وسط مرحله تتبدل فيها موازين القوه العالمية وتتنامي التحولات السياسية والاقتصادية، وتتسع رقعة الصراعات من شرق أوروبا إلى الشرق الأوسط، تبدو العلاقات المصرية - الصينية أمام مرحلة جديدة تتجاوز حدود التعاون التقليدي، لتتحول إلى شراكة استراتيجية ذات أبعاد سياسية واقتصادية وعسكرية وحضارية متشابكة.
موضوعات مقترحة
سبعون عامًا مرت على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين القاهرة وبكين، لكنها لم تكن مجرد تاريخ من العلاقات الرسمية والزيارات المتبادلة، وإنما كانت مسارًا متدرجًا انتقلت خلاله العلاقة من التقارب السياسي إلى التعاون الاقتصادي ثم إلى الشراكة الاستراتيجية عام 1999، ثم إلى الشراكة الاستراتيجية الشاملة عام 2014، وصولًا إلى تنسيق أوسع في مواجهة تحديات عالمية وإقليمية متزايدة.
سبعة عقود من الثقة كانت مصر فيها من أوائل الدول التي اعترفت بجمهورية الصين الشعبية عام 1956، في لحظة تاريخية كانت فيها العديد من الدول تتردد في اتخاذ هذه الخطوة، في ظل أجواء الحرب الباردة والصراع الدولي، ومحاولات الولايات المتحدة وحلفائها مواجهة انتشار الشيوعية.
وقد أسهم الموقف المصري المبكر في تشجيع دول حركة عدم الانحياز على اتخاذ مواقف مماثلة والاعتراف بجمهورية الصين الشعبية، بما عزز حضورها على الساحة الدولية ومهّد لتوسيع دائرة علاقاتها مع الدول النامية.
ومنذ ذلك التاريخ، حافظت القاهرة وبكين على قدر كبير من الاستقرار في علاقاتهما، رغم تغير الأنظمة الدولية وتبدل موازين القوى، ولعل ما يعكس خصوصية العلاقات المصرية الصينية وعمقها التاريخي أنه لم يُسجَّل حتى الآن، اعتراض صيني جوهري على أي من السياسات أو الممارسات المصرية في المحافل الدولية.
اليوم، وبعد سبعة عقود، تبدو العلاقة أمام فرصة للانتقال إلى مستوى جديد، خصوصًا مع تزايد أهمية البلدين في محيطهما الإقليمي والدولي. فعلى المستوى السياسي، تتقاطع الرؤى المصرية والصينية في قضايا عدة، أبرزها احترام سيادة الدول، ودعم التعددية الدولية، ورفض الهيمنة وفرض الإرادة من طرف واحد. وتسعى مصر إلى الحفاظ على استقلالية قرارها الخارجي وتنويع علاقاتها، بينما تعمل الصين على توسيع حضورها السياسي والاقتصادي عالميًا.
وفي ظل التحول التدريجي من عالم أحادي القطبية إلى نظام دولي أكثر تعددًا، تزداد أهمية الشراكة بين القاهرة وبكين، من خلال التنسيق في الأمم المتحدة ومجموعة بريكس وغيرها من الأطر متعددة الأطراف، بما يعزز حضورهما في صياغة القرار الدولي.
ولا يعني هذا التقارب انحياز مصر إلى محور دولي علي حساب الاخر، فالقاهرة لا تسعي إلى استبدال شريك بل تنتهج سياسة تقوم على تنويع الشراكات وتوسيع هامش الحركة والمناورة، بما يخدم مصالحها الوطنية ويعزز قدرتها على التعامل مع عالم سريع التغير.
على المستوى الاقتصادي، يمثل التعاون المصري - الصيني أحد أهم ركائز الشراكة بين البلدين، مستفيدًا من التكامل بين القدرات الصناعية والتكنولوجية الصينية، والموقع الاستراتيجي والسوق المصرية الواسعة.
وتتجه الشراكة إلى توسيع التعاون في التصنيع وتوطين التكنولوجيا، خاصة في مجالات الطاقة الجديدة، والسيارات الكهربائية، والاتصالات، والذكاء الاصطناعي، والنقل واللوجستيات، إلى جانب مبادرة الحزام والطريق. ويبقى التحدي أمام مصر هو تحويل التكنولوجيا المستوردة إلى معرفة وإنتاج محلي، بما يدعم فرص العمل والصادرات.
وتأتي قناة السويس والمنطقة الاقتصادية في مقدمة مجالات التعاون، بما يتيح جذب الاستثمارات والمصانع الصينية وتحويل مصر إلى مركز للإنتاج والتصدير للأسواق العربية والإفريقية والأوروبية، مع استمرار الحاجة إلى معالجة اختلال الميزان التجاري بين البلدين.
أما على مستوى التعاون العسكري والأمني فيعد أحد المسارات المهمة في العلاقات المصرية - الصينية، حيث يشمل التسليح، والتدريبات المشتركة، وتبادل الخبرات، إلى جانب التعاون في مجالات التكنولوجيا الدفاعية والأمنية.
وتستفيد مصر من الخبرات والتطور التكنولوجي الصيني، بما يدعم تنويع مصادر التسليح وتعزيز قدراتها الدفاعية، بينما تمثل مصر بالنسبة إلى الصين شريكًا مهمًا بحكم موقعها الاستراتيجي ودورها المحوري في الشرق الأوسط وإفريقيا.
كما يكتسب التعاون الأمني أهمية متزايدة في مواجهة التحديات الإقليمية، والجريمة المنظمة والأمن السيبراني وتأمين الممرات البحرية، ومكافحة الإرهاب والتهديدات العابرة للحدود، بما يعكس انتقال العلاقات بين البلدين من التعاون التقليدي إلى شراكة استراتيجية متعددة المجالات.
وعلى صعيد اخر إذا كانت السياسة والاقتصاد هما المساحة الأسهل للتعاون، فإن اضرابات الشرق الأوسط تمثل الاختبار الأصعب في العلاقات المصرية - الصينية، فالمنطقة تواجه أزمات متشابكة تمتد من القضية الفلسطينية إلى السودان وليبيا والبحر الأحمر وأمن الطاقة والملاحة، بما يتجاوز تأثيرها حدود دول المنطقة إلى الاقتصاد العالمي.
ولا تعني الشراكة المصرية - الصينية تحالفًا عسكريًا لمواجهة طرف ثالث، وإنما تقوم على رؤية أوسع لمواجهة الفوضى بالتنمية والاستثمار وخلق فرص العمل وتعزيز المؤسسات، بما يقلل مخاطر التطرف والإرهاب والجريمة المنظمة والهجرة غير الشرعية.
وتتقاطع مصالح البلدين في عدد من الملفات، ففي القضية الفلسطينية يمكن الجمع بين خبرة القاهرة في الوساطة والثقل الدولي لبكين لدعم الحلول السياسية ورفض التهجير وإقامة الدولة الفلسطينية. وفي ملف سد النهضة، يمكن للصين توظيف علاقاتها المتوازنة لدعم الحوار والتسوية الدبلوماسية والقانونية بما يحفظ حقوق دولتي المصب واستقرار حوض النيل.
كما يمثل أمن البحر الأحمر وقناة السويس مصلحة مشتركة لحماية التجارة العالمية، بينما يتيح التعاون في السودان وليبيا دعم وحدة الدول واستقرارها وإعادة الإعمار. وفي ظل تصاعد التوتر بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، تبرز أهمية التنسيق المصري - الصيني لاحتواء التصعيد وحماية أمن الطاقة وطرق التجارة ومنع اتساع دائرة الفوضى في الشرق الأوسط.
وبعيدًا عن السياسة والاقتصاد، تستند العلاقات المصرية - الصينية إلى إرث حضاري عريق يجمع بين حضارتين من أقدم حضارات العالم. ويمنح هذا التاريخ المشترك التقارب بين الشعبين بُعدًا إنسانيًا يتجاوز المصالح المباشرة، ويفتح آفاقًا واسعة للتعاون الثقافي والتعليمي والعلمي.
وتبرز السياحة والتبادل الثقافي وتعليم اللغة الصينية والشراكات بين الجامعات ومراكز الأبحاث كجسور مهمة لتعزيز التواصل بين الشعبين، إلى جانب زيادة البعثات والطلاب والباحثين والفعاليات الثقافية المشتركة.
وتبقى قوة العلاقات بين الدول أكثر استدامة عندما تتحول من تعاون بين الحكومات إلى تواصل حقيقي بين الشعوب. فالمشروعات الاقتصادية قد تتغير، والسياسات قد تتبدل، لكن جسور المعرفة والتواصل بين الشعوب قادرة على البقاء، وتحويل العلاقات المصرية - الصينية إلى شراكة راسخة تتجاوز المصالح الآنية وتمتد إلى الأجيال المقبلة.
في النهاية، تربط القاهرة وبكين مصالح متبادلة، فمصر تبحث عن الاستثمار والتكنولوجيا وتوطين الصناعة، بينما ترى الصين في مصر سوقًا واعدة وبوابةً للأسواق العربية والإفريقية وممرًا استراتيجيًا عبر قناة السويس.
وإذا تحولت هذه المصالح إلى شراكة حقيقية في الإنتاج والتنمية، فلن يكون المستفيد مصر والصين فقط، بل منطقة بأكملها؛ فكل مشروع جديد وفرصة عمل واستثمار قد يكون خطوة نحو شرق أوسط أكثر استقرارًا، وتنميةً، وأقل عرضةً للفوضى.
فما يجمع مصر والصين أكبر من مجرد علاقات تجارية أو شراكة اقتصادية عابرة فالقاهرة تنظر إلى بكين باعتبارها شريكًا استراتيجيًا في إعادة رسم خريطة التنمية والتعاون في المنطقة.