أشرف عبد الشافي يكتب: «مرايا» نجيب محفوظ أنقذتني من مراهقتي الأدبية

31-8-2026 | 16:13
أشرف عبد الشافي يكتب ;مرايا; نجيب محفوظ أنقذتني من مراهقتي الأدبيةالأديب نجيب محفوظ والكاتب أشرف عبد الشافي

ظن أبناء جيلى أن قراءة نجيب محفوظ لن تفيده ولن تضيف إليه!، إذ كان فن الرواية مطلع التسعينات قد قفز وتجاوزأعمال محفوظ الكلاسيكية! فبحثنا عن أعمال جديدة وأدباء جدد، فقرأنا لخيري شلبي وإبراهيم أصلان ومحمد البساطي ومحمد مستجاب حتى وصلنا إلى محمد المخزنجي الذى كان ظاهرة جديدة تستوجب الاهتمام، وحدث أن قابلنا كل هؤلاء الكبار فوجدناهم أسرى لنجيب محفوظ ولا يتجرأ كاتب منهم على وصف أعماله بالكلاسيكية التى كنا نتشدق بها عن جهل حقيقى بكاتب استثنائي كان يحتاج صدمة كبيرة فى تصوراتنا عن فن الرواية حتى نعيد اكتشافه، وهذا ما حدث معي بشكل شخصي إذ كنت واحداً من مريدى الكاتب الكبيرمحمد مستجاب الذى تعرفت إليه أيام الجامعة وحصلت على شرف الجلوس بين يديه فى بيته العامر بشارع خاتم المرسلين بالجيزة، وهناك بدأت المرحلة المحفوظية فى حياتى حين قال مستجاب :"ليس هناك كاتب عربي لا يحمل نجيب محفوظ فى وجدانه حين يكتب أو يشرع مجرد شروع فى الكتابة"، ولم تكن العبارة التى قالها بحسم وصوت أجش وأصابع ضخمة إلا رداً على كلمة تفوهت بها عن رواية "الحرافيش"، حيث تجرأت جرأة مراهق وقلت إنها عملاً عاديا!، فنهرنى الأستاذ وهو يحذرني من ترديد مثل هذا الهراء وطلب مني قراءة "المرايا" بالورقة والقلم ومنحني أسبوعا، جئت بعده وأنا أكاد أبكى حسرة على ما فاتنى من سنوات لم أدرك فيها قيمة هذا الفنان المتفرد، كانت المرايا عملاً ما بعد حداثي يدهس كل محاولات التجديد فى فن الرواية ويتجاوزه بسنوات ضوئية، لوحة من الجمال تنعكس على القلب والروح، يأخذك من شخصية إلى آخرى ثم يتركك تفكر فيهم حتى تجده يعود إليهم كأنما ينحت تماثيل من لحم ودم يتحركون فى الزمن وتتجدد مشاعرهم وتخفت وتتألق وأنت تدور بين مرايا فنان كبير، وجئت معتذراً عن جهلى ومراهقتى الأدبية لأبدأ رحلة محفوظية استمرت من التسعينات وراحت تتجدد كل عام حتى وصلت معه إلى عالم القصة بعد أن قرأت معظم الروايات متجاهلاً القصص، وكانت تلك خطيئة جديدة كفّرتُ عنها شهوراً خصصتها لقراءة "دنيا الله، حكاية بلا بداية ولا نهاية، همس الجنون.. "، حتى وصلت إلى مجموعته الأكثر متعة وروعة وإلهاما وهى "خمارة القط الأسود" فصاحبت معظم شخصياتها وأصبح "فاسليادس" بطل قصة (البارمان) واحداً من الشخصيات الأكثر إلهاما.

موضوعات مقترحة

وتحول نجيب محفوظ إلى وجدان كامل بحياة عريضة وكتابات لا تخلو من فلسفة فنان كبير قرر أن يتعلم الموسيقى وأن يتعلم العزف على آلة القانون كى يسمع أسرار الموسيقى التى يسمعها كبار أدباء العالم وهو ليس دونهم موهبة وحضورا ووعيا وإدراكا لمعنى الفنان الذى يراقب البشر ويتوقع شياطين الشر فى دواخلهم مثلما يتقصى حياة المجرمين والسفاحين وتحولاتهم النفسية والإجتماعية، وهو نفسه نجيب محفوظ لاعب كرة القدم الشاب الى اكتشف موهبته الرياضية قبل أن يستمع إلى موهبته الأدبية، أخطأت فى مراهقتى الأدبية وظننت أن الحياة يمكن أن تستمر من دون قراءة نجيب محفوظ وظللتُ أضحك وأسخر من نفسى وهذا ما يحدث حتى هذه اللحظة وأنا أعيد كل يوم اكتشاف فنان كبير صنع جمهوريته الأدبية بدأب وإصرار، ومهما طال الزمن وتعاقبت أجيال سيظل نجيب محفوظ معلما وأستاذا ورائداً لم يطلب الأستاذية ولكنه تركها فى جيب جاكت سعيد مهران بطل اللص والكلاب ، وفي رأس عيسى الدباغ بطل السمان والخريف، وفى أزمة "صابر" بطل رواية الطريق فى البحث المضنى عن الأب، وفى حيرة المثقف أحمد عاكف بطل خان الخليلى، وفى الشروخ النفسية التى مزقت روح عمر الحمزاوى بطل الشحاذ، كل هذا الخيال سيبقى واقعا شديد الغرابة والدهشة لكاتب يتجدد كل يوم ومع كل قراءة جديدة لأعماله، وسأظل معتذرا له عن مراهقتي الأدبية ومدينا لمحمد مستجاب بعودة الوعى المحفوظى إلى عقلي وروحي .  

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: