حاتم حافظ يكتب: عزيزي الأستاذ نجيب محفوظ

31-8-2026 | 16:06
حاتم حافظ يكتب عزيزي الأستاذ نجيب محفوظ الكاتب حاتم حافظ والأديب نجيب محفوظ

لا أعرف إن كان من اللائق أن أكتب لك في ذكراك، أم أن الذكريات هي التي ينبغي أن تعيد كتابتنا.. لكنني، كلما جاءت سيرتك، أتذكر أول مرة التقيتك فيها، وأكتشف أن علاقتي بك بدأت بسوء تفاهم صغير. سوء تفاهم لست المسئول عنه بالطبع.

موضوعات مقترحة

كنت في الثانية عشرة تقريبًا حين قرأت «قلب الليل». لم أحبها.. وربما لم أفهم منها شيئًا، لكنني لم أكن أعرف وقتها أن عدم الفهم قد يكون أحيانًا مسألة عمر، لا مسألة كتاب. تركتك إذن، أو ظننت أنني تركتك.

بعد عامين تقريبًا حصلت على نوبل، وكنت وقتها في الرابعة عشرة. أتذكر أن الخبر جعلني أفكر فيك من جديد. ربما لأن نوبل أعطتني سببًا لأعيد النظر في الكاتب الذي لم يعجبني من قبل. قلت لنفسي: إذا كان هذا الرجل قد حصل على نوبل، فلا بد أنني لم أفهم شيئًا..فبدأت من جديد.

قرأت «أولاد حارتنا» في حلقاتها المسلسلة التي نشرتها -في حينها- إحدى الصحف، ولا أذكر الآن اسم الصحيفة. لكنني أذكر جيدًا ما حدث لي وأنا أقرأها: افتتنت. ورغم حداثة سني غيرت الجامع الذي أصلي فيه الجمعة لأن خطيبه -الذي قطعًا لم يقرأها- كان يصرخ بتكفيرك!

لم تكن المسألة أنني وجدت رواية جيدة وحسب. شعرت أنني دخلت عالمًا كاملًا، عالمًا له قوانينه وشخصياته وأسراره، عالمًا يشبه عالمنا من بعيد، لكنه أكثر اتساعًا وغموضًا. وبعدها قرأت «الحرافيش» -التي أعيد قراءتها مرة كل عام- وهناك أدركت أن الأمر أكبر مما كنت أتصور. لم أكن أقرأ روايات متفرقة لكاتب كبير؛ كنت أكتشف عالمًا له أبوابه وممراته وشوارعه وأهله، وكلما فتحت بابًا وجدت وراءه بابًا آخر.

ثم كبرت، وبعد سنوات عدت إلى «قلب الليل»، هذه المرة أحببتها.

ولم يكن في الرواية شيء قد تغير. الذي تغير هو أنا، اكتشفت أن بعض الكتب لا تنتظر قارئًا جيدًا، وإنما تنتظر قارئًا عاش بما يكفي لكي يفهمها. وأدركت أنني حين كنت في الثانية عشرة لم أكن قد أخطأت في حق الرواية وحدها، وإنما كنت أحمّلها ذنبًا لم يكن لها فيه أي ذنب: كنت أريد منها أن تعطيني شيئًا لم أكن أملك بعد القدرة على رؤيته.

ومنذ ذلك الوقت دخلت عالمك ولم أعرف كيف أخرج منه.

قرأتك وأنا قارئ، ثم عدت إليك وأنا أكتب، فوجدت أشياء أخرى لم أرها من قبل. اكتشفت أن محفوظ لم يكن فقط ذلك الكاتب الذي حكى القاهرة وأهلها، وإنما كان يعرف شيئًا أصعب: كيف يحوّل الحياة العادية إلى أدب، وكيف يجعل الحارة والبيت والمقهى والشارع والأسرة الصغيرة أسئلة عن الإنسان نفسه.

وربما لهذا السبب لا أستطيع الآن أن أتذكر أولاد حارتنا أو الحرافيش أو الثلاثية أو زقاق المدق بوصفها كتبًا قرأتها وانتهت. بعض الكتب تنتهي حين تصل إلى آخر صفحاتها، وبعضها يبدأ هناك. وأنت من أولئك الذين يبدأون بعد أن ينتهي الكتاب.

لا أعرف ماذا كان يمكن أن أقول لك لو أتيحت لي فرصة الحديث معك وأنت حي. ربما كنت سأقول لك إنني تأخرت في فهمك، وإن هذا التأخر كان ضروريًا. وربما كنت سأشكرك على شيء لم أكن أعرفه وأنا في الثانية عشرة: أن الكتب التي نحبها في أعمار مختلفة ليست الكتب نفسها، حتى لو ظلت الكلمات في الصفحات كما هي.

أنت لم تتغير يا أستاذ نجيب.

أنا الذي تغيرت.

ولهذا، كلما عدت إليك، أشعر أنني لا أعيد قراءة كتبك بقدر ما أقرأ نفسي القديمة وهي تحاول أن تفهمها.

وحين بدأت أكتب، صرت أعود إليك بطريقة أخرى. لم أعد أقرأك كقارئ يريد أن يعرف ماذا سيحدث في الصفحة التالية، وإنما ككاتب يحاول أنيفهم كيف فعلت هذا. كيف جعلت الشخص العادي موضوعًا جديرًا بكل هذا الاهتمام؟ كيف استطعت أن ترى في البيت والحارة والمقهى والأسرة والصراع الصغير بين شخصين، شيئًا يتجاوز الحكاية نفسها؟ ولعل هذا هو الشيء الذي بقي منك معي أكثر من أي شيء آخر: أن الأدب لا يحتاج دائمًا إلى أحداث كبيرة لكي يقول شيئًا كبيرًا. أحيانًا يكفي رجل يمشي في شارع، أو امرأة تنتظر أحدًا، أو عائلة تجلس إلى مائدة، لكي يبدأ العالم كله في الظهور.

في ذكراك، لا أريد أن أقول إنك كنت نجيب محفوظ الذي حصل على نوبل، ولا إنك أحد أعظم كتاب العربية بل والعالم، فهذه أشياء قالتها الجوائز والنقاد والسنوات، ولم تعد تحتاج إلى شهادتي. أريد فقط أن أقول لك إن صبيًا في الثانية عشرة فتح ذات يوم رواية ولم يفهمها، ثم عاد إليها بعد سنوات، فاكتشف أن الكتابة فعل مضارع مستمر.

 

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة