النقطة الأولى في تاريخ العلاقات المصرية-الصينية شديدة الوضوح، وقد وُضعت قبل سبعين عامًا، عندما كانت مصر أول دولة عربية أو إفريقية تعترف بجمهورية الصين الشعبية (مايو 1956م)، وبدأ المطر ينهمر.
بينما في كل المراحل التي جاءت بعد ذلك، تستطيع أن تلمس اطمئنانًا وارتياحًا في العلاقات التبادلية، وإن اختلفت بعض الأساليب، وفي وجهات النظر حول القضايا الدولية، وإن تضمنت في بعض الأحيان مقاربات غير متطابقة.
لقد أصرت القاهرة على تبني سياسة مستقلة عن الدول الغربية الأوروبية، وعن الولايات المتحدة الأمريكية، وكان جمال عبدالناصر عائدًا في العام السابق من باندونج (إندونيسيا)، وقد التقى هناك برئيس الوزراء الصيني شوان لاي، وتفاهم الرجلان حول فكرة باندونج تحديدًا، القائلة بالحياد الإيجابي وعدم الانحياز، والمصممة على رأي ثالث ما بين قطبي الغرب والشرق، على الرغم من ميول البعض تجاه أحدهما من دون الآخر في بعض المواقف.
وفي 16 مايو 1956م سحبت مصر اعترافها بحكومة تايوان، واعترفت بالصين الشعبية، ورأت الصين بوضوح أثر ذلك القرار، حيث مضت خلف القاهرة عواصم عربية وإفريقية عدة، وتقريبًا فتحت مصر الباب إلى العالم العربي وإفريقيا. ولا بد أن نعترف بأن بكين ردت فورًا بتبادل السفراء والوفود، وفتحت طريقًا للتعاطي المصري مع المعسكر الشرقي بأكمله، وليس الاتحاد السوفيتي فقط، وخصوصًا في مسألة البحث عن مصادر للسلاح. وكانت الصين إلى جانب مصر منذ اليوم الأول للعدوان الثلاثي سنة 1956م، وأبدت استعدادها للوصول إلى تضامن كبير مع مصر اقتصاديًا وعسكريًا. ربما تحتاج مسألة طرح الصين مساعدة عسكرية إذا طلبت مصر، إلى رأي الخبراء والمختصين بالملف المصري الصيني.
ورغم علاقته بزعماء الصين ويوغوسلافيا والهند وإندونيسيا فإن عبدالناصر أصر طوال الوقت على مساحة خاصة تتشارك فيها دول ليست شيوعية، كما أنها لا تريد الدوران في فلك الغرب. وحدثت توافقات وكذلك خلافات سياسية بين أطرافها، في بعض الأحيان، لكن ظلت مصر والصين حريصتين على الإبقاء على العلاقة، وعدم التفريط فيها، أو الذهاب بها إلى العداوة أو الإهمال.
أتذكر هذه السطور لمناسبة زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ لمصر، بعد عشر سنوات من زيارة سابقة، وهي زيارة كبيرة لرئيس دولة لا تتوقف عن إدهاش العالم، صناعيًا واقتصاديًا وتكنولوجيًا، ولا تنثني أمام محاولات الغرب تهميشها. وزيارة الرئيس شي تبرهن على بلدين يبنيان السلام، في وقت لا يتوقف فيه آخرون عن إشعال الحرائق، من الغابات إلى المدن، ومن المراكز إلى التخوم، ومن قتل الأطفال إلى هدم ومحو الحضارات، بما لا يمكن تفسيره خارج دائرة الانتقام والهمجية وغطرسة القوة.
ملفات الزيارة كثيرة ومتخمة، خصوصًا الاقتصادية، فمصر بحاجة إلى الاستثمارات الصينية والمدن الصناعية الصينية، فيما تدعم مصر المشروعات الصينية الكبرى الخالصة مثل الحزام والطريق، وتتشارك معها ومع دول تشبه "مبادئ باندونج" مثل البريكس. ولمصر مصلحة في استقرار التنمية والنمو في الاقتصادات الآسيوية، وعلى رأسها الاقتصاد الصيني. ويعزز من هذا التوجه المصري أيضًا (كتاب "العلاقات المصرية الصينية.. المشترك الحضاري والشراكة الإستراتيجية" تحرير د. محمد فايز فرحات / مطبوعات مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية 2022م)، تعمق ارتباط مصر بطرق التجارة الدولية الجديدة بين آسيا وأوروبا، وعلى رأسها المكون البحري في مبادرة الحزام والطريق، المعروف باسم "طريق الحرير البحري للقرن الحادي والعشرين" حيث شكلت قناة السويس حلقة مهمة في هذا المكون. ويشير د. فرحات إلى السياق الجديد لتطور العلاقات بين البلدين "إذ لم تعد هذه العلاقات تستند إلى خطاب سياسي موسمي، بقدر ما أضحت تستند إلى واقع موضوعي ومصالح مشتركة". وقد جمع كتاب "العلاقات المصرية الصينية" ما بين تقديمٍ واعٍ للدكتور وحيد عبدالمجيد، وأبحاث غاية في العمق لمجموعة من أبرز الخبراء في الشأن الصيني والآسيوي.
وقد تبدو النيران المشتعلة في الشرق الأوسط مانعة ومعطلة لتطور الحضور الصيني في الإقليم، وخصوصًا فيما يرتبط بمبادرة "حزام واحد.. طريق واحد"، التي طرحها الرئيس شي عام 2013م، كواحد من مبادراته العالمية الكبرى، إلا أنه في وسط الأزمة، فإن المبادرة تمضي، كونها ترتكز على تحسين البنية التحتية في الدول التي تمر بها، من سكك حديدية وموانئ ومطارات واتصالات. ويذكر الدبلوماسي المخضرم السفير د.السيد أمين شلبي (الحزام والطريق.. عصر جديد للتعاون الدولي.. الأهرام 8 يونيو 2026م) أنه وفقًا لبيانات وزارة التجارة الصينية، بلغ حجم الاستثمار الصيني المباشر غير المالي في الـ49 دولة التي يمر بها الحزام والطريق 14.82 مليار دولار أمريكي في عام 2015م، بزيادة 18.2% على عام 2014م. واستثمرت الصين في "الحزام والطريق" نحو خمسين مليار دولار أمريكي منذ عام 2013م حتى الآن. إنه محاولة لمد النفوذ بالاقتصاد وبتعزيز قدرات الدول وبنيتها الأساسية، وليس برسم خرائط الدم والخراب، وباحترام الآخرين، وليس بالإملاءات والأوامر الاستعمارية.
منذ منتصف الخمسينيات نظرت مصر إلى بعيد وانطلقت من باندونج في إندونيسيا لترسم سياسات وتضع مبادئ مع قوى آسيا الصاعدة، التي كانت شبه مجهولة، أكثر من ذلك شبه معزولة، وردت هذه القوى، خصوصًا الصين، بالامتنان والتقدير.