إذا ما تردد اسم الزبيدي تبادر إلى الأذهان كتابه الاشهر "تاج العروس" وكأن هذا الصرح العلمي الشامخ لم ينتتج غير هذا الكتاب، لكن الباحث المدقق المتتبع لهذا العلامة يدرك دون عناء أن هذا الرجل كان ملماً بكثير من العلوم والفنون التي أفتقر إليها عصره، والتي ألف فيها جميعاً.
موضوعات مقترحة
وفي هذا المقال سوف نلقي الضوء على هذا العملاق عل الأجيال الجديدة أن تتلمس خُطاها للمستقبل في ضوء سيرة رجل من العظماء نذر حياته للعلم، فبارك الله له في علمه وفتح عليه أبواب الدنيا حتى زهد فيها وصار المال والتراب لديه سواء.
والزبيدي، هو أبو الفيض السيد محمد بن محمد بن عبد الرازق" ينتمي لأسرة تنسب إلي السيد أبي الفرج الواسطي الذي هاجر من العراق للهند بعد غزو هولاكو لبلاده وينتهي نسب أسرته إلي الحسين بن على بن أبي طالب رضى الله عنهما، ومن هنا حمل لقب السيد، وكان ميلاده في مدينة بلجرام بالهند عام 1145هـ / 1733م وبها حفظ القرآن وتلقي مبادئ العلوم، وتتلمذ بها على المحدث فاخر بن يحي الالهابادي، والشاه ولي الله الدهلوي.
وحينما بلغ الزبيدى العشرين من عمره ارتحل إلي اليمن ليتم علومه ويحصل على الإجازات من الأئمة الأعلام. وخلال فترة بقائه باليمن لقب بالزبيدي بسبب إقامته في زبيد، وهو اللقب الذي صحبه طوال عمره، وحج خلال هذه الفترة وهو ما مكنه من لقاء عدد من كبار العلماء مثل: الشيخ عبد الله السندي، الشيخ عبد الرحمن العيدروسي، الذي شجعه على زيارة مصر، فانتقل إليها عام 1167هـ / 1753م .
وحين حل بمصر سكن في خان الصاغة، وعلى الفور توجه للجامع الأزهر لينهل من علم أحباره الكبار من أمثال السيد على المقدسي الحنفي، كما حضر دروس الشيخ علي الصعيدي وغيرهما كثير وقد اجازوه جميعاً وشهدوا له بالعلم والفضل، اهتم بأمر الزبيدي أحد أكابر المماليك، وهو إسماعيل كتخدا عزبان، والذي اعتنى به حتى اشتهر أمره بين الخاص والعام ولبس الملابس الفاخرة وركب الخيول المُسومة، وسافر إلي الصعيد ثلاث مرات واجتمع بعلمائه، وكان له حظوة عند شيخ العرب همام، كما زار رشيد ودمياط والمنصورة، وقد أُعجب به السيد أبو الأنوار بن وفا – من كبار المتصوفة- فلقبه بـ"أبي الفيض، وذلك عام 1182هـ / 1768م .
وفي عام 1189هـ / 1775م انتقل إلي دار جديدة بسويقة اللالا فأحبه سكان المكان بسبب نفعه لهم وتعففه عما بأيديهم، ووعظه لهم، بجانب اختلاف طريقته عن طريق علماء مصر فعد نادرة، خاصة مع إلمامه بعدد من اللغات منها التركية والفارسية وبعض الكرجية.
ومما زاد شهرته أنه كان يروي الحديث على طريقة السلف في ذكر الاسانيد والرواة والمخرجين. وكان يعطي الإجازة لكل من حضر درسه وكتب ما يملي من الحديث، فأقبل عليه عددًا من طلاب الأزهر ليأخذوا عنه علم الحديث مثل: الشيخ أحمد السجاعي، والشيخ مصطفى الطائي، والشيخ سليمان الأكراشي، وكان يجتمع بهم في جامع شيخون كل خميس حتى يدارسهم الحديث بطريقة أكثر علمية بعيد عن عامة الناس، وهو ما زاد من رفعته وشهرته فاجتمع عليه العامة والأكابر والأعيان ليأخذوا عنه فانتقل من الرواية إلي الدراية فأخذ الأزهرية ينفضون عنه، فاكتفي بالحديث للعامة من حفظه.
كما كان له درساً بمسجد الحنفي فأخذ في قراءة الشمائل فأقبل عليه الناس من حدب وصوب. كما دعي إلي أكابر بيوت الأعيان والأمراء فكان يقرأ لهم الأجزاء الحديثة ويجيز الحضور من الرجال وما وراء الستر من النساء، وقد لازمه عبد الرحمن الجبرتي المؤرخ زمنًا وحضر معه كثير من المجالس.
وبسبب علمه تقرب منه الأمراء والأكابر مثل: مصطفى بيك الاسكندراني، وايوبك بك الدفتردار وكانوا يسعون لمنزله للأخذ عنه وأكثروا له من الهدايا والهبات، حتى تسامع به الناس في الاستانة فحضر جماعه منهم لمصر للأخذ عنه مثل عبد الرازق أفندى الرئيس الذي قدم لمصر وجلس إليه طلباً للإجازة وقراءة مقامات الحريري، كما قربه محمد باشا عزت حين قدم إلي مصر وخلع عليه ورتب له راتباُ، ورفع أمره إلي السلطان العثماني فأقر له راتب من دار الضرب قدره مائة وخمسون نصف فضة كل يوم من الضرب خانة وذلك عام 1191هـ / 1777م .
وطلب من قبل السلطنة فتراجع بعد عزم. وكاتبته ملوك الحجاز واليمن والهند والشام والبصرة وكثرة عليه الأموال حتى صارت عنه كالتراب. ومن الطرائف التى جاءت إليه من الهدايا أغنام فزان وكانت عظيمة الخلقة رأسها كأنها رأس عجل فأرسل منها هدية للسلطان عبد الحميد العثمانى فعظم عنده . وكان الناس يتبركون به حين يمرون بمصر في طريق الحج فيقدمون له الهدايا ويظفرون منه بفتاوي أو إجازات يقدرونها وتبركون بها لحد القداسة وعن ذلك قال الجبرتي:"من ظفر منهم بقطعة ولو بمقدار الأنملة ظفر بحسن الخاتمة ، وحفظها معه كالتميمة، ويري أنه قد قبل حجه وإلا باء بالخيبة والندامة وتوجه عليه اللوم من أهل بلده".
وقد اهتم السيد محمد مرتضى الزبيدي بعدد من العلوم التى أغفلت في زمانه مثل: الأنساب والأسانيد وتخارج الأحاديث وألف في ذلك عدد من الكتب والرسائل، ومنها: كتابه الشهير "تاج العروس" واستغرق ذلك منه عدة سنوات، وحين أتمه أولم وليمة كبيرة عام 1181هـ / 1767م فقرظ عدد كبير من العلماء هذا الكتاب، ومنهم الشيخ على الصعيدي، والشيخ أحمد الدردير وغيرهما كثير.
وحين أنشا محمد بك ابو الذهب مسجده المعروف حصل منه على نسخة المؤلف بخطه وعوضه عنها مائة ألف درهم فضة، ومن مؤلفاته التى انتشرت انتشاراً كبيراً شرح كتاب إحياء علوم الدين فقد نسخ وأرسل لبلاد الروم أي أسيا الصغرى، وكذلك أرسل إلي الشام والغرب، توفي عام 1196هـ 1782م.
وقد ترك الزبيدي عدد ضخم من المؤلفات منها : الجواهر المنيفة في أصول مذهب أبي حنيفة ، النفحة القدسية بواسطة البضعة العيدروسية، والعقد الثمين في طرق الإلباس والتلقين، وحكمة الإشراق إلي كتاب الآفاق، وشرح الصدر في أسماء أهل بدر، وغيرها أحصاها الدكتور حسين نصار بعدد 131 كتاب.
وقد تتلمذ على الزبيدي عدد كبير من العلماء الذين نالوا قدرا من الشهرة ومنهم: داود القلعي، محمد بن أحمد البهي الطنتدائي، والشهاب أحمد الدمهوجي، الشيخ مصطفى الذهبي، الشهاي أحمد السجاعي، الشيخ مصطفى الطائي، الشيخ سليمان الأكراشي، الشيخ على الميلي المصري، الشيخ عبد المولى الدمياطي الحنفي، عبد الرحمن بن حسن الجبرتي، وغيرهم كثير وإحصائهم غير يسير.
ظل الزبيدي مُقيمًا بالقاهرة حتى حتى توفي رحمه الله دون أن يُنجب، ولد يحمل اسمه، لكنه ترك علمًا ينتفع به الناس ليوم الدين، وكانت وفاته بسبب الطاعون في شعبان عام 1205هـ /1791م ودُفن بجوار زوجته في قبر أعده لنفسه قرب مشهد السيدة رُقية.
الأستاذ الدكتور محمد فوزي رحيل
أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية المساعد كلية التربية جامعة مطروح
عضو مجلس إدارة الجمعية المصرية للدراسات التاريخية
الأستاذ الدكتور محمد فوزي رحيل