شكرًا، أو في كلمة طيبة نقولها لإنسان أنهكه التعب.
الجمال ليس ترفًا نؤجله إلى أوقات الفراغ؛ إنه ضرورة تحمي الإنسان من القسوة والسطحية، أبناؤنا لا يحتاجون فقط إلى الملابس الجديدة، والأجهزة الحديثة، والنوادي الأنيقة، بل يحتاجون إلى أبٍ وأمٍّ يكونان قدوة، ومدرسٍ ومدربٍ يربيان بقدر ما يعلمان، وبيت يعرف أن الاعتذار قوة لا ضعفًا، وأن الاختلاف لا يلغي الاحترام.
أبناؤنا يحتاجون إلى استعادة جوهر القيم التي جاءت بها الكتب السماوية؛ قيم الرحمة والتسامح والصدق وعفة اللسان وصون كرامة الإنسان؛ فالدين في جوهره أخلاق تظهر حين نختلف، ورحمة تظهر حين نملك القدرة على الأذى ولا نؤذي.
إن إصلاح المجتمع لا يبدأ دائمًا من القوانين الكبرى، ولا من كثرة الكلام عن أخطاء الآخرين، بل يبدأ من الإنسان نفسه: من أبٍ ينتبه إلى كلماته أمام أبنائه، وأمٍّ تصحح لطفلها خطأه دون أن تهينه، ومدرسٍ يعرف أن مهمته لا تنتهي عند السبورة، وشابٍ يدرك أن القوة الحقيقية هي أن يملك نفسه عندما يغلبه الغضب.
قد لا نستطيع أن نغلق أبواب العالم أمام أبنائنا، لكننا نستطيع أن نمنحهم بوصلة داخلية تميز بين ما يستحق أن يتبع، وما يجب أن يرفض، نستطيع أن نملأ موائدهم، لكن علينا ألا ننسى موائد أرواحهم، قد ننجح في أن نوفر لهم حياة مريحة، لكن مهمتنا الأهم أن نمنحهم حياة لها معنى.. فالخبز يطعم الجسد، لكن الأخلاق تغذي الروح، والفكر يفتح للإنسان الطريق، والجمال يرقق قلبه، والتربية تمنحه البوصلة، والرحمة تحفظ إنسانيتنا.
نعم، نحن لا نحيا بالخبز وحده!!