على امتداد نحو عقد ونصف من التعامل المباشر مع الصين، وأكثر من عشر زيارات قمت بها إلى مدنها ومؤسساتها ومراكز أبحاثها، أتيحت لي فرصة الاستماع إلى قادة وأساتذة وباحثين وخبراء ومسئولين سابقين، بعضهم قريب من الدوائر التي تقدم الدراسات والاستشارات لمؤسسات صنع القرار في بكين. ومن هذه الخبرة خرجت بقناعة أساسية مفادها أن الصين لا يمكن فهمها من خلال الحدث وحده، وإنما من خلال المسار الذي يقع فيه هذا الحدث. فهي دولة تفكر بالزمن الطويل، وتراكم خطواتها، وتحتفظ بذاكرة سياسية لافتة، وقد تبدأ اليوم مسارًا لا تتوقع حصاده الكامل إلا بعد سنوات.
ولهذا، عندما يصل الرئيس شي جينبينج إلى القاهرة في الأول من سبتمبر 2026م، لا أعتقد أن السؤال الأهم يتعلق فقط بعدد الاتفاقيات التي ستوقع خلال الزيارة أو قيمة المشروعات التي سيعلن عنها، على أهمية ذلك كله. وإنما السؤال الأكثر أهمية، في تقديري، هو ماذا يمكن أن تؤسس له هذه الزيارة في العلاقات المصرية–الصينية حتى عام 2035م؟
ولذلك، ربما يكون هذا هو الوقت المناسب لطرح ما يمكن تسميته "رؤية مصر–الصين 2035م".
فأحد الأشياء التي تعلمتها من حواراتي المتكررة مع الصينيين أن التاريخ لديهم ليس مجرد مناسبة للاحتفال، وإنما جزء من حسابات السياسة. ولهذا لا يزالون يتذكرون أن مصر كانت عام 1956م أول دولة عربية وأفريقية تقيم علاقات دبلوماسية مع جمهورية الصين الشعبية، بعد التقارب الذي بدأ بين الرئيس جمال عبد الناصر ورئيس الوزراء تشو إن لاي في مؤتمر باندونج عام 1955م. وهذه الواقعة ليست مجرد صفحة قديمة، لأن العقل الصيني يولي أهمية خاصة لاستمرارية الدولة والمؤسسات والالتزامات.
وخلال زياراتي، سمعت من خبراء صينيين حديثًا عن الصعوبات التي واجهتها بكين في بعض الدول التي راهنت عليها ضمن مبادرة الحزام والطريق، عندما تغيرت الحكومات أو تعرضت مؤسسات الدولة للاضطراب. وهنا تبدو مصر في الحسابات الصينية بصورة مختلفة: دولة قديمة، ومؤسسات ممتدة، وموقع استراتيجي ثابت، وعلاقة مع الصين استطاعت عبور تحولات داخلية وإقليمية ودولية عميقة. وهذا، في العقلية الصينية، رصيد إستراتيجي يصعب تعويضه.
لكن سبعين عامًا من الثقة السياسية لا تكفي وحدها لبناء المستقبل. فالتحدي الآن هو كيف تتحول هذه الثقة إلى قدرة اقتصادية وتكنولوجية مصرية. وإذا وصلنا إلى عام 2035م وظلت المعادلة الأساسية هي أن "الصين تنتج ومصر تشتري"، فلن نكون قد استفدنا بالكامل من إمكانات العلاقة. المطلوب، في تقديري، هو أن تصبح المعادلة "مصر والصين تنتجان معًا". وهذا يعني الانتقال من جذب مصنع صيني منفرد إلى توطين صناعة كاملة، حيث يأتي المصنع ومعه موردوه، ثم مراكز التدريب والبحث والتطوير، وتدخل الشركات المصرية في سلسلة الإنتاج. فالفرق كبير بين استضافة الاستثمار وبناء القدرة.
ومن خلال حواراتي في الصين، أصبحت مقتنعًا أيضًا بأننا نحتاج أحيانًا إلى النظر إلى خريطة مصر بعيون صينية. فالصيني لا يرى فقط سوقًا كبيرة، وإنما يرى قناة السويس والبحرين الأحمر والمتوسط، ويرى أفريقيا والعالم العربي وأوروبا. أي أنه يرى مصر باعتبارها منصة وليست مجرد سوق. ومن هنا ينبغي ألا يكون طموحنا أن تمر المنتجات الصينية عبر قناة السويس فقط، وإنما أن يُصنع جزء متزايد منها حول القناة ثم ينطلق إلى أفريقيا وأوروبا والشرق الأوسط. أي الانتقال من عائد عبور التجارة إلى المشاركة في صناعتها.
ثم تأتي التكنولوجيا، وربما تكون الاختبار الحقيقي للعلاقة. فالصين التي عرفها العالم باعتبارها «مصنع العالم» أصبحت تنافس اليوم على تكنولوجيا المستقبل في السيارات الكهربائية والبطاريات والطاقة الشمسية والذكاء الاصطناعي والإلكترونيات ومراكز البيانات. لكن النجاح المصري ليس أن نستورد السيارة الكهربائية بدل التقليدية أو اللوح الشمسي بدل مصدر آخر للطاقة، لأن ذلك يغير نوع الواردات ولا يغير موقعنا داخل الاقتصاد العالمي. المطلوب هو مصنع البطاريات لا البطارية فقط، ومكونات السيارة لا السيارة فقط، والمعرفة التي تنتج التكنولوجيا لا الآلة التي تستخدمها.
وهنا يدخل الإنسان إلى قلب الرؤية. فالآلة يمكن شراؤها، لكن القدرة على إنتاجها لا تُشترى جاهزة. ولذلك نحتاج إلى مهندسين مصريين يتدربون في الصين، وباحثين يعملون مع نظرائهم الصينيين، ومراكز مشتركة للبحث والتطوير، وبرامج للتعاون في الذكاء الاصطناعي والطاقة والإلكترونيات.
وهناك درس آخر خرجت به من سنوات التعامل مع الصين، وهو أنها لا تفكر دائمًا بمنطق «إما معنا أو ضدنا». فمصر والصين عضوان في البريكس، ومصر شريك في حوار في منظمة شنغهاي للتعاون، بينما تحتفظ القاهرة بعلاقات استراتيجية عميقة مع الولايات المتحدة وأوروبا. ولا أرى تناقضًا في ذلك، لأن العالم الأكثر ملاءمة للصين ليس بالضرورة عالمًا يدور حول بكين، وإنما عالم لا يدور كله حول عاصمة واحدة. وهذا يلتقي مع المصلحة المصرية في تنويع البدائل دون الوقوع في أسر المحاور.
فالسنوات السبعون الأولى بنت الثقة. أما السنوات المقبلة، فينبغي أن تحول الثقة إلى قدرة، والصداقة إلى إنتاج، والاستثمار إلى تكنولوجيا، والموقع إلى قيمة مضافة. وحين يصل الرئيس شي إلى القاهرة، سيكون مهمًا أن نعرف ماذا يحمل معه، لكن الأهم أن نكون قد عرفنا نحن ماذا نريد أن نحمل من هذه الزيارة إلى مصر عام 2035م.
نائب مدير مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية
وزميل كلية الدفاع الوطني بالأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والإستراتيجية