29-8-2026 | 12:44

ماذا بعد أن تجاوزت ديون أمريكا حاجز الأربعين تريليون دولار؟!

وفي ظل توقعات ومخاوف باهتزاز الاقتصاد العالمي وحدوث أزمة مالية عالمية كبرى لأسباب شتى، فهل يعجل اهتزاز عرش الدولار بحدوث تلك الأزمة؟!

أمريكا بعد الأربعين!

يدخل الاقتصاد الأمريكي اليوم فى مرحلة مالية شديدة الحساسية بعد أن تجاوز الدين الوطني للمرة الأولى في التاريخ حاجز الأربعين تريليون دولار في أغسطس 2026، في رقم يعادل أكثر من 100% من الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي!

ووفق بيانات وزارة الخزانة، يتكون الدين من نحو 33 تريليون دولار ديونًا مملوكة للجمهور، ونحو 8 تريليونات دولار من الديون الحكومية الداخلية، والأكثر إثارة للقلق أن الدين ارتفع بنحو تريليون دولار خلال خمسة أشهر فقط بعدما كان قد تجاوز 39 تريليون دولار في مارس الماضي! 

المعضلة الكبرى تتمثل في سرعة تراكم الدين مقارنة بقدرة الاقتصاد على توليد الإيرادات والنمو؛ فقد سجل العجز الفيدرالي نحو 1.9 تريليون دولار في السنة المالية 2026، بما يعادل 5.8% من الناتج المحلي، وفي الوقت نفسه، لا يقدم أداء الاقتصاد مبررًا كافيًا لتجاهل هذه المشاكل المتفاقمة، ورغم استمرار قوة الإنفاق الاستهلاكي، الذي ارتفع بمعدل سنوي قدره 3.4%، فإن الاقتصاد يواجه ضغوطًا من ارتفاع الواردات وتباطؤ بعض مكونات الاستثمار والإنفاق الحكومي.. أما التضخم، فقد عاد ليشكل صداعًا إضافيًا بعد بلوغه نسبة: 3,7% في يوليو 2026، أي أعلى بكثير من هدف الاحتياطي الفيدرالي البالغ 2%!

هكذا تواجه أمريكا مفارقة تاريخية مثيرة للدهشة: اقتصاد يحمل جبلاً من الديون بلغ نحو 41 تريليونًا، وسط مزاعم القوة والصدارة والنمو!  

فهل يصمد الاقتصاد الأمريكي أمام وحش الاقتصاد الصيني الذي يتنامى بسرعة أكبر من قدرة أمريكا على الاستيعاب! وأمام مطالب الشعب الأمريكي الذي أنهكته الأسعار والضرائب بين إدارتين ديمقراطية وجمهورية عدمت الحلول؟! 

عصيان كندا

كشفت الأزمة التجارية الأخيرة بين الولايات المتحدة وكندا أن سياسة الرئيس دونالد ترامب في استخدام الرسوم الجمركية كسلاح اقتصادي دولي لم تعد مجرد وسيلة لحماية الصناعة الأمريكية أو تقليص العجز التجاري، وإنما تحولت إلى أداة ضغط سياسي على الحلفاء والخصوم معًا؛ فقد انهارت في أغسطس 2026 مفاوضات تجارية كانت تستهدف إعادة ترتيب العلاقة الاقتصادية بين واشنطن وأوتاوا، بعدما رفضت الحكومة الكندية ما اعتبرته شروطًا أمريكية تمس مصالحها وسيادتها، ولا سيما ما يتعلق بسياساتها الثقافية واللغوية، ورفض رئيس الوزراء الكندي "مارك كارني" تقديم تنازلات في هذا الملف، مؤكدًا أن حماية اللغة الفرنسية في كيبيك ليست بندًا تجاريًا قابلاً للمساومة!

وجاء الرد الأمريكي سريعاً؛ إذ فرض ترامب رسومًا تصل إلى 50% على سلع كندية بقيمة تقارب 20 مليار دولار، الأمر الذي دفع أوتاوا إلى إعلان رسوم انتقامية على واردات أمريكية بالقيمة نفسها، تشمل نحو 700 سلعة، من الصلب والأجهزة الإلكترونية إلى المنتجات الغذائية والآلات.. كما هدد ترامب بتوسيع الرسوم لتشمل قطاعات السيارات والصلب، في خطوة يمكن أن تضرب واحدة من أكثر سلاسل الإنتاج تكاملاً في العالم؛ فالتجارة بين البلدين بلغت نحو  715 مليار دولار في العام الماضي، بينما تشير تقديرات أخرى إلى أن إجمالي التجارة الثنائية تجاوز 870 مليار دولار عند احتساب مختلف السلع والخدمات.

وكان الموقف الكندي لافتًا بصورة خاصة في أونتاريو، أكبر مراكز الصناعة والتجارة الكندية، حيث صعد رئيس وزراء المقاطعة دوغ فورد هجومه على ترامب، واعتبر سياساته ابتزازًا اقتصاديًا، داعيًا إلى رد أقوى على واشنطن، ولم تعد الأزمة بذلك خلافًا بين حكومتين فقط، بل بدأت تتحول إلى مواجهة سياسية وشعبية داخل كندا، مع تزايد الدعوات إلى تقليل الاعتماد الاقتصادي على السوق الأمريكية وتنويع الشراكات التجارية مع أوروبا وآسيا.

تأتي الأزمة الكندية ضمن سلسلة أوسع من النزاعات التي فجرتها سياسة ترامب الجمركية منذ عودته إلى البيت الأبيض. فقد استخدم الرسوم ضد الصين والمكسيك والاتحاد الأوروبي وكندا، وفرض أو هدد بفرض رسوم على عشرات الدول، بحجة حماية العمال والصناعة الأمريكية ومواجهة الممارسات التجارية غير العادلة.. 

وفي يوليو 2026 وحده، أعلنت إدارة ترامب رسومًا إضافية تراوحت بين 10% و12.5% على واردات من نحو 60 اقتصادًا، بينما ظلت تحقيقات تجارية تستهدف الطاقة الصناعية الزائدة في الصين والمكسيك وفيتنام والاتحاد الأوروبي مفتوحة لاحتمال فرض إجراءات جديدة!! 

طلقة مرتدة

في مفارقة لافتة، تخوض واشنطن حربًا اقتصادية جديدة ضد إيران في الوقت الذي يواجه فيه الاقتصاد الأمريكي تعقيدات ومعضلات وتهديدات خطيرة! 

المدهش أن إدارة دونالد ترامب أطلقت ما أسمته: «هجومًا اقتصاديًا» على إيران، بهدف خنق شريانها المالي وقطع علاقاتها التجارية بالعالم، وعلى إثر ذلك أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية في 25 أغسطس فرض عقوبات على نحو 60 فردًا وكيانًا وسفينة مرتبطة بالنفط الإيراني وبرامج الصواريخ والطائرات المسيرة والأنشطة السيبرانية، مع التهديد بتوسيع العقوبات لتشمل أطرافًا أجنبية تتعامل مع طهران! لقد قررت أمريكا إطلاق سلاحها التقليدي العتيق الأقوى ضد إيران، سلاحها الاقتصادي، فهل ترتد الطلقة على مطلِقها؟! 

ثمة مشكلة كبرى أمام واشنطن هي أن فعالية العقوبات تعتمد على استعداد بقية العالم للالتزام بها؛ وهنا تبرز الصين باعتبارها الحلقة الأصعب؛ فهي المشتري الرئيسي للنفط الإيراني، وقد أعلنت بكين بوضوح أن علاقاتها التجارية مع طهران قانونية، وأنها ستدافع عن مصالحها في مواجهة العقوبات الأمريكية.. كما أن روسيا، التي أصبحت واحدة من أكثر دول العالم تعرضًا للعقوبات الغربية، لا تبدو مستعدة للانضمام إلى حملة أمريكية تهدف إلى عزل إيران!

هذا معناه أن واشنطن إن استطاعت جعل التعامل مع إيران أكثر تكلفة وخطورة، فإنها لن تتمكن بسهولة من جعلها معزولة عن الاقتصاد العالمي ما دامت تمتلك شركاء كبارًا مستعدين لمواصلة التجارة معها، والأهم أن استخدام العقوبات كسلاح يضع الولايات المتحدة نفسها أمام معضلة إستراتيجية هل تستطيع أمريكا فرض إرادتها على الصين وروسيا ودول أخرى دون إشعال مواجهة اقتصادية أوسع في وقت يعاني فيه الاقتصاد الأمريكي من تضخم وضغوط مالية ودين تجاوز 40 تريليون دولار؟ ماذا إن فكرت الصين فى بيع سنداتها الخاصة بالخزانة الأمريكية فجأة؟ ألن تحدث أزمة تضخم تهدد الأمن الاقتصادي الأمريكي كله؟
هكذا تتجلي المفارقة؛ أمريكا تستخدم أقوى أسلحتها المالية؛ لأنها لا تزال القوة الاقتصادية والمالية الأكبر، لكنها تضطر في الوقت نفسه إلى استخدام هذه القوة على جبهات متعددة، بينما تتزايد تكلفة الحفاظ على هذه المكانة نفسها، والخطر المحدق سيحدث إذا انقلب السحر على الساحر وارتدت الطلقة على صدر أمريكا ذاتها!

الاقتصاد العالمي في خطر

لن تغرق أمريكا وحدها فى تلك الأزمة المحدقة؛ فالاقتصاد الأمريكي المتمحور حول الدولار يلف حباله حول أعناق اقتصاديات أغلب دول العالم، وبانهياره ستنهار تلك السلسلة الجهنمية المرتبطة به..

الخطر الحقيقي لا يكمن في احتمال انهيار الاقتصاد الأمريكي غدًا، فهذا سيناريو بعيد؛ فالولايات المتحدة ما زالت تمتلك أعمق أسواق المال في العالم، وأقوى مؤسسات التكنولوجيا والابتكار، والدولار لا يزال العملة المركزية للنظام المالي الدولي.. غير أن الخطورة تكمن في تآكل هامش المناورة الأمريكي تدريجيًا: فكل دولار يذهب إلى خدمة الدين هو دولار أقل للاستثمار والبنية التحتية والتعليم والدفاع، وكل أزمة تجارية جديدة تدفع شركاء واشنطن إلى البحث عن بدائل، وكل استخدام للعقوبات المالية يدفع خصومها إلى بناء قنوات دفع وتسوية أقل اعتمادًا على الدولار.

ومن هنا قد تكون المفارقة التاريخية أن القوة الأمريكية نفسها قد تصبح أحد العوامل التي تدفع العالم إلى التعددية القطبية.. فالصين توسع نفوذها التجاري والتكنولوجي، وروسيا تحاول بناء شبكات اقتصادية ومالية خارج المنظومة الغربية، بينما تعمل دول الجنوب العالمي على تنويع علاقاتها وشركائها.

كلمات البحث