كل الأشياء الجميلة والمبدعة في حياتي تحيرني، لأني لا أستطيع تحديد كيف أو متى تسربت إلى الروح؟ وإلى أي مدى استطاعت التأثير في عقلي وطريقة تفكيري؟ لكن كل ما أعرفه فقط أنها صارت جزءا من التكوين ومساحة من التأمل على عادة النص الجيد والأدب الجيد والفيلم الجيد أو المقطوعة الموسيقية أو المسرحية التي تتغلغل فينا وتحدث تأثيرها دون أن ندري.
موضوعات مقترحة
وهكذا كان الأمر مع نجيب محفوظ، إذ كل ما أعرفه أني في مرحلة مبكرة جدا كنت أقرأ فيها الكتب صغيرة الحجم والكتب المبسطة والمصورة، وأتيحت أمامي بعض أعمال نجيب محفوظ الصادرة عن طبعات مكتبة مصر التي أسسها سعيد جودة السحار عام 1932م تزامنا مع الانتقال من السينما الصامتة إلى الناطقة، وإنشاء مجمع اللغة العربية، وإقامة أول مؤتمر للموسيقى العربية، وغيرها من فعاليات وأحداث القاهرة العظيمة.
ولمن يعرف هذه الطبعات من أعمال نجيب محفوظ، يتذكر أنها كانت مزينة برسوم "جمال قطب" الكاشفة عن عبقريته في قراءة وتلخيص مشاهد القصص والروايات بدءًا من تصميم الغلاف، مرورا بالأحداث المحورية الداخلية، وهو ما كان يساعدني على فهم وتصور وتخيل المشاهد التي أقرؤها في هذه السن المبكرة.
أما عن النصوص والحكايات والقصص ذاتها، فلم تكن إمكانات التواصل معها صعبة في هذه المرحلة، ربما لأن أعمال نجيب محفوظ إجمالا تنبني من طبقات متعددة تتناسب والمستوى الثقافي لكل قارئ، وبالنسبة للمبتدئين أمثالنا، كانت الحكاية المتسلسلة السهلة المنسابة بواقعيتها والتي تحتمل إمكانية الحدوث بالفعل في أي مكان، وشخصياتها التي لا نشعر معها بالغرابة، كان كل ذلك يسمح لنا بشغف المواصلة لمعرفة أحداث الحكاية.
آنذاك لم نكن نستطيع التواصل مع المستويات الأعمق من الحكاية (الأحداث بحبكتها) -والحديث هنا بصيغة الجمع، لأننا كنا نتبادل أعماله في المدرسة وبين أقراننا من محبي القراءة- لكن بمرور الزمن، تبينت لنا أبعاد أخرى أعمق وأكثر تعددا، وربما ساعدنا على ذلك مشاهدة بعض الأفلام المأخوذة عن أعماله، مثل الثلاثية، والطريق، والسمان والخريف، وزقاق المدق، وغيرها من الأفلام البسيطة سهلة المأخذ، بديعة التمثيل والإخراج.
غير أن العجيب في الأمر، أنه بدءا من المرحلة الجامعية تغيرت علاقتي بنجيب محفوظ وأخذت مسارا جديدا تماما، وذلك تزامنا مع محاولة لملمة قراءاتي المبعثرة، إذ سمعت من أحد أساتذتي -رحمه الله- أن قراءة أي كاتب أو مبدع لابد أن تكون بالتسلسل التاريخي، ولأعماله الكاملة.. وهنا قضيت سنوات في جمع أعمال النجيب – من طبعة مصر- كلما تيسرت الظروف، مرة من تخفيضات معرض القاهرة الدولي للكتاب، ومرة من على أرصفة باعة الكتب المستعملة على سور جامعة القاهرة، ورصيف دار القضاء العالي، وسور الأزبكية -قبل أن يحترفوا- حتى تكونت لدي الطبعة الكاملة، فيما عدا أولاد حارتنا التي ظلت ممنوعة لسنوات حتى وصلتنا نسخة مصورة من بيروت تداولناها جميعا.
وأما عن عدد مرات قراءة هذه الأعمال مجتمعة ومرتبة، فلم أعد أذكر تكراراتها، إلى الدرجة التي كثيرا ما كنت أنشغل بالتفكير في شخصية أو حدث من رواية أو قصة، فأتناول العمل لقراءة هذا الجزء فقط، لكني أجدني غارقا في قراءة العمل، ثم الذي يليه، وهكذا، وبخاصة مع شخصيات من قبيل جعفر الراوي، وعاشور الناجي، وعبدربه التائه، وحكايات من قبيل السرياقوسي وسيد سيد الرحيمي، ومواقف من قبيل حوارات كمال مع والدته أمينة أو والده السيد أحمد عبدالجواد، أو صديقه فؤاد الحمزاوي، وبخاصة في "قصر الشوق".
كل ذلك وأنا لا أجرؤ على الكتابة عن نجيبب محفوظ، حتى بعد الحصول على درجة الدكتوراه مطلع الألفية الثالثة، فقد كنت أخشى بالفعل على نفسي، وأرى أن أية كتابة لا تليق بهذا الرجل ستكون ضربة قاصمة في حق كاتبها، وظل هذا الشعور يلازمني حتى بعد قراءة كل الكتب والدراسات المهمة عنه من قبيل كتابات لطيفة الزيات، ورجاء النقاش، وسيزا قاسم، وغالي شكري، ومحمود أمين العالم، وغيرهم.
وشيئا فشيئا تحللت العقدة، وبدأت روحه تدعمني في دراسات مطولة، منها: الفكري والفلسفي في أدب نجيب محفوظ، وثورة الإنسان في قلب الليل، وتنوع الحضور الثقافي في النص المحفوظي، وقصص محفوظ القصيرة: الفنون واتساع الرؤية، وغيرها من دراسات منشورة في دوريات مصرية وعربية.
ثم تطورت مراحل الجرأة فكان كتاب "أزمة النقد وانفتاح النص، نجيب محفوظ والفنون السبعة"، وقد كان الكتاب محاولة للتجريب في قراءات ثقافية لأعماله القصصية والروائية من منظور نظرية الفنون السبعة لإيتيان سوريو، ثم أعقب ذلك فصولا في كتب، كان آخرها هو دراسة أشكال الجدل التي مارسها نجيب محفوظ مع التاريخ، وبخاصة في كتاب "مراوغة التاريخ في الآداب والفنون البصرية".
وما تزال العلاقة مع النجيب مستمرة، عبر كتاب كامل -قيد الإنجاز- عن فكرة جوهرية في أعماله، تحتمل قراءات متعددة، وإمكانات تأويلية تتقاطع مع فنون وآداب وفلسفات متنوعة، وسوف تظل أعماله ملهمة لمن يريد ويقدر على ذلك.