في بلد تتركز فيه معظم أنشطة السينما الجادة في القاهرة، وتظل فرص مشاهدة الأفلام المستقلة والمختلفة محدودة كلما ابتعدنا عن العاصمة، يصبح وجود مساحة سينمائية مستقلة تعمل طوال العام خارجها حدثًا يستحق الانتباه في حد ذاته.
موضوعات مقترحة
وحين تكون هذه المساحة في مدينة بحجم الإسكندرية، وتمتلك قاعة عرض ومكتبة متخصصة وأرشيفًا سينمائيًا، وتستضيف العروض والندوات والورش والمعارض، وتفتح شاشتها أمام أفلام يصعب على الجمهور الوصول إليها، يتجاوز وجودها التجربة الثقافية ليصبح ضرورة. بل وتزداد أهمية هذه المساحة حين تمتد فكرتها إلى ما هو أبعد من المدينة التي تحتضنها، فتصل بالسينما إلى القرى والمحافظات البعيدة، حيث يغيب العرض السينمائي المتخصص وتصبح مشاهدة فيلم مستقل أو عربي أو عالمي تجربة نادرة.
فعاليات أقامها مركز سينيفيل
فعاليات أقامها مركز سينيفيل
هذا ما كان يفعله مركز «سينيفيل». فمنذ تأسيسه عام 2022، استطاع المركز السينمائي المستقل في الإسكندرية أن يصنع لنفسه مكانًا خاصًا في خريطة السينما المصرية، مستندًا إلى خبرة أقدم في محاولة الوصول بالسينما إلى جمهورها خارج القاهرة. ثلاث سنوات وأكثر من العمل المستمر جعلت منه مساحة نادرة للعرض والمشاهدة والنقاش والتعلم، ومتنفسًا لجمهور سكندري يبحث عن سينما مختلفة، ومكانًا يجد فيه صناع الأفلام والنقاد والباحثون والمهتمون بالسينما مساحة حقيقية للقاء، بينما تظل الفكرة الأوسع حاضرة: أن تكون السينما أقرب إلى الناس، في المدن والقرى والمحافظات التي تحتاج إلى شاشة تفتح أمامها نافذة على عالم أوسع.
المفارقة أن هذا المكان الذي يندر وجود مثيل له في مصر، خصوصًا خارج القاهرة، والذي جاء امتدادًا لفكرة حمل السينما إلى أماكن بعيدة عن مركزها، وصل اليوم إلى اللحظة التي اضطر فيها إلى تجميد أنشطته الجماهيرية. فابتداءً من اليوم الأول من سبتمبر 2026، تتوقف العروض والبرامج الجماهيرية في «سينيفيل» حتى إشعار آخر، تحت ضغط ظروف اقتصادية جعلت استمرار تشغيل المركز وتنفيذ برامجه أمرًا بالغ الصعوبة.
فعاليات أقامها مركز سينيفيل
هنا تبدأ الحكاية الحقيقية.. فوراء هذا الخبر القصير المؤلم الذي وصلني من مؤسس المركز الصديق وجيه اللقاني، مكان جرى بناؤه على مهل، وجهد سنوات دفعه أصحابه من عمرهم، وجمهور وجد فيه شيئًا يفتقده، وسؤال أوسع كثيرًا من حسابات فاتورة الكهرباء والإيجار ورواتب العاملين: ماذا يحدث للثقافة حين تترك المساحات القليلة التي تصنعها بأيدي أصحابها حتى تصل إلى حافة الإنهاك؟
ربما تكفي زيارة واحدة إلى «سينيفيل» لفهم جزء من الإجابة. المكان نفسه يحمل ذاكرة الإسكندرية. مساحة ذات قيمة تاريخية ومعمارية جرى ترميمها وإعادة تأهيلها وتجهيزها لتصبح بيتًا للسينما، ثم أضيفت إليها قاعة عرض، وقاعة للتدريب والمعارض، ومكتبة متخصصة تضم أكثر من ثلاثة آلاف كتاب، وأرشيف يضم مئات الوثائق السينمائية المصرية والعربية النادرة.
فعاليات أقامها مركز سينيفيل
وهكذا استطاع المكان المساهمة بقوة في صناعة علاقة حية بين الإسكندرية والسينما. فالسينما مثلًا في القاهرة محاطة بشبكة أوسع من المهرجانات والسينمات المستقلة والمراكز الثقافية والجامعات والفعاليات التي تمنح المشاهد فرصًا متعددة للعثور على فيلم مختلف. وفي الإسكندرية ورغم وجود تقاليد سينمائية عريقة وجمهور يعرف قيمة الشاشة ومهرجانين للسينما، تظل المساحات المستقلة العاملة طوال العام محدودة.
وخلال السنوات الماضية امتلأ المكان بأنشطة تتجاوز العرض السينمائي إلى التدريب والتوثيق وفتح المجال أمام تجارب يصعب أن تجد طريقها إلى جمهور الإسكندرية. حيث عرض «سينيفيل» أفلامًا عربية وعالمية، كان بعضها يعرض للمرة الأولى في الإسكندرية أو مصر، وأقام ورشًا وبرامج تدريبية ومعارض، وفتح شاشته أمام أفلام مستقلة وشابة، في وقت تظل فيه فرص مشاهدة هذا النوع من السينما محدودة خارج القاهرة.
ومن أبرز ما استضافه المركز معرض «أرشيف جماعة الفن السابع» في يونيو 2025، الذي جمع كراسات ومقالات نقدية أصلية وكتبًا سينمائية ووثائق وصورًا أرشيفية وشهادات شخصية لمؤسسي الجماعة، في محاولة لاستعادة جانب مهم من تاريخ السينما والنقد المستقل في مصر وإتاحته لجمهور الإسكندرية.
فعاليات أقامها مركز سينيفيل
وفي فبراير 2026، استضاف «سينيفيل» برنامج «سينمائيات مستقلات»، الذي افتتح بعرض «دخل الربيع يضحك» بحضور مخرجته نهى عادل ومنتجته كوثر يونس، ثم «الخروج للنهار» بحضور مخرجته هالة لطفي ومحمد رشاد، وأعقب العرضين نقاش مع صناع الأفلام والنقاد.
هذه الأنشطة جاءت امتدادًا لمسار أقدم يقوده وجيه اللقاني، مؤسس ومدير «سينيفيل»، بدأ عام 2013 مع مشروع «سينما في كل مكان»، الذي قدم عروض الأفلام في أماكن بديلة مثل المقاهي والنوادي والمراكز المجتمعية، ثم تطور عام 2016 إلى مؤسسة «فن في كل مكان». ومن خلال هذا المسار ظهرت مبادرات للعرض والتدريب، بينها «Deaf Film Lab» التي دربت شبابًا من الصم على صناعة الأفلام، و«منصة سينما الصم» التي أتاحت أفلامًا قصيرة مترجمة إلى لغة الإشارة ويشارك الصم في إدارتها واختيار محتواها.
فعاليات أقامها مركز سينيفيل
فعاليات أقامها مركز سينيفيل
وفي مشروع «سيما مصر» عام 2016، عرضت المؤسسة 40 فيلمًا مستقلًا خلال 20 ليلة عرض في أسيوط والأقصر وأسوان ثم الإسكندرية، إلى جانب عروض أخرى في المنيا ودمياط وكفر الشيخ، فيما تشير بيانات المؤسسة إلى تقديم أكثر من 700 عرض بين عامي 2013 و2024 في محافظات الدلتا والقاهرة والإسكندرية والصعيد. بذلك يصبح «سينيفيل» محطة ضمن تجربة أطول حاولت أن تجعل الفيلم يصل إلى جمهوره في المدن والقرى التي تبتعد عن خريطة العرض السينمائي المعتادة.
هذه الأنشطة المتراكمة جاءت من حاجة المكان إلى بناء حياة سينمائية كاملة حول الشاشة، ومن حاجة الجمهور إلى مساحة يجد فيها أكثر من عرض عابر. وكل ذلك احتاج بالطبع إلى جهد كبير في التشغيل والاستمرار.
وبحسب البيان الصادر عن المركز، تحمل المؤسسون تكاليف تشغيل «سينيفيل» منذ تأسيسه، وتقدموا خلال السنوات الماضية بطلبات تمويل وشراكات إلى جهات ومؤسسات محلية وإقليمية ودولية، بهدف توفير الموارد اللازمة لاستمرار البرامج وتطوير الخدمات. ومع امتداد الأزمة الاقتصادية، وصلت الضغوط في بعض المراحل إلى استخدام قروض شخصية حتى يستمر المركز في العمل.
هنا تبدو المسافة بين الفكرة وتنفيذها واضحة. إنشاء مساحة ثقافية يحتاج إلى جهد، والحفاظ على تشغيلها عامًا بعد عام يحتاج إلى منظومة كاملة من الموارد والشراكات. تفاصيل مثل الإيجار والكهرباء والصيانة والتجهيزات وأجور العاملين وحقوق عرض الأفلام وتكاليف البرامج كلها تفاصيل يومية تدخل في حساب استمرار أي مكان ثقافي.
ويكشف هذا الواقع عن الأزمة الحقيقية لاقتصاديات الثقافة خارج القاهرة. فرغم محاولات المركز توليد مسارات تنويع الدخل وتقديم أنشطة موازية لتلك المجانية، تظل القدرة الشرائية وحجم السوق الثقافي خارج العاصمة أعجز عن تغطية تكلفة التشغيل المؤسسي المتصاعدة. المأساة تتجلى بوضوح في غياب المجتمع المحلي؛ فمدينة كالإسكندرية، تمتلك تاريخًا عريقًا من رعاية العائلات التجارية للفنون والمراكز، يقف فيها اليوم رأس المال المحلي ومجتمع الأعمال متفرجًا على شاشة تنطفئ، تاركًا المسؤولية بالكامل لأفراد استنزفوا طاقاتهم ولجأوا للاستدانة للحفاظ على بقاء المكان.
فعاليات أقامها مركز سينيفيل
وقد تحمل المؤسسون هذه الأعباء طوال السنوات الماضية، فيما ظلت محاولات الحصول على تمويل أو شراكات مستدامة تبحث عن طريقها. لهذا جاء قرار تجميد الأنشطة الجماهيرية في الأول من سبتمبر 2026.
القرار كما نرى مرتبط بظروف المركز الاقتصادية، ويتجاوز حجمه المركز نفسه. مصر تحتاج إلى مساحات سينمائية تعمل خارج القاهرة، والإسكندرية تحتاج إلى أماكن تستطيع أن تمنح جمهورها فرصة مستمرة لمشاهدة السينما المستقلة، والمحافظات والقرى الأبعد تحتاج إلى مشروعات تصل إليها بالأفلام والبرامج والورش. ومن هذه الزاوية، يجب أن نعترف أن «سينيفيل» جزء من مشكلة ثقافية أوسع تتعلق بتركيز النشاط السينمائي في العاصمة. نعم هناك مهرجانات مهمة تقام في المحافظات، وهناك فعاليات سينمائية متفرقة، وتظل محدودة التأثير، وتظل الحاجة قائمة إلى أماكن تعمل طوال العام وتبني علاقتها بالجمهور يومًا بعد يوم.
فعاليات أقامها مركز سينيفيل
وبالطبع هذه الوظيفة تحتاج إلى استمرارية، والاستمرارية تحتاج إلى شراكات. وهنا أظن أن السؤال الذي تطرحه أزمة «سينيفيل» يستحق أن يذهب إلى المؤسسات المعنية بالسينما والثقافة ومجتمع الأعمال المحلي: كيف يمكن أن نتعامل مع المساحات المستقلة باعتبارها جزءًا من البنية الثقافية المصرية؟
يمكن أن تبدأ الشراكة من برنامج محدد. كأن تتبنى مؤسسة ثقافية ورشًا للشباب، أو تتعاون جامعة مع المكتبة والأرشيف، أو تدعم جهة سينمائية برنامجًا للعروض، أو يمد مهرجان نشاطه إلى المركز خلال العام، أو تساهم مؤسسة تهتم بالتراث في حفظ الأرشيف وتوثيقه، أو تقوم شركة ترى في الثقافة جزءًا من مسؤوليتها الاجتماعية باختيار برنامج واضح من برامج المركز لدعمه. هذه الصيغ تمنح المركز فرصة للعمل، وتمنح المؤسسات الشريكة مشروعات واضحة يمكن متابعتها وقياس أثرها، دون المساس بالاستقلالية الفكرية للمكان.
فعاليات أقامها مركز سينيفيل
والأهم أن هذا النوع من الشراكة يفتح الباب أمام فكرة أوسع وهي بناء شبكة من المساحات السينمائية والثقافية خارج القاهرة، بحيث يصبح وصول الفيلم إلى الجمهور جزءًا من السياسة الثقافية، وتجد التجارب المستقلة طريقًا إلى المدن والقرى التي تظل بعيدة عن دوائر العرض الرئيسية.
وأعتقد أن الوقت مناسب الآن لطرح هذا الأمر على طاولة المؤسسات السينمائية والثقافية ومجتمع الإسكندرية، قبل أن يتحول التجميد المؤقت إلى واقع طويل المدى. فالمركز ما زال موجودًا، وفريقه ما زال يبحث عن الشراكات والبدائل، والجمهور الذي عرف المكان خلال السنوات الماضية ما زال موجودًا، والبرامج التي يمكن البناء عليها أصبحت جزءًا من خبرة المركز.
ثم إن دعم «سينيفيل» يمكن أن يحمل معنى أبعد من إنقاذ مركز واحد في الإسكندرية. يمكن أن يصبح نموذجًا لشكل آخر من أشكال التعاون بين المبادرات المستقلة والمؤسسات الثقافية، وشكلًا أكثر استدامة لدعم السينما في المحافظات.
وهذه قضية تستحق التفكير فيها الآن، لأن خريطة السينما المصرية تحتاج إلى أكثر من القاهرة. تحتاج إلى الإسكندرية، وإلى أسيوط والمنيا وسوهاج والأقصر وأسوان وكفر الشيخ والمنصورة وطنطا وغيرها من المدن، وتحتاج كذلك إلى القرى التي عرف جمهورها من خلال تجارب «سينما في كل مكان» أن الشاشة يمكن أن تصل إلى حيث يعيشون.
فعاليات أقامها مركز سينيفيل
حقيقة أتمنى أن يجد «سينيفيل» خلال الفترة المقبلة صيغة تضمن عودة نشاطه. وأتمنى أن تنظر إليه المؤسسات التي تعمل في السينما والثقافة باعتباره مساحة جاهزة للتعاون، تمتلك مكانًا وجمهورًا وخبرة وبرامج، وتحتاج إلى شراكات تمنحها قدرة أكبر على الاستمرار. فالذي جرى بناؤه خلال أكثر من ثلاث سنوات يستحق أن يكمل طريقه. ويستحق جمهور الإسكندرية أن تظل أمامه شاشة تعرض له السينما التي يبحث عنها. ويستحق الجمهور في المحافظات والقرى البعيدة فرصة أخرى لأن تصل إليه الأفلام التي خرجت من العاصمة ولم تجد طريقها إليه.
وفي النهاية أعود للتأكيد على أن إطفاء شاشات السينما المستقلة خارج القاهرة يمثل تراجعًا ثقافيًا فادحًا؛ ومواجهة هذا التراجع تتطلب إرادة حقيقية، ونموذجًا اقتصاديًا واعيًا، وشراكات مسؤولة تضمن بقاء هذه الشاشات مضيئة بقوتها الذاتية والتفاف مجتمعها حولها.