القاضية توموكو في قبضة مجرمي الحرب

30-8-2026 | 15:32

القاضية ورئيسة محكمة الجنايات الدولية، أكانيه توموكو، مدعية عامة يابانية منذ عام 1982، وهي في السبعينيات من عمرها، لم تحمل سلاحًا، أو تدخل حربًا، ولم تكن -في أي يوم من الأيام- طرفًا في أي صراع سياسي.

فجأة، وبدون مقدمات، وجدت القاضية اليابانية الجليلة أكانيه نفسها، بين مطرقة وسندان مجرمي الحرب، بعدما أصبحت محكمة الجنايات الدولية التي ترأسها، في مواجهة مع واشنطن، بسبب إصدار المحكمة مذكرتي اعتقال لرئيس حكومة الكيان العنصري الصهيوني ووزير دفاعه السابق بتهم تتعلق بارتكاب جرائم حرب، وكذلك جرائم ضد الإنسانية بفلسطين.  

بداية، أجزم بأن الكيان العنصري الصهيوني هو المستفيد الوحيد من قيام إدارة ترامب بفرض عقوبات على محكمة الجنايات الدولية، ورئيستها القاضية أكانيه توموكو، ضمن سلسلة من الحروب غير المقدسة، التي تستدرج واشنطن لخوضها -نيابة عن الكيان- لتصفية الحساب مع شعوب ومنظمات، تعاطفت مع فلسطين، وأدانت جرائم الإبادة الجماعية في غزة.

في التاسع من أغسطس الحالي، كتبت مقالا-هنا في بوابة الأهرام-بعنوان «إبادة وتصفية حساب مع الشعوب والقادة»، نوهت فيه إلى زيادة حجم المؤامرات الصهيونية-الأمريكية، لتصفية الحساب مع محكمة الجنايات الدولية، ومع الشعوب والقادة، الذين تضامنوا-علانية-مع الشعب العربي الفلسطيني، وأدانوا -بقوة- جرائم الحرب الإسرائيلية البشعة في غزة.

من تصفية الحساب مع دول مثل: إيران وكولومبيا وسلوفينيا وفنزويلا وكوبا، وكذلك، قائمة انتظار تضم: إسبانيا وأيرلندا وجنوب أفريقيا وتركيا، تنتقل دائرة الانتقام الصهيونية-الأمريكية، البشعة، لمعاقبة قاضية جليلة، مكلفة بالتحقيق في قضايا متعلقة بارتكاب جرائم حرب.
 
بعد مرور أيام على نشر مقالي (تحديدًا في 18 أغسطس)، أعلنت إدارة ترامب فرض عقوبات على رئيسة الجنائية، القاضية اليابانية الجليلة، أكانيه، على خلفية تحقيقات بشأن جرائم حرب، ضمنها إصدار مذكرتي اعتقال بحق مجرمي الحرب، نتنياهو ووزير دفاعه السابق جالانت:
فهل يجري معاقبة القاضية لأنها خالفت القانون؟ أم لأنها طبقت القانون في قضية عادلة لم تكن تل أبيب وواشنطن تريدان للمحكمة أن تحكم فيها؟

إلى جانب القاضية أكانيه توموكو، تشمل العقوبات كبير محامي الادعاء بالمحكمة، السنغالي عبد الله سي، وبموجبها، ستُجمد أي أصول يمتلكانها داخل الولايات المتحدة، كما سيُحظر عليهما دخول الأراضي الأمريكية.

وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، أطلق أوصافًا بالغة الإساءة تجاه محكمة الجنايات الدولية، وقال: «إنها هيئة فوق وطنية فاسدة ومسيسة إلى حد قاتل»، وأضاف: «لن نتسامح مع اعتداءاتها على سيادة الدول»!

طبعًا لدى واشنطن أسبابها لكي تعادي محكمة ليست عضوًا فيها، لكن مذكرتي اعتقال نتنياهو وجالانت أضافتا بعدًا إسرائيليًا مباشرًا، وجعلت حماية المجرمين وجنرالات الحرب -من ملاحقة المحكمة- بواجهة الصراع.

الشخص الوحيد في هذه الدنيا الذي رحب -صراحة- بالعقوبات الأمريكية ضد القاضية اليابانية الجليلة أكانيه، وكشف -بوضوح- عن وجهه القبيح من فرض العقوبات ضدها،هو مجرم الحرب بنيامين نتنياهو، المطلوب توقيفه بموجب المذكرة الصادرة عن الجنائية الدولية في نوفمبر 2024.

باستثناء تل أبيب وواشنطن، صدرت إدانة دولية واسعة تجاه العقوبات الأمريكية الظالمة المفروضة على القاضية اليابانية-الدولية الجليلة، وعلى كبير محامي الادعاء باعتبارها تهديدًا لاستقلال القضاء الدولي.
من بين الأصداء، أدانت الرابطة الدولية للمحامين ABA صراحة العقوبات، معتبرة أن استهداف قضاة المحكمة يمثل تهديدًا لاستقلال القضاء الدولي.

أيضا، أعرب أمين عام الأمم المتحدة، أنطونيو جوتيريش، عن القلق، وصرح المتحدث باسمه بأن المحكمة ركيزة أساسية للعدالة الدولية.

وأعلن الاتحاد الأوروبي دعمه الثابت لمحكمة الجنايات الدولية التي تعمل باستقلالية، وبدون ضغوطٍ خارجية، معربًا عن الأسف العميق للعقوبات.

صحيفة الجارديان البريطانية، وصفت العقوبات واستهداف القاضية أكانيه باعتباره جزءًا من محاولة دفع العالم ليصبح في قبضة مجرمي الحرب. 

أما صحيفة لوموند الفرنسية فقد وصفت الخطوة الأمريكية بأنها استمرار لمحاولات تقويض الجنائية الدولية وربطها بالتحقيقات المتعلقة بفلسطين.

في اليابان، إضافة إلى صدور بيانات حكومية شديدة اللهجة ضد معاقبة القاضية اليابانية- الدولية الجليلة، أبرزت الميديا بكل منصاتها القضية. فمثلا: نشرت صحيفة أساهي افتتاحية ملفتة، بعنوان «العقوبات الأمريكية الظالمة على محكمة الجنايات الدولية لا تسمحوا بتدمير النظام القانوني».

أما افتتاحية يوميوري شيمبون فقد طالبت بحماية المحكمة من اعتداءات أمريكا، ووصفت استهداف القاضية أكانيه بأنه هجوم غير عادل على قاضية يابانية تقود محكمة دولية مرموقة مشيرة إلى أن الإجراء الأمريكي يتعارض مع السياسات اليابانية، التي طالما أعلنت دعم سيادة القانون.

بقي أن أشير إلى أنني شاهدت على الفضائية اليابانية NHK تصريحات أكانيه، التي أدلت بها لأول مرة عقب فرض العقوبات، وقد تعهدت بأنها لن تخاف من التهديدات الأمريكية، وستبذل قصارى جهدها للدفاع عن المحكمة الجنائية الدولية، قائلة: «لن تهزم المحكمة الدولية أبدًا.. العدالة ستنتصر..وسنظل أوفياء لهذا الاعتقاد». وأعربت أكانيه عن توقعها بأن تلعب اليابان دورًا فعالاً في حماية المحكمة، وتجنب أي تصعيد أمريكي.

ذكرت القاضية أكانيه أن العقوبات بدأت تؤثر عليها شخصيا، وفعليا، بتعطل بطاقة الائتمان، مؤكدة أن القضاة والعاملين بالمحكمة يتمتعون بمعنويات مرتفعة، وأن العقوبات جعلتهم أكثر تمسكًا بالعمل المشترك.

نشرت الميديا اليابانية-كذلك-تفاصيل قيام أشخاص بتقديم باقة من زهور عباد الشمس، للقاضية الجليلة، أملا في تحسين حالتها النفسية، وذكرت الميديا أن هذا النوع من الدفء الإنساني جعل أكانيه تبكي في منزلها.

[email protected]

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: