مصر والصين.. الثقافة تتجاوز التبادل إلى شراكة ممتدة بين حضارتين

1-9-2026 | 12:08
مصر والصين الثقافة تتجاوز التبادل إلى شراكة ممتدة بين حضارتينالرئيس عبدالفتاح السيسي والرئيس الصيني من احتفالية بالأقصر ضمن العام المصري الصيني ٢٠١٦ (أرشيفية)
منة الله الأبيض

تحتل العلاقات الثقافية المصرية الصينية مساحة متقدمة في مسار العلاقات بين البلدين، مستندة إلى رصيد حضاري ضخم يجمع مصر والصين بوصفهما من أعرق الحضارات الإنسانية.

موضوعات مقترحة

وتأتي زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج لمصر في زيارة رسمية للقاء السيد الرئيس عبدالفتاح السيسي، لتؤكد عمق العلاقات بين البلدين على كافة المستويات السياسية والاقتصادية والثقافية، وتلقي الضوء على التاريخ العميق للدولتين العظيميتين.


وعلى مدار سنوات، تطورت العلاقات الثقافية بين القاهرة وبكين تمثلت في إقامة الفعاليات والأنشطة المتبادلة وكذلك التعاون في مجالات أكثر تخصصًا، تشمل الصناعات الإبداعية، وصون التراث، ونقل الخبرات، والسينما وفنون الإعلام، إلى جانب التعاون الثقافي والسياحي، بما يعكس اتساع نطاق الشراكة.

العام الثقافي المصري الصيني.. تأسيس لمرحلة جديدة من التبادل

يمثل العام الثقافي المصري الصيني 2016 إحدى المحطات المهمة في مسيرة العلاقات الثقافية بين البلدين، حيث شهد خلال الأشهر الخمسة الأولى منه نشاطًا مكثفًا في إطار البرنامج المشترك بين مصر والصين.

الثقافة تجمع مصر والصين

وبحسب حصاد وزارة الثقافة، جرى خلال تلك الفترة تنفيذ مجموعة كبيرة من الأنشطة المتبادلة بين الجانبين، بما يعكس حجم الاهتمام الرسمي بتعزيز التواصل الثقافي والفني، ويؤكد أن العام الثقافي لم يكن مجرد مناسبة احتفالية، وإنما مساحة واسعة للتعرف المتبادل على الإبداع والفنون والثقافة في البلدين.

وشملت الأنشطة مجالات فنية وثقافية متنوعة، وأسهمت في إتاحة الفرصة للجمهور المصري للتعرف على جوانب من الثقافة الصينية، بالتوازي مع تقديم جوانب من الثقافة والفنون المصرية للجمهور الصيني.

‎استضافت مصر، 18 نشاطًا فنيًا وثقافيًا، أقامته دولة الصين فى جمهورية مصر العربية، مقابل 10 أنشطة قدمتها وزارة الثقافة المصرية، وحدها، بعيدًا عن أنشطة وزارات السياحة والشباب والآثار.

كما استضافت مصر احتفالية ضخمة بالأقصر، حضرها السيد الرئيس عبدالفتاح السيسي والرئيس الصيني شي جين بينج.

كذلك أقيم مهرجان للأفلام الصينية فى القاهرة والإسماعيلية، إلى جانب توقيع مذكرة تفاهم للتعاون فى مجال الأفلام بين وزارة الثقافة المصرية والمصلحة العامة للصحافة والنشر والإذاعة والتليفزيون الصينى فى القاهرة، وإصدار عدد خاص من مجلة بريزم عن العام الثقافى المصرى الصينى.

الثقافة تجمع مصر والصين


وشاركت الصين في العام ذاته بجناح ضخم فى معرض القاهرة الدولى للكتاب، واستقبلت وزارة الثقافة وفدًا من الصين للتعاون فى مجال الأكروبات والصناعات الحرفية بحضور ممثلى السيرك المصرى، فضلا عن مشاركة فرقة طبول صينية فى مهرجان طبول السلام بالقلعة ، إلى جانب إقامة معرض للفنانات الصينيات بمتحف كرمة ابن هانئ.


الصناعات الإبداعية وصون التراث.. التعاون ينتقل إلى تبادل الخبرات

وفي سبتمبر 2023، اتخذ التعاون الثقافي المصري الصيني مسارًا أكثر تخصصًا، خلال لقاء وزيرة الثقافة المصرية آنذاك الدكتورة نيفين الكيلاني، مع نظيرها الصيني، لبحث أوجه التعاون المشترك في عدد من الملفات.

وركز اللقاء على مجالات الصناعات الإبداعية، وصون التراث، ونقل الخبرات، وإقامة الأنشطة الثقافية والفنية التبادلية، بما يعكس تطور مفهوم التعاون بين البلدين من مجرد إقامة فعاليات مشتركة إلى الاستفادة من التجارب والخبرات المتراكمة لدى كل جانب.

ويكتسب التعاون في الصناعات الإبداعية أهمية خاصة في ظل التحول الذي تشهده الصناعات الثقافية عالميًا، حيث أصبحت الثقافة والفنون جزءًا من الاقتصاد الإبداعي، بما يشمله من إنتاج وتكنولوجيا وتدريب وأساليب جديدة للوصول إلى الجمهور.

من الفعاليات إلى الشراكات المؤسسية

ومع استمرار هذا المسار، توسعت العلاقات الثقافية لتشمل بناء شراكات بين المؤسسات المعنية بالثقافة والسياحة.

وفي مايو 2026، وقع المجلس الأعلى للثقافة بروتوكول تعاون مشترك مع المركز الصيني العربي لدراسات التعاون الثقافي والسياحي، بهدف تعزيز آفاق التعاون الثقافي والسياحي بين الجانبين، ودعم مجالات الإبداع والتبادل الحضاري.

