د. محمود موسى، أستاذ مشارك في كلية العلوم الرياضية والحاسوبية، جامعة هيريوت-وات دبي
موضوعات مقترحة
لفترة طويلة، كان تبنّي الممارسات الصديقة للبيئة في قطاع الأعمال يُنظر إليه باعتباره معادلة تقوم على تقديم تنازلات؛ إذ ساد الاعتقاد بأن خفض البصمة الكربونية للمصنع قد يؤدي إلى إطالة دورات الإنتاج، وأن الحد من الانبعاثات يتطلب استثمارات مرتفعة من دون عائد واضح على الاستثمار. وقد كرّست هذه النظرة القائمة على مبدأ «المحصلة الصفرية» (Zero-Sum Game) ضغوطاً مستمرة على القادة التشغيليين، واضعةً إياهم أمام مفاضلة صعبة بين تحقيق أهداف الإنتاج والوفاء بالالتزامات البيئية، بحيث بدا الجمع بينهما في كثير من الأحيان أمراً بالغ الصعوبة.
ركزت مناهج الاستدامة التقليدية، إلى حد كبير، على رصد وتحليل بيانات الانبعاثات واستهلاك الموارد بأثر رجعي، مما جعل الرؤى المستخلصة منها تصل في كثير من الأحيان بعد فوات الأوان، بحيث لم يعد بالإمكان تحويلها إلى إجراءات ذات أثر ملموس. وفي هذا السياق، كشف استطلاع أجراه المنتدى الاقتصادي العالمي عام 2024، وشمل 3,000 مسؤول تنفيذي، أن أكثر من 40% من المشاركين يرون وجود فجوة بين الإفصاحات المتعلقة بالمعايير البيئية والاجتماعية والحوكمة (ESG) وبين الإجراءات التشغيلية الفعلية على أرض الواقع. كما أفاد أكثر من 60% بأنهم يستخدمون بيانات ESG بصورة أساسية لأغراض إعداد التقارير والإفصاح الخارجي، بدلاً من توظيفها كأداة لدعم عملية اتخاذ القرار وتحسين الأداء التشغيلي من الداخل.
من خلال دمج الذكاء الاصطناعي وتقنيات "التوأم الرقمي" في الأنظمة التشغيلية، يُحدث مفهوم "الاستدامة التنبؤية" تحولاً جذرياً في هذا النموذج؛ إذ يتيح تشغيل آلاف السيناريوهات في آن واحد مع مراعاة كل من التكلفة والبصمة الكربونية. كما يُمكّن الشركات من توقع النتائج البيئية إلى جانب المؤشرات المالية، مما يؤدي إلى اتخاذ قرارات فورية وتحسين الأداء بما يخدم البيئة.
وفقاً لشركة «Stratistics MRC»، بلغت قيمة السوق العالمية للذكاء الاصطناعي المخصص لدعم الاستدامة البيئية نحو 20.8 مليار دولار أمريكي في عام 2025، ومن المتوقع أن ينمو بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 21.4% خلال الفترة المقبلة، ليصل إلى 81.1 مليار دولار بحلول عام 2032. وتعكس هذه التوقعات تسارع تبنّي الذكاء الاصطناعي كأداة لتعزيز جهود الاستدامة. فقد أظهر استطلاع عالمي أجرته شركة «Deloitte» في يناير 2026 أن أكثر من 80% من المشاركين يستخدمون الذكاء الاصطناعي بالفعل لدعم مبادرات الاستدامة في مؤسساتهم. وبين قادة الاستدامة على وجه الخصوص، يستخدم 43% منهم الذكاء الاصطناعي حالياً، في حين يخطط نحو 60% لتبنّيه أو توسيع نطاق استخدامه خلال العام المقبل، وفقاً لتقرير «حالة استدامة الشركات لعام 2026» الصادر عن «Watershed»، والذي استند إلى آراء أكثر من 230 من قادة الاستدامة حول العالم.
كما أظهرت دراسة "مقياس الاستدامة العالمي لعام 2025" أن أكثر من نصف كبرى الشركات تستخدم الذكاء الاصطناعي التنبؤي؛ حيث وظفته هذه الشركات -سواء عبر برامج تجريبية أو من خلال التطبيق الكامل- لتحديد مشكلات الاستدامة ومعالجتها، بدلاً من الاكتفاء بمجرد تتبعها وتحليلها. وفي سياق متصل، وجد استطلاع آخر أجرته شركة "فيردانتيكس" (Verdantix) عام 2026 أن 65% من قادة الاستدامة يستخدمون بالفعل التحليلات التنبؤية لرصد الأنماط والاتجاهات. وتُشير هذه المعطيات إلى أن الاستدامة التنبؤية تكتسب زخماً متسارعاً كاستراتيجية أعمال ذات قيمة عالية.
إذن، ماذا يعني مصطلح "الاستدامة التنبؤية"؟
تُعرَّف الاستدامة التنبؤية بأنها نهج استباقي يوظّف البيانات والذكاء الاصطناعي وتعلّم الآلة للتنبؤ بالآثار البيئية والاجتماعية والاقتصادية المحتملة للقرارات المستقبلية. ويتيح هذا النهج للشركات تحديد المخاطر والفرص قبل وقوعها، والانتقال من نموذج استدامة يعتمد على التقارير وردود الفعل إلى نموذج قائم على اتخاذ قرارات استباقية ومدعومة بالبيانات، بما يسهم في تحسين استخدام الموارد وتعزيز المرونة على المدى الطويل. وتتيح هذه المنهجية للمؤسسات تقييم تأثير قرارات الإنتاج بصورة مستمرة، ليس فقط على الربحية، بل أيضاً على مستويات الانبعاثات، مع مراعاة المتغيرات المتقلبة مثل أسعار الطاقة وتكاليف الكربون ومستويات الطلب. ومن خلال تحليل هذه العوامل والتنبؤ بتأثيراتها المتداخلة، يمكّن الذكاء الاصطناعي صناع القرار من تعديل العمليات التشغيلية بصورة ديناميكية، بما يعزز كفاءة استخدام الموارد، ويخفض الانبعاثات، ويحسن إدارة المخاطر، من دون التضحية بالإنتاجية. وبذلك، تعيد الاستدامة التنبؤية تعريف دور الاستدامة داخل المؤسسات؛ فبدلاً من كونها قيداً تشغيلياً يستدعي الاستجابة بعد وقوع المشكلة، تتحول إلى منظومة ذكية ومتكاملة تدعم القرار وتخلق قيمة، وتصبح في الوقت ذاته محركاً لتعزيز الكفاءة والمرونة والأداء التشغيلي.
ومن الناحية التقنية، تتجه الشركات بصورة متزايدة إلى توظيف الذكاء الاصطناعي لاتخاذ قرارات تستند إلى بيانات فورية ومستمرة، بدلاً من الاكتفاء بتحليل البيانات التاريخية بعد وقوع الأحداث، وهو ما يُعرف بـ«التحسين الديناميكي». وفي هذا النموذج، تجمع مستشعرات إنترنت الأشياء بيانات آنية حول استهلاك الطاقة، ومعدلات الإنتاج، ومستويات الانبعاثات، ثم تحلل نماذج تعلّم الآلة هذه البيانات للتنبؤ بالأداء المستقبلي والنتائج المحتملة على صعيد الاستدامة. بعد ذلك، تستخدم خوارزميات التحسين هذه التنبؤات لتوليد توصيات عملية، مع موازنة مجموعة من العوامل، مثل التكلفة والكفاءة التشغيلية والأثر البيئي. ومع استمرار تدفق البيانات، تعمل حلقات التغذية الراجعة على تحديث النماذج وتحسين دقتها بمرور الوقت، بما يسمح للأنظمة بالتكيف مع التغيرات التشغيلية والبيئية بصورة مستمرة. وعلى سبيل المثال، يوظف إطار عمل «Sustain AI» تقنيات مثل الشبكات العصبية التلافيفية (CNNs)، والشبكات العصبية المتكررة (RNNs)، والتعلّم التعزيزي (RL) للتنبؤ بالمشكلات التشغيلية، ورصد أنماط استهلاك الطاقة، واستباق احتياجات الصيانة. ومن خلال تحويل هذه التنبؤات إلى قرارات وإجراءات تشغيلية في الوقت المناسب، يمكن لهذه المنهجيات أن تسهم في رفع الكفاءة التشغيلية، وخفض الانبعاثات، وتحسين إدارة التكاليف، مع الحفاظ على مستويات الإنتاجية.
أظهرت دراسات حديثة أن النماذج الهجينة القائمة على الذكاء الاصطناعي يمكن أن تحقق تحسينات كبيرة في الاستدامة والأداء عبر مختلف القطاعات الصناعية. فعلى سبيل المثال، أدى استخدام نموذج هجين يجمع بين الخوارزميات الجينية (GA) وشبكات الذاكرة الطويلة قصيرة المدى (LSTM) في سلاسل التوريد إلى خفض الانبعاثات بنسبة 23.7% وتحسين الكفاءة بنسبة 10.98%. كما ساهم نظام للتعلم العميق متعدد الأنماط في قطاع التصنيع الصناعي في خفض استهلاك الطاقة بنسبة 18.75%، وانبعاثات ثاني أكسيد الكربون بنسبة 20%، وزيادة كفاءة استعادة الحرارة المهدرة بنسبة 25%، وخفض التكاليف بنسبة 17.2%. كذلك، استُخدمت تقنيات LSTM وخوارزمية تحسين سرب الجسيمات (PSO) لتعزيز كفاءة الطاقة بنسبة 15% وأداء الإنتاج بنسبة 12%.
وأظهرت دراسة أجرتها مؤسسة "WorldMetrics" أن تحسين شبكات الطاقة باستخدام الذكاء الاصطناعي يمكن أن يقلل من هدر الطاقة بنسبة تصل إلى 70%، وأن أنظمة إدارة المباني القائمة على الذكاء الاصطناعي يمكن أن تخفض استهلاك الطاقة في المباني التجارية بمتوسط 30%. وعلاوة على ذلك، تحقق أنظمة فرز النفايات المعتمدة على الذكاء الاصطناعي دقة تتراوح بين 95% و98%، مما يرفع معدلات إعادة التدوير بشكل كبير؛ كما أن تحسين عمليات مرافق إعادة التدوير باستخدام الذكاء الاصطناعي يزيد من معدلات استعادة المواد بنسبة تتراوح بين 30% و35%. وفي قطاع الزراعة، يساهم الذكاء الاصطناعي في خفض استهلاك المياه بنسبة تتراوح بين 25% و35% من خلال تقنيات الري الدقيق، مما يوفر ما بين 10% و15% من موارد المياه العذبة العالمية. وفي مجال سلاسل التوريد والخدمات اللوجستية، يساعد تحليل البيانات في الوقت الفعلي على تحديد المسارات المثلى، مما قد يقلل انبعاثات الكربون بنسبة تصل إلى 35% ويجعل التجارة العالمية أقل ضرراً بالبيئة.
وهكذا، ومع تزايد اعتماد الشركات على الذكاء الاصطناعي، من المرجح أن يصبح مفهوم "الاستدامة التنبؤية" مجالاً تجارياً رئيسياً في المستقبل. وتشير تقديرات شركة "PwC" إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يخفض انبعاثات الغازات الدفيئة العالمية بنسبة تصل إلى 4% بحلول عام 2030، وهو ما يعادل القضاء على إجمالي الانبعاثات الصادرة عن أستراليا وكندا واليابان مجتمعة. وفي الوقت نفسه، تؤكد وكالة الطاقة الدولية أن عمليات التحسين المدعومة بالذكاء الاصطناعي في قطاع الطاقة يمكن أن تخفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون العالمية بمقدار يتراوح بين 1.5 و2.0 جيجا طن سنوياً بحلول عام 2030، أي ما يعادل حوالي 5% من الانبعاثات الحالية. وتُظهر هذه الاتجاهات أن الاستدامة التنبؤية لم تعد مجرد فكرة جديدة تقتصر على فئة محدودة، بل أصبحت قدرة استراتيجية تساعد الشركات بشكل مباشر على تحقيق الأرباح، وتحسين سمعتها، والامتثال للوائح والقوانين.