كانت هناك علاقة محبة وتقدير متبادلة بين أبي على الراعي والكاتب الكبير نجيب محفوظ. كان محفوظ حريصا على أن يهدي رواياته إلى أبي مكتوبة بخط منمق وإهداء رقيق. ولا زلت اذكر المكان الذي خصصه والدي بإعتزاز في صدارة المكتبة لأعمال نجيب محفوظ المهداة إليه. كانا قد تعارفا في أواخر الأربعينات وتوطدت علاقتهما بمرور الزمان. وساعد على توافقهما اشتراكهما في الكثير من الملامح الشخصية مثل الجدية والبعد عن الأضواء والالتزام بالكتابة بوصفها واجب يومي.
موضوعات مقترحة
كانا يلتقيان كثيراً بحكم عملهما في نفس المجال الأدبي والفني، حيث تولى محفوظ مناصب إدارية في الهيئة العامة للسينما التابعة لوزارة الثقافة وكان أبي مسئولاً عن المسرح. وحكى لي أبي أنه في أثناء أزمة رواية أولاد حارتنا اتخذ ابي بوضوح جانب نجيب محفوظ وأشاد بالرواية وبحق الكاتب في الابداع وأن نجيب محفوظ ظل ممتناً لموقفه وكلما تقابلا يذكره بأن لن ينسى وقوفه معه في وقت الشدة بينما تخلى عنه الكثيرون.
وأذكر أنني بعد فترة قضيتها مثل كثيرين ممن هم في سني في قراءة روايات أجاثا كريستي وأرسين لوبين. ومع دخولي إلى المرحلة الثانوية أردت أن اتنقل إلى قراءة أعمال كبار الأدباء العالميين. سألت أبي بماذا تنصحني كي أبدأ في قراءة روايات لأدبائنا المعاصرين فقام واخرج من مكتبته ثلاثية نجيب محفوظ ونصحني بقرائتها. هالني ضخامة العمل في بادئ الأمر ولكن ما أن شرعت في القراءة حتى جذبني وكانت هي مدخلى إلى عالم محفوظ الواسع.
وظل نجيب محفوظ مواظبا على إرسال آخر إصداراته، وظل أبي متابعا دؤوبا لأعماله. وأذكر يوم تلقى أبي إحدى روايات نجيب محفوظ المتأخرة وهي يوم قتل الزعيم، بدأ على الفور في قراءتها وأعجب بها جدا واعتبرها عمل استثنائي وكتب عنها مشيدا بها.
لا زلت أذكر ذلك اليوم الذي حضرت فيه لقاءاً ثقافياً معه كان يتم بشكل منتظم في أحد فنادق المعادي. ويومها منعت الظروف الشخص المكلف بتوصيله إلى البيت من الحضور. وعندها عرضت عليه ، إذا سمح لي، أن أقوم أنا بهذه المهمة، ووافق محفوظ بكل تواضع وركب السيارة ومعه حارسه الخاص. أكاد لا أصدق. أي شعور يخالجني وأنا أقود سيارتي وبجواري أديبنا العظيم. وعند وصولنا إلى بيته في العجوزة صافحته بحرارة وربت على يدي وقال لي: شكراً يا بنت الغالي.