بعد مرور 20 عامًا على رحيله، لا يزال اسم الأديب العالمي نجيب محفوظ حاضرًا بقوة في المشهد الثقافي والأدبي، وكأن الزمن لم ينجح في إبعاده، بل منحه حضورًا أكثر عمقًا وتأثيرًا.
موضوعات مقترحة
وبينما تمر عقود على أعماله التي وثّقت تفاصيل المجتمع المصري وتحولات الإنسان، تبقى كتاباته مفتوحة أمام قراءات جديدة، قادرة على مخاطبة أجيال لم يعشها، وأسئلة لا تتوقف عند زمن كتابتها.
وفي ذكرى رحيله، تحدث الناقد الفني طارق الشناوي عن سر خلود نجيب محفوظ، وقدرته على تجاوز حدود الزمان والمكان، مؤكدًا أن صاحب نوبل أصبح مرجعية حقيقية لقياس الإبداع، وأن أعماله لا تزال قابلة لإعادة الاكتشاف والتقديم برؤى مختلفة، لأنها تخاطب النفس البشرية في كل عصر.
طارق الشناوي: الزمن لم يُبعد نجيب محفوظ بل جعله أكثر قربًا
أكد الناقد طارق الشناوي في تصريح خاص"لبوابة الأهرام"، أن مرور ما يقرب من 20 عامًا على رحيل الأديب العالمي نجيب محفوظ لم يؤثر في حضوره، بل جعله أكثر قربًا من الأجيال المتعاقبة، معتبرًا أن هذه القدرة على الاستمرار تمثل أحد أسرار الإبداع الحقيقي.
وقال الشناوي: «الزمن، أضرب لنجيب محفوظ، لم يُقسَم منه، وهذا يعني أن الزمن بيننا وبينه نحو عشرين عامًا مع رحيله، إلا إنه بيقترب، مش بيبتعد، وأعتقد إن ده سر الإبداع العظيم، إن الزمن يلعب دور إيجابي وليس سلبي».
نجيب محفوظ.. مقياس للإبداع الأدبي
وأشار طارق الشناوي إلى أن نجيب محفوظ تحول إلى مرجعية حقيقية يمكن من خلالها قياس قيمة الإبداع الأدبي، خاصة في مجال الكتابة الواقعية.
وقال: «نجيب محفوظ كان هو مرجعية أو ترمومتر للقياس، وده أعظم شيء للمبدع، إنه هو يتحول إلى المقياس الذي من خلاله نقدر نحكم على الأدب أو على الأديب».
وأضاف: «أتصور إن نجيب محفوظ طبعًا هو موجود بيننا، وكان ولا يزال هذا قائمًا أيضًا، إنه أصبح هو الترمومتر للإبداع، خاصة فيما يتعلق بالكتابة الواقعية، حضور نجيب محفوظ في الأجيال الجديدة ده حضور منطقي».
حوار طارق الشناوي مع نجيب محفوظ عن الزمن القادم
وكشف الشناوي عن حوار جمعه بنجيب محفوظ، مشيرًا إلى أن الأديب الراحل لم يكن يفكر وقتها في الكتابة للأزمنة المقبلة.
وقال: «سبق وسألت الأديب الكبير خلال حواري معه بإحدى المجلات المصرية عن الزمن القادم، قال لي: لا، لا أفكر في الزمن القادم، أنا أكتب لهذا الزمن».
وتابع: «كان هذا رده علي، أنا أكتب لهذا الزمن، ليس للزمن القادم، لكن الحقيقة إن الأيام أثبتت عكس ذلك، حتى وإن كان معنى كلامه إن الزمن القادم سوف يقدم كتابًا آخرين لديهم مفردات مختلفة ليخاطبوا جمهورًا هو لم يعشه، ده رأيه حرفيًا».
بعد رحيله.. نجيب محفوظ لا يزال يخاطب الحاضر
وأكد الناقد أن السنوات أثبتت قدرة أعمال نجيب محفوظ على تجاوز عصرها والاستمرار في مخاطبة الواقع والجمهور المعاصر.
وقال: «الحقيقة إن التجربة أثبتت إنه لا يزال نجيب محفوظ يخاطب هذا الزمن أيضًا، وأعتقد إن هذا أعظم تكريم لأي مبدع في أي مجال، سواء كان موسيقي، كان كاتب درامي، كان كاتب روائي، فنان تشكيلي، أيًّا ما كان الإبداع».
أعمال نجيب محفوظ.. إعادة اكتشاف لا تتوقف
وتطرق طارق الشناوي إلى قدرة إبداع نجيب محفوظ على التجدد وإعادة الاكتشاف من خلال القراءات والرؤى المختلفة، فضلًا عن إعادة تقديم عدد من أعماله فنيًا أكثر من مرة.
وقال: «نجيب محفوظ صاحب إعادة اكتشاف، إعادة قراءة، وده شفناه أكتر من عمل له، وإعادة تقديمه أكتر من مرة، زي "اللص والكلاب"، اتعمل مرتين، و"الشياطين" اتعمل مرتين، و"بين القصرين" مرتين».
كيف اخترق نجيب محفوظ حاجزي الزمان والمكان؟
وأوضح الشناوي أن عالمية نجيب محفوظ لا ترتبط فقط بكون أعماله خرجت من حدود مصر، وإنما بقدرته على التعبير عن النفس البشرية، مهما اختلفت الأماكن والأزمنة.
وقال: «نجيب محفوظ لأنه كان يخاطب النفس البشرية أياً كان موقعها وأياً كان زمانها، فاخترق حاجز المكان والزمان، وبالتالي أصبحت الإطلالات على إبداعه ممكنة في كل زمان ومكان».
أسئلة متعددة وإجابات لا تنتهي
ولفت الناقد إلى أن أحد أبرز أسباب بقاء أعمال نجيب محفوظ حية هو عدم تقديمها إجابات جاهزة، إذ تظل مفتوحة أمام التأويل وتمنح كل جيل فرصة لاكتشاف معانٍ جديدة.
وقال: «نجيب محفوظ أعماله دائمًا لها أكتر من قراءة، وبالتالي لها أكتر من إجابة، يعني فيها أسئلة، بيحمل سؤال، ولكن هذا السؤال ربما له عديد من الإجابات».
وأضاف: «ومع الزمن إنت ممكن تلاقي النهاردة إجابة، ممكن تلاقي إجابة أخرى، وهكذا، الإبداع بطبعه يفتح الباب أمام أسئلة، لا يقدم إجابات، وطالما هناك أسئلة فده بيمنح العمل الفني زمن غير محدد بالتوقيت، يعني يتجاوز زمن الإبداع وحياة حتى المبدع».
نجيب محفوظ.. مبدع لم يتوقف عند الرواية
وأكد الشناوي أن الصورة الذهنية الشائعة عن نجيب محفوظ باعتباره روائيًا فقط لا تعكس كامل تجربته، إذ خاض أنماطًا أدبية متعددة إلى جانب الرواية الطويلة.
وقال: «نجيب محفوظ كتب كل الأنماط، بل أكتر من كده، يعني كتب القصة القصيرة وكتب المسرح، رغم إن الوجه المباشر له هو إنه كاتب روائي للرواية الطويلة، لكن لم يتقوقع في شيء».
الحس الموسيقي.. سر خفي في كتابة نجيب محفوظ
واختتم طارق الشناوي حديثه بالإشارة إلى جانب يراه شديد التميز في كتابة نجيب محفوظ، يتمثل في الحس الموسيقي الواضح في بناء الحوار والجمل والإيقاع.
وقال: «في حاجة عميقة أنا بشوفها في كتابات نجيب محفوظ، الإحساس الموسيقي ده ملفت جدًا، فعندما تقرأ لنجيب محفوظ الحوار والتقطيع، إمتى بيتوقف، إمتى بيكمل، إمتى الجملة بتاخد مفردات أكتر أو أقل، تجد إنك بصدد حالة موسيقية، وده أظن كمان أيضًا من عمق الإبداع عند نجيب محفوظ».