ويعكس البروتوكول توجهًا نحو إضفاء طابع مؤسسي على التعاون، بحيث لا تظل العلاقات الثقافية رهينة بالفعاليات والمناسبات، وإنما تمتد إلى أطر تعاون يمكن البناء عليها في مجالات الثقافة والسياحة والدراسات والتبادل الحضاري.

كما يفتح الجمع بين الثقافة والسياحة مجالًا للاستفادة من المقومات الحضارية التي يمتلكها البلدان، وتحويل التراث والثقافة إلى أدوات لتعزيز التواصل والتقارب بين الشعبين.

السينما.. لغة جديدة للحوار بين القاهرة وبكين

وتبرز السينما وفنون الإعلام باعتبارها أحد المجالات التي شهدت تطورًا واضحًا في التعاون المصري الصيني.

ففي ديسمبر 2025، انضمت مصر، ممثلة في أكاديمية الفنون، كعضو مؤسس إلى التحالف الدولي لتعليم السينما وفنون الإعلام، الذي ترعاه وزارة الثقافة الصينية بالتعاون مع منظمة اليونسكو.

ويمثل انضمام مصر إلى التحالف خطوة تتجاوز مجرد تبادل الأفلام والمشاركة في المهرجانات، لتصل إلى مجال تعليم السينما وفنون الإعلام وتبادل المعرفة والخبرات.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة بالنسبة لمصر، صاحبة التجربة التاريخية الطويلة في صناعة السينما والفنون، إذ تتيح المشاركة في هذا الإطار الدولي فرصًا أوسع للتواصل مع المؤسسات التعليمية والفنية، وتبادل الخبرات المتعلقة بتعليم السينما وفنون الإعلام.

«الباندا الذهبية».. حضور مصري في منصة صينية للفنون والإعلام

وفي سبتمبر 2025، جاء حضور مصر في ملتقى «جائزة الباندا الذهبية» بالصين ليضيف بعدًا آخر إلى العلاقات الثقافية والفنية بين البلدين، بمشاركة وزير الثقافة المصري الأسبق الدكتور أحمد فؤاد هنو كضيف شرف في الملتقى.

ويعكس هذا الحضور أهمية المشاركة المصرية في الفعاليات الثقافية والفنية الكبرى التي تستضيفها الصين، كما يؤكد الرغبة في تعزيز التواصل بين التجربتين المصرية والصينية في مجالات السينما والتليفزيون وفنون الإعلام.

وتكتسب المشاركة أهميتها من طبيعة «جائزة الباندا الذهبية» باعتبارها منصة تجمع صناع المحتوى والفنون البصرية، بما يتيح فرصًا للتعارف وتبادل الخبرات وفتح مجالات جديدة أمام التعاون الثقافي والفني.

الحوار الحضاري في قلب التعاون المصري الصيني

ويظهر البعد الحضاري بوضوح في المباحثات التي جرت في يونيو 2026 بين وزيرة الثقافة السابقة الدكتورة جيهان زكي والسفير الصيني لدى مصر لياو ليتشيانج، والتي تناولت سبل تعزيز التعاون الثقافي المشترك وتعميق حوار الحضارات بين البلدين.

وأكدت الوزيرة خلال اللقاء أن الصين تأتي على رأس الدول التي تحرص مصر على تعزيز التعاون الثقافي معها، فيما أشار السفير الصيني إلى أن العلاقات بين القاهرة وبكين وصلت إلى مرحلة «الشراكة الاستراتيجية الشاملة».

ولم تتوقف المباحثات عند الإطار العام للتعاون، وإنما امتدت إلى مجموعة من المشروعات والأنشطة الفنية، بما يعكس رغبة الجانبين في تحويل التقارب الثقافي إلى برامج عملية.

الأوبرا والموسيقى.. الثقافة بوصفها جسرًا بين الشعوب

وفي إطار التعاون الفني، برزت الموسيقى والأوبرا كأحد المسارات المهمة للتواصل بين البلدين، من خلال الاحتفالية المشتركة التي استضافتها دار الأوبرا المصرية، بمشاركة أوركسترا سوتشو السيمفوني الصينية، وبقيادة مشتركة للمايسترو المصري أحمد الصعيدي والمايسترو الصيني تشن شيانغ.

وجاءت الاحتفالية بالتزامن مع اليوم العالمي لحوار الحضارات، لتقدم نموذجًا عمليًا لفكرة توظيف الفنون في تعزيز الحوار بين الثقافات.

من التبادل الثقافي إلى شراكة تصنع المستقبل

وبالنظر إلى المحطات التي مرت بها العلاقات الثقافية المصرية الصينية، يتضح مسار متدرج بدأ بالفعاليات والأنشطة المتبادلة في إطار العام الثقافي المصري الصيني، ثم انتقل إلى التعاون في الصناعات الإبداعية وصون التراث ونقل الخبرات، وصولًا إلى الشراكات المؤسسية في الثقافة والسياحة، والتعليم السينمائي وفنون الإعلام، وتوسيع التعاون في السينما والموسيقى والمسرح والرسوم المتحركة.

فلم تعد الثقافة مجرد جانب مكمل للعلاقات المصرية الصينية، وإنما أصبحت إحدى ساحات التعاون التي تتقاطع فيها الحضارة مع الإبداع، والتراث مع التكنولوجيا، والفن مع الحوار بين الشعوب.

وتمنح الطبيعة الحضارية المشتركة بين مصر والصين هذا التعاون خصوصية استثنائية؛ فكل من البلدين يمتلك تجربة تاريخية عميقة، وفي الوقت نفسه يسعى إلى تقديم ثقافته إلى العالم بصورة معاصرة.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة