• النحت حوار عنيف وهادئ مع الحجر.. وأحياناً ينتاب الفنان شكٌّ في جدوى ما يقدمه
موضوعات مقترحة
• جائزة السلطان قابوس علامة فارقة في مسيرتي.. وآدم حنين كان فيلسوف الحياة
بين قسوة الحجر وليونَة الروح، ينسج الدكتور عصام درويش، أستاذ النحت بكلية التربية الفنية، جامعة العاصمة، رؤيته التي تتأرجح بين صرامة الأعمال الميدانية وحميمية المنحوتات بالقاعات المغلقة. فالنحت ليس مجرد تشكيل لكتلة صماء في فضاء متبدل، بل هو مخاض طويل من الحوارات المحتدمة والأسئلة المؤجلة التي لا تنتهي إلا بولادة عمل يحمل بصمة الزمن وهواجس الذاكرة وهو ما يعمل عليه.
في حواره مع «بوابة الأهرام» يفتح الدكتور عصام درويش خزائن تجربته الممتدة لأكثر من ثلاثة عقود؛ ليستعيد محطات التتويج الكبرى بجائزة السلطان قابوس، ملقيًا الضوء على فلسفة التجريد المستوحاة من نبض الطبيعة، وعلاقة النحات بالمتلقي، وصولاً إلى إرث جيل التسعينات الفارق ودروس المعلم الراحل آدم حنين. فإلى نص الحوار..
نماذج من أعمال النحات عصام درويش
- حصولك سابقا على "جائزة ووسام السلطان قابوس" يعد محطة هامة.. فماذا يمثل لك هذا التتويج؟
جائزة ووسام السلطان قابوس جائزة كبيرة، وتعتبر أحد أهم الجوائز التي تتسم بالنزاهة والحيادية والشرف. طريقة إدارة الجائزة مهمة جدًا، وقيمتها زادت فى نظري وأصبحت من العلامات الفارقة فى مسيرتي. أن تحصل على جائزة بعد 35 عامًا من العمل أمر مهم؛ فأحيانًا ينتاب الفنان شيء من الشك، وكنت أتساءل: هل ما أقدمه مهم للناس؟
وعندما يأتي لي تكريم بهذا الحجم، أشعر أني أسير فى الطريق الصحيح وسوف أترك أثرًا للمجتمع الذى أنتمي إليه. مثل هذه الجوائز هى دافع كبير للاستمرار، خاصة وأن المنافسة شملت نحو 97 نحاتًا من مصر والعالم العربي، وهو ما يؤكد أهمية الحدث.
- تحدثنا عن معرضك الجديد بجاليرى "المشهد".. ما هو الدافع وراء فكرته؟
التجربة لدي أخذت مسارين؛ مسار الأعمال الميدانية، ومسار الأعمال التى تُعرض بالجاليرى، وعمل ترابط بينهما كان يتطلب كاتبًا يرى التجربة بصورة متكاملة، وهو ما تحقق مع الناقد التشكيلى محمد كمال الذي كتب عن مسيرتي بشغف. جاء هذا المعرض والكتالوج المرافق له بتحريض من الدكتور أشرف رضا، ليتناول مسيرتي الفنية منذ بداياتي في مجال النحت.
نماذج من أعمال النحات عصام درويش
- على الرغم من تكلفة إصدار الكتب الفنية، إلا أننا نرى كتبًا تصدر لتوثيق تجارب الفنانين.. كيف ترى أهمية هذا الإصدار لكل من الفنان والمتلقي معًا؟
عندما يتم تجميع تجربة فنان فى كتاب، فإننا نقدم جملة متكاملة ونتيجة بصرية واضحة. أعمال الفنان تكون متفرقة، خاصة فى مجال النحت الذى قد تكون فيه مرحلة تنفيذ العمل أهم من العمل ذاته وكيف أدت مرحلة لأخرى. الكتاب يصنع نوعًا من الربط المنطقي بين الأعمال، فكثيرًا ما كنت أُسأل: هل تميل للتشخيص أكثر أم التجريد؟ وأجيب بأن التجريد في أعمالي مستوحى من الطبيعة، مثل تجربة "بذرة النبات وهي تنبت"، والتي تبدو تشخيصية لكن يشوبها نوع من التصرف الفني. المتلقي أحيانًا لا يمنح نفسه فرصة للتأمل ليرى أنها أعمال واقعية. وهنا يأتي دور الكتاب في توضيح آليات التنفيذ، ومثالي على ذلك وضع تمثال "فاتن حمامة" بجوار تمثال "النبتة" لنوضح أن الفنان الذي نحت العملين واحد، ولكن لكل عمل خصائصه ومواصفاته.
نماذج من أعمال النحات عصام درويش
- هل يضم المعرض الجديد أعمال نحت ورسم معًا؟
نعم، يضم اسكتشات التماثيل، وسبق أن نفذت هذه التجربة فى معرض "المشهد 1"، حيث تعتبر تجربة الرسم مكملة لتجربة النحت. هذا المعرض هو تجربة جديدة أعمل عليها منذ أكثر من ثلاث سنوات، رغم إعطائي الأولوية دائمًا للأعمال الميدانية التي تعرض وسط الجمهور.
- معارضك النحتية قليلة نوعًا ما.. هل يُعزى ذلك لشغفك بالتماثيل والأعمال الميدانية؟
لكل عمل حالة خاصة به، وعندما تتاح لى الفرصة لتقديم عمل جماهيري أعطيه الأولوية وخاصة عندما أشعر أنه عمل حقيقي وسيعيش طويلاً. أما فى تجربتي الخاصة بالمعرض الفردى، فأنا أعمل بمشاعرى بشكل "أنانى"، حيث يخرج الفنان حالته الشعورية دون أن ينشغل بأحد، على عكس العمل الميدانى الذي يتطلب التزامًا بنسب وقواعد ومعايير محددة وشروط خاصة. ومن خلال تجربتي، فإن أعظم متعة يحصدها الفنان هى أن يشعر بتجاوب المتلقى من مختلف الفئات مع أعماله الميدانية.
نماذج من أعمال النحات عصام درويش
- كيف تصف طبيعة الحوار الذى يدور بينك وبين منحوتتك أثناء عملية الإبداع؟
تستطيع القول إن الفنان يلمس جميع مناطق الحوار وأساليبه أثناء مراحل الإبداع؛ فأحيانًا يكون الحوار هادئًا بطيئًا، ثم حماسيًا سريعًا، رقيقًا، أو عنيفًا. أحيانًا يحدث صدام ثم يعود رقيقًا متوافقًا. يظل هذا الجدال المرهق مستمرًا إلى أن تستقر الرؤية ويولد العمل، وهي عملية شاقة وصعبة للغاية خاصة فى مجال النحت.
- هل تضع المتلقى نصب عينيك خلال ممارستك للنحت؟
لابد أن أضع المتلقى فى ذهني دون أن أتخلى عن القيمة الفنية وأن يكون العمل جاذبًا للمشاهد، وهي معادلة صعبة. لو قدم الفنان عملاً بقاعة مغلقة بطريقة منفرة سينصرف المتلقى، ولكن فى العمل الميدانى المتاح للجميع يصبح الأمر مختلفًا بالطبع.
- تنتمي لجيل التسعينيات المعروف فنيًا بـ "جيل صالون الشباب".. ما سر تميز هذا الجيل، وما الرابط بينه وبين الأجيال اللاحقة؟
كنا همزة وصل بين الأجيال السابقة عليه فى النحت المصرى المعاصر مثل آدم حنين والوشاحى وصبحي جرجس، وبين الأجيال اللاحقة. لم يكن هدفنا تجاريًا، ففي تلك الفترة كانت أعمال من يبيع قليلة والدولة تقتنى العمل بحدود ألفي جنيه. كان الفنان يعمل فى هذا المجال بحب حقيقي، بينما يبدور الأمر حاليًا وكأن من يعمل يدخل مشروعًا لبناء حياته. أغلبنا كنا أكاديميين ننفق مرتباتنا الخاصة على العمل النحتى، وهذا صنع نوعًا من التصفية وبقي الفنان الحقيقى الذي يصدق تجربته. حاليًا، نحرص على تحفيز الشباب الجديد على المغامرة من خلال الجوائز، سواء جائزة آدم حنين أو فاروق حسنى وغيرهما، للحفاظ على مسار النحت والفنانين المجتهدين.
- تعُد أحد تلاميذ النحات الراحل آدم حنين.. فماذا تعلمت منه؟
آدم حنين كان فيلسوف الحياة. عندما كنت أسير بصحبته فى حديقة متحفه بالحرانية، كنت الحظ مدى انشغاله برؤية كل شئ مهما كانت بساطته؛ كان يركز على الرؤية العميقة، وكان يرى أكثر مما يتحدث. طبيعة عمله تشبه أعمال المصري القديم، تستقطب المتلقى دون ملل، وهذه هى القيمة الحقيقية التي دفعتني للارتباط بتركيبته الفنية. لقد كان آدم شبيهًا بتجربته، فهو انعكاس لنفسه وصاحب بصيرة حقيقية.