لنجيب محفوظ علاقة قوية بكل عاشق للسرد محب للقراءة، وأتصور أن أكثر ما يجذب القراء في المراحل الأولى في الطفولة هو عوالمه الساحرة الأخاذة التي تجذب المتلقي إلى أعماقها وتورطه بسلاسة وبتدرج. وهذا أمر يحتاج إلى دراسات كثيرة وأعتقد أن كثيرًا من جوانب الإبداع المتميز والمتفرد مثل إبداع صاحب نوبل لم تأخذ حظها من الدرس والبحث لمشاكل النقد الأدبي عندنا.
موضوعات مقترحة
سأتحدث هنا عن تجربتي الشخصية معه، وكيف جذبتني عوالمه الساحرة وشخصياته الفريدة وفرضت نفسها على ذهني الطفل الباحث عن التشكل من مراحله الأولى. كانت البداية في قراءته مع رواية ملحمة الحرافيش التي رأيتها عند زميل لي في المدرسة يكبرني بسنة كانت قد حصل عليها هو الآخر من أخيه ولكنه لم يقرأها. جذبني الغلاف في البداية ثم أعجبني حجمها الضخم، فقد كنت في تلك المرحلة أحب الكتب الكبيرة وأشعر أن العالم كله مخبأ بين دفتيها. كان لدى نهم كبير للمعرفة ولتجاوز حدود القرية الصغيرة التي تضيق على خيالي المتحفز. تدريجيا وجدتني أعيش عالما مختلفا كامل الملامح والأركان، انتقلت أجواء الحواري القاهرية بفتواتها وشيخ الحارة وتجارها وحرافيشها وصراعاتهم جميعا إلى عالم القرية الصغيرة. فتحت لي الرواية عوالم أخرى أوسع بكثير من تلك التي تمدنا بها المسلسلات، عوالم للخيال دور كبير في تكوينها مع الكتابة، زينب بنت الحمّار التي تزوجها عاشور الناجي لم تكن كاملة الملامح مهما أبدع محفوظ في تصويرها كان يترك دائما مساحة لخيال المتلقي، الأماكن والبيوت والهروب إلى الجبل في فترة الوباء، الزيجات والعمل والمال والصحة والمرض والموت، جيلا بعد جيل تتوالى الحكايات في تشابكها نفسه وبارتباطها القوي ذاته. عوالم ساحرة أفضل بكثير جدا من كل العوالم الجديدة التي كانت تقدمها الدراما التلفزيونية وقتها وبالطبع أفضل بكثير من السينما التي كانت سائدة في التسعينيات.
من بعدها عشقت الروايات الضخمة، فهذا أحد الأفضال الأولى لأدب نجيب محفوظ علي، وهو ما جعلني أقرأ عددا كبيرا من الروايات المترجمة إلى العربية لأعلام الرواية في العالم وبخاصة توماس مان وتولتسوى وديستويفسكي وظلت هذه العادة.
قرأت لمحفوظ روايات أخرى بعدها بالطبع، وروايات لغيره، لكن ظلت ملحمة الحرافيش في ذهني هي أم الروايات والنموذج الأكمل والأمثل، حتى قررت مؤخرا وبعد عملي في الجامعة واشتغالي بالنقد لأراجع وجهة نظري أو أتأكد منها، ولأجرب أيضا فكرة تطور القراءة مع تطور الثقافة وتراكم خبرات أكبر، فاكتشفت في الرواية أشياء كثيرة لم أكن منتبها لها في المرة الأولى، استوعبت مثلا مستويات الرمزية لديه، وكيف تؤدي كل شخصية دورا معينا وتحمل دلالات بعينها، وهذه الرمزية هي أكثر شيء حفزني على الكتابة الأدبية وجعلني أجرب كتابة القصة في الجامعة، وظلت مستمرة معي.
لفت انتباهي أيضا في قصصه شخصيات بعينها، صحيح أن كل شخصياته مميزة وتلفت الانتباه، لكن هناك نماذج من شخصيات محفوظ تظل تمارس سطوتها وتأثيرها على العقل والذاكرة ولا يمكن نسيانها، من هذه الشخصيات رجال ونساء ولكل شخصية دلالتها وملامحها وتبدو كلها حقيقية تماما، كما لو أننا التقيناها وعرفناها في الواقع وليس في إطار فن السرد.
تطورت علاقتي مع أدب محفوظ في مرحلة أخرى، حيث عشقت قصصه القصيرة، وكنت أبحث عن أي مجموعة قصصية له، وهذا كان في مرحلة الجامعة أيضا، حتى أني كنت أردد رأيا وقتها ثبت خطؤه وهو أن نجيب محفوظ القاص أفضل من الروائي وأني أحبه قاصا أو كاتب قصة قصيرة أفضل منه روائيا. تأكدت بالطبع بعد ذلك أن هذه نظرة خاطئة ورأي مندفع كنت مؤمنا به في ذلك الوقت الذي ربما كنت قد وصلت فيه إلى درجة من التشبع بروايات نجيب محفوظ وسرده، هذا تفسيري للأمر بعد ذلك، بعد أن قرأت له عددا كبيرا من الروايات وفي الوقت نفسه لم أكن أجد قدرة على الانفلات الكامل منه اتجهت إلى قصصه القصيرة واكتشفت فيها قدرا كبيرا من التركيز والتكثيف لعوالمه نفسها التي يسردها بالتفصيل وبتوسع في رواياته، فهذه المرحلة من التشبع القرائي بروايات محفوظ أفادتني من حيث لا أدري وجعلتني أنقب عن قصصه القصيرة ومجموعاته القصصية، فقرأت عددا كبيرا منها، واكتشفت أن إبداعه في القصة القصيرة كبير، بل يتخطى حجم أبداع أغلب من اشتهروا بالقصة القصيرة في جيله وعصره. وتوصلت بعد ذلك إلى خلاصة أن محفوظ كان يجعل من فن القصة مجالا للتجريب التمهيدي لكتابة الرواية، أي أن القصة هي المعمل الصغير الذي يجرب فيه أفكاره وتيماته وحبكات قصصه وهيكلها السردي، فكان يطرحها في قصص قصيرة.
لكني عدت بعد ذلك إلى رواياته مع الروايات الأخيرة التي لم أكن قد قرأتها، الروايات القصيرة التي كبتها في أواخر السبعينيات وحتى آخر عمل رواية قشتمر. هذه الروايات التي تتمدد عوالهما وتتسع لكن في فضاء سردي شديد التكثيف والإحكام وبالطبع شاركت بعض أساتذتي وأصدقائي الذين أحبهم الحديث حول أعماله، وترسخت لدي قناعة بأن أي حوار يدور حول محفوظ هو مصدر للمتعة الذهنية اللامحدودة، ومحفز على التفكير والتأمل المتجدد، ويدفع إلى الالتحام الإبداعي به سواء كان هذا الالتحام نقديا أو سرديا.
وبصورة إجمالية أتصور أنه أحد أبرز من شكلوا وجداني وأسهموا في تكويني سواء على المستوى السردي الإبداعي، أو على مستوى النقد، لذلك قررت أن يكون إبداعه حاضرا معي في كل كتبي الجديدة التي أقدم فيها النقد الإدراكي للسرد، وطبقت هذا بالفعل وهذا أمر طبيعي ، فهو كاتب فذ وكل شيء حاضر لديه في إبداعه الثري ومتعدد الجوانب، فبقدر ما هو إبداع ممتع وصالح لكل زمان على مستوى الإمتاع، فهو أيضا صالح للتطبيق على كل النظريات والمناهج النقدية الجديدة. ومازالت فيه جوانب كثيرة غير مكتشفة ويحتاج إلى بحث متجدد، ولكن وفق منهجية واضحة وليس مجرد انطباعات أو آراء شخصية أو تقييمات ذاتية، فهذا ما نحتاجه بقوة مع إبداع بهذا الحجم وتلك النوعية وهذا المستوى من التفرد والموهبة.