فيينا تفتح حوارا جديدا حول مصر.. «حملة مواطن» تضع الجالية والشباب في قلب معادلة الانتماء

31-8-2026 | 01:49
فيينا تفتح حوارا جديدا حول مصر ;حملة مواطن; تضع الجالية والشباب في قلب معادلة الانتماءفيينا تفتح حوارا جديدا حول مصر
فيينا دعاء أبوسعدة

في قاعة النادي المصري بفيينا، لم يكن الحديث عن مصر مجرد استدعاء لوطن بعيد، ولا احتفال عابر تحت شعار «تحيا مصر»، بقدر ما كان محاولة للإجابة عن سؤال أكثر عمقا: كيف يبقى الوطن حاضر في وجدان أبنائه الذين يعيشون بعيدًا عنه؟ 

موضوعات مقترحة

وكيف يتحول الانتماء من شعور إلى معرفة، ومن معرفة إلى مشاركة وتأثير؟

من هذا السؤال انطلقت أعمال المؤتمر الوطني والتوعوي لـ«حملة مواطن» في النمسا، تحت شعار «بنوعي لبكرة»، بمشاركة عدد من الشخصيات العامة والأكاديمية والمجتمعية، وحضور واسع من أبناء الجالية المصرية، وفي مقدمتهم الشباب.

وضمت قائمة ضيوف المؤتمر اللواء الدكتور محسن الفحام، عضو الهيئة الاستشارية لحملة مواطن، والدكتور محمد يحيى غيدة، نائب رئيس الحملة، والدكتور حازم عطية الله، محافظ الفيوم الأسبق والمستشار الثقافي المصري السابق لدى النمسا والخبير في المجال السياحي، والقس أنطونيوس عوض بشير، ممثلا عن الكنيسة القبطية الأرثوذكسية المصرية ونائبا عن نيافة الأنبا جبرائيل أسقف النمسا والمنطقة الألمانية بسويسرا ورئيس دير الأنبا أنطونيوس، إلى جانب خالد حسين، المنسق العام لحملة مواطن في النمسا ورئيس النادي المصري بفيينا.

وأدار فعاليات المؤتمر الدكتور محمد يحيى غيدة، فيما امتدت المناقشات إلى الأبعاد المجتمعية والتوعوية، وسبل تحويل حضور المصريين في الخارج من وجود جغرافي بعيد عن الوطن إلى مشاركة أكثر تأثيرًا في قضاياه وصورته في العالم.

«بنوعي لبكرة».. الانتماء بوصفه مسئولية

تحركت أعمال المؤتمر حول ثلاثية الوعي والدعم والبناء، باعتبارها مدخل لإعادة صياغة علاقة المصريين في الخارج بوطنهم، بحيث تتجاوز الارتباط العاطفي إلى المعرفة والمشاركة وتحمل المسؤولية.

وشهد الجزء الأول مداخلات عبر تقنية الفيديو كونفرانس مع عدد من الكيانات المصرية في دول مختلفة، إلى جانب مناقشات حول تعزيز التنسيق بين المصريين بالخارج وفتح قنوات أكثر فاعلية مع مؤسسات الدولة، ولا سيما وزارات الخارجية والشباب والرياضة والسياحة والطيران، بما يسمح بتحويل خبرات الجاليات وعلاقاتها ومعرفتها بالمجتمعات المضيفة إلى رصيد من القوة الناعمة المصرية.

وأكدت المناقشات أن بناء الوعي الوطني لا يعني صناعة صوت واحد أو إلغاء الاختلاف فتعدد الآراء لا يتناقض مع وحدة الانتماء، والاختلاف حول السياسات والرؤى لا ينبغي أن يتحول إلى اختلاف على الوطن ذاته.

محسن الفحام: الجالية شريك لا متلق للخدمة

وأكد اللواء الدكتور محسن الفحام أن علاقة الدولة بالجالية المصرية في النمسا ينبغي ألا تظل مرتبطة بالمناسبات الوطنية أو معالجة المشكلات الفردية، داعي إلى بناء صيغة مؤسسية مستدامة تربط المصريين في الخارج بمؤسسات الدولة، وتتيح لهم المشاركة في المبادرات والبرامج الوطنية والاستفادة من خبراتهم وتخصصاتهم وعلاقاتهم.

ودعا إلى إنشاء قاعدة بيانات متكاملة لأبناء الجالية المصرية في النمسا، مع اهتمام خاص بالشباب، تتضمن تخصصاتهم وخبراتهم واهتماماتهم ووسائل التواصل معهم، بما يتيح إشراكهم بصورة أكثر تنظيمًا في المؤتمرات والمبادرات والبرامج ذات الصلة.

وبهذا المعنى، لا يعود المصري في الخارج مجرد مواطن ينتظر خدمة قنصلية عند الحاجة، وإنما يصبح شريك قادر على بناء جسور سياسية واقتصادية وثقافية وعلمية بين مصر والمجتمع الذي يعيش فيه.

جيل «Z».. الوعي في زمن الهاتف

واحتل الشباب مساحة محورية في المناقشات، خصوص جيل «Z» الذي تشكل وعيه داخل فضاء رقمي مفتوح، لم تعد فيه الجغرافيا وحدها تحدد مصادر المعرفة أو تشكيل المواقف.

وأشار الفحام إلى ما يواجهه هذا الجيل من تدفق للمعلومات المضللة والشائعات ومحاولات الاستقطاب والمحتوى المتطرف، مؤكد أن المواجهة لا يمكن أن تعتمد على الوعظ التقليدي؛ فجـيل يحمل العالم في هاتفه يحتاج إلى الحوار والقدوة والتفكير النقدي والقدرة على التحقق من المعلومات والتمييز بين الخبر والرأي والدعاية.

وشدد على أن الوعي لا يعني قبول كل ما يقال، بل امتلاك القدرة على السؤال والمقارنة والتحقق، محذر من محاولات إثارة الفتن والوقيعة بين المصريين في الداخل والخارج.

كما دعا إلى وجود أحد رجال الدين الإسلامي، من الأزهر الشريف أو وزارة الأوقاف، بصورة منتظمة للتواصل مع الشباب المصري في النمسا، والإجابة عن تساؤلاتهم الفكرية والدينية، ومواجهة الأفكار المتطرفة وظاهرة الإلحاد بخطاب مستنير يقوم على الحوار والفهم واحترام العقل.

الوطن يرى.. ولا يحكى فقط

ومن الأفكار التي استوقفت الحضور الدعوة إلى تنظيم برامج وزيارات للشباب والطلاب المصريين المقيمين أو الدارسين في النمسا، خصوصا من ابتعدوا عن مصر سنوات طويلة أو لم تتح لهم فرصة معرفتها بصورة مباشرة.

وأكد الفحام أهمية إتاحة الفرصة لهؤلاء الشباب لزيارة القاهرة والعاصمة الإدارية الجديدة والعلمين، والتعرف إلى شبكات الطرق والمشروعات التنموية والمتاحف والجامعات، والاطلاع بصورة مباشرة على ما تحقق خلال السنوات الأخيرة، خاصة في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي.

فمعرفة الوطن لا تبنى فقط بما يقال عنه من بعيد؛ والشاب الذي يراه بعينيه، ويلتقي بأقرانه ويقترب من تفاصيل مجتمعه، يصبح أكثر قدرة على تكوين رؤيته الخاصة والتعبير عنها أمام الآخرين.

حازم عطية الله.. حين تبدأ السياحة من المدرسة

وفي محور السياحة، طرح الدكتور حازم عطية الله رؤية تتجاوز الإعلان السياحي التقليدي إلى بناء علاقة معرفية مبكرة بين مصر والأجيال الجديدة في المجتمعات الأوروبية.

وأشار إلى أهمية السياحة وقناة السويس باعتبارهما من ركائز الاقتصاد المصري، لافتا إلى أن الأزمات السياسية والإقليمية قد تنعكس على حركة الملاحة والاقتصاد، بما يضاعف أهمية تعزيز مصادر الدخل وتنويعها.

وأكد أن السياحة ليست مورد للعملة الأجنبية فقط، وإنما صناعة للصورة والذاكرة والانطباع؛ ومن هنا طرح أهمية الوصول إلى الطلاب داخل المدارس النمساوية، مستعرض تجربة مسابقة للتعريف بمصر شاركت فيها عشرات المدارس، ووصل عدد المدارس المشاركة على مدى عامين إلى 127 مدرسة.

وقامت التجربة على إعداد الطلاب مشروعات حول التاريخ والثقافة والسياحة والحضارة المصرية، مع منح أفضل الفصول فرصة لزيارة مصر. ولم تكن القيمة في الرحلة وحدها، وإنما فيما سبقها من بحث ومعرفة؛ إذ دخلت مصر إلى الفصل الدراسي قبل أن يسافر الطلاب إليها.

وامتد أثر التجربة إلى إحدى المدارس الفنية، حيث أنجز الطلاب عشرات الأعمال المستوحاة من الفن المصري القديم، قبل أن تتحول إلى معرض دائم في قريتهم النمساوية 

لتصبح مصر تجربة معرفية وثقافية، لا مجرد إعلان سياحي عابر.

الكنيسة.. حين يصبح حب مصر فعلًا

ومن زاوية إنسانية، تحدث القس أنطونيوس عوض بشير عن مسؤولية المؤسسات الدينية والأسرة في بناء علاقة الأجيال الجديدة بوطنها، مؤكد أن الانتماء لا يقاس بكثرة الحديث عن مصر، وإنما بما يتحول إليه هذا الحب من سلوك ومسؤولية وخدمة للآخر.

واستعاد ما طرحه قداسة البابا تواضروس الثاني عن مصر بوصفه وطن تتقاطع في تكوينه الجغرافيا والتاريخ والحضارات والأديان، مشير إلى أن العلم المصري يمثل رمز جامع يتجاوز الانتماءات الفرعية.

وأكد أن حب مصر ينبغي أن يكون حبا لمصر كلها، وأن يجد ترجمته في البناء وخدمة المجتمع ومساعدة المحتاجين، مشير  إلى مبادرات إنسانية يشارك فيها الشباب خلال زياراتهم إلى مصر، بما يجعل الزيارة فرصة لاكتشاف الإنسان والوطن معا، لا مجرد برنامج سياحي.

لكن الأسرة، بحسب رؤيته، تظل المدرسة الأولى والأكثر تأثيرا فالطفل قد يقضي ساعات محدودة داخل مؤسسة تعليمية أو دينية، بينما يتلقى في منزله كل يوم المعاني الأولى للوطن والاختلاف والتسامح وقبول الآخر.

ومن هنا طرح سؤال بسيط في صياغته، عميقًا في دلالته: 

ماذا يسمع الطفل في بيته عن مصر؟

فالإجابة قد ترسم، إلى حد بعيد، شكل علاقته المستقبلية بوطنه.

وفي ختام اللقاء، تحدث الدكتور محمد يحيى غيدة عن احتكاكه المباشر بأبناء الجالية خلال أيام المؤتمر، مؤكد أن كثير من المشكلات التي تواجه المصريين في الخارج ليست عصية على الحل، لكنها تحتاج إلى قنوات اتصال أكثر انتظام وفاعلية مع مؤسسات الدولة.

وهنا ربما تكمن إحدى أهم رسائل المؤتمر... 

أن الاستثمار الحقيقي في الجاليات يبدأ بالاستثمار في وعي أبنائها...  لأن الشاب الذي يعرف وطنه، ويفهم تاريخه وواقعه وإنجازاته وتحدياته، لا يحتاج إلى من يلقنه ماذا يقول عنه، فهو يمتلك تجربته الخاصة، والتجربة الصادقة قد تكون في عالم شديد التشابك أكثر تأثيرا من عشرات الرسائل الدعائية.

وفي المشهد الختامي ارتفع داخل القاعة هتاف «تحيا مصر».

لكن القيمة لم تكن في الكلمات الثلاث وحدها، وإنما في السؤال الذي تركه المؤتمر مفتوح

كيف تتحول «تحيا مصر» من هتاف إلى علاقة حية بين الوطن وأبنائه؟

ربما تبدأ الإجابة حين لا تعود الجالية مجرد تجمع بشري خارج الحدود، بل امتداد حي لمصر في العالم.


فيينا تفتح حوارا جديدا حول مصرفيينا تفتح حوارا جديدا حول مصر

فيينا تفتح حوارا جديدا حول مصرفيينا تفتح حوارا جديدا حول مصر

فيينا تفتح حوارا جديدا حول مصرفيينا تفتح حوارا جديدا حول مصر

فيينا تفتح حوارا جديدا حول مصرفيينا تفتح حوارا جديدا حول مصر

فيينا تفتح حوارا جديدا حول مصرفيينا تفتح حوارا جديدا حول مصر

فيينا تفتح حوارا جديدا حول مصرفيينا تفتح حوارا جديدا حول مصر

فيينا تفتح حوارا جديدا حول مصرفيينا تفتح حوارا جديدا حول مصر

فيينا تفتح حوارا جديدا حول مصرفيينا تفتح حوارا جديدا حول مصر
كلمات البحث
اقرأ أيضًا: