«يوم القيامة الاقتصادي».. هكذا وصفت إدارة ترامب حملتها الجديدة لخنق إيران اقتصاديًا.
فبعد أن توقفت العمليات العسكرية المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، وانتهت مذكرة التفاهم بين الطرفين، دخلت الحرب مرحلة مختلفة. صمتت الصواريخ، وتحدث الاقتصاد.
لكن ألم تعتمد إدارة ترامب في ولايتها الأولى سياسة «الضغط الاقتصادي الأقصى»؟ فما الجديد هذه المرة؟
الجديد هو توسيع العقوبات الامريكيه لتشمل الدول والشركات التي تساعد إيران، وتهديدها إذا واصلت التعامل مع طهران. لكن نجاح هذا التهديد ليس مضمونًا. فالصين وروسيا لا تبدوان مستعدتين للانضمام إلى الخنق الأمريكي، بينما ترددت دول أخرى في تقليص تعاملاتها مع إيران.
تراهن واشنطن على أن الظروف هذه المرة مختلفة.
فالاقتصاد الإيراني خرج من الحرب منهكًا، وتراجعت صادرات النفط بشدة، وانخفضت قيمة الريال إلى مستويات قياسية، بينما تشير التقديرات إلى تضخم يقترب من 70% وانكماش اقتصادي كبير هذا العام.
في مثل هذه الظروف، قد يبدو منطقيًا أن يؤدي المزيد من الضغط إلى نقطة لا يستطيع النظام بعدها الاستمرار.
لكن هناك مشكلة في هذا الرهان: الألم الاقتصادي لا يعني بالضرورة الانهيار السياسي.
إيران تعرضت للعقوبات لعقود، وطورت شبكات تجارية ومالية بديلة، ووجدت طرقًا لبيع نفطها وتوفير احتياجاتها الأساسية رغم العقوبات.
والسؤال إذن ليس هل ستؤلم العقوبات إيران؛ فهي تؤلمها بالفعل. السؤال هو: هل ستؤدي إلى انهيار النظام، أم ستدفع الإيرانيين إلى مزيد من الالتفاف حوله باعتبار أن البلاد تواجه تهديدًا وجوديًا؟
رهان ميرشايمر
يرى المفكر الأمريكي جون ميرشايمر أن الحسابات الإيرانية تختلف عن الحسابات الأمريكية.
فإيران لا تخوض الآن معركة لتحسين شروط اتفاق اقتصادي، وإنما ترى نفسها في معركة بقاء. وعندما تتحول الحرب إلى مسألة وجود، يصبح الاستعداد لتحمل الألم أكبر.
ولدى إيران ورقة أخرى: مضيق هرمز.
فالمضيق لم يُغلق بالكامل، لكنه لم يعد مفتوحًا بالمعنى الطبيعي أيضًا. وتشير البيانات إلى أن تدفقات النفط عبره انخفضت من نحو 20 مليون برميل يوميًا قبل الحرب إلى قرابة 5 ملايين.
ولا تحتاج إيران إلى إغلاق المضيق تمامًا كي تستخدمه كورقة ضغط. فمجرد تعطيل جزء كبير من حركة الملاحة يكفي لرفع كلفة الطاقة والشحن والتأمين عالميًا، بما في ذلك داخل الولايات المتحدة.
وهنا يصبح الضغط الاقتصادي سلاحًا ذا حدين: كلما زاد الضغط على إيران، زادت كلفة استمرار أزمة هرمز على الاقتصاد العالمي.
هل تستطيع أمريكا خنق إيران تمامًا؟
الخنق الاقتصادي الكامل يتطلب تعاون الدول التي تشكل شريان التجارة الإيراني.
الصين هي المشتري الأكبر للنفط الإيراني، ولا تبدو مستعدة لقطع علاقاتها مع طهران استجابة للضغط الأمريكي. كما تملك إيران شبكات مالية وتجارية تمتد عبر دول ومراكز مالية مختلفة، وتستخدم المقايضة والعملات غير الدولار والتحويلات غير المباشرة للالتفاف على العقوبات.
لذلك تستطيع واشنطن جعل التجارة مع إيران أصعب وأغلى، لكنها لا تستطيع بسهولة إيقافها ما لم تتعاون معها الدول التي تمثل شريان الاقتصاد الإيراني.
وهنا يكمن السؤال: إلى أي مدى تستطيع واشنطن الضغط على الصين وروسيا وتركيا وغيرها قبل أن تتحول حرب إيران إلى مواجهة اقتصادية أوسع؟
بينما يتغير العالم من حولها
هناك مفارقة أوسع تستحق التأمل.
في الوقت الذي تنشغل فيه الولايات المتحدة بالحروب والعقوبات والتعريفات والصراع السياسي الداخلي، تحاول الصين الانتقال من كونها «مصنع العالم» إلى قوة صناعية وتكنولوجية وابتكارية متكاملة.
لا يعني ذلك أن الصين أصبحت مركز الابتكار العالمي، ولا أن الولايات المتحدة فقدت ريادتها. لكن الاتجاه يستحق الانتباه: الصين تستثمر بقوة في التكنولوجيا والصناعة والطاقة، بينما تنفق الولايات المتحدة قدرًا كبيرًا من رأس مالها السياسي والإستراتيجي في إدارة أزمات جيوسياسية متتالية.
وفي الداخل الأمريكي، تظهر الاستطلاعات تراجعًا في الرضا عن الاتجاه الذي تسير فيه البلاد، بينما أصبحت الحرب الإيرانية نفسها عبئًا اقتصاديًا وسياسيًا متزايدًا.
وقد تكون المفارقة أن أمريكا تستطيع خنق الاقتصاد الإيراني، لكنها في الوقت نفسه تستنزف جزءًا من قوتها الاقتصادية والسياسية في محاولة فرض هذا الخنق.
ماذا ينتظرنا؟
هناك احتمالان رئيسيان.
الأول أن يصل الاقتصاد الإيراني إلى نقطة الانهيار. تتزايد البطالة والتضخم ونقص العملات الأجنبية، ويصبح استمرار المواجهة أكثر كلفة من التسوية، فتضطر القيادة الإيرانية إلى تقديم تنازلات بشأن هرمز والبرنامج النووي.
والثاني أن تتحمل إيران الألم، كما فعلت في السابق، وترى أن التخلي عن ورقة هرمز أو قبول الشروط الأمريكية أخطر على النظام من استمرار المعاناة الاقتصادية.
وهناك احتمال ثالث أكثر تعقيدًا: ألا ينهار النظام ولا تتراجع أمريكا، فيستمر الطرفان في حرب استنزاف طويلة بينما يدفع الاقتصاد العالمي جزءًا من الفاتورة.
في النهاية، العقوبات ليست اختبارًا لمن يستطيع إيلام الآخر أكثر، وإنما لمن يستطيع تحمل الألم لفترة أطول.
تراهن واشنطن على أن إيران ستنهار قبل أن تصبح كلفة استمرار المواجهة أكبر عليها. وتراهن طهران على العكس.
فإيلام إيران شيء، وإجبارها على الاستسلام شيء آخر تمامًا